تقاسم أدوار مع «الحليف الجديد» في الحرب على «داعش».. الحدود لأنقرة والرقة لواشنطن

لؤي المقداد لـ «الشرق الأوسط»: محاولات من النظام لـ «التشويش» على التحالف الدولي > مصدر غربي: لا تنسيق مع طائرات النظام بل إنذارات

رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مجتمعا إلى القادة الأمنيين الذين يديرون العمليات ضد {داعش} والكردستاني في آنقرة أمس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مجتمعا إلى القادة الأمنيين الذين يديرون العمليات ضد {داعش} والكردستاني في آنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

تقاسم أدوار مع «الحليف الجديد» في الحرب على «داعش».. الحدود لأنقرة والرقة لواشنطن

رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مجتمعا إلى القادة الأمنيين الذين يديرون العمليات ضد {داعش} والكردستاني في آنقرة أمس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مجتمعا إلى القادة الأمنيين الذين يديرون العمليات ضد {داعش} والكردستاني في آنقرة أمس (أ.ف.ب)

تطفو مسألة «التنسيق» مع النظام السوري في ضربات التحالف الدولي - الإقليمي على تنظيم «داعش» على السطح مع كل تكثيف جديد للعمليات. وقد عاد هذا الموضوع إلى الواجهة مجددا مع دخول تركيا الحرب على التنظيم المتطرف في سوريا مؤخرا بالتزامن مع استمرار الغارات الجوية للتحالف الدولي في العمق السوري، وتحديدا في منطقة الرقة التي يشكو المعارضون السوريون من محاولات للنظام لـ«التشويش» عليها باستهداف المدنيين من جهة، وبادعاء التنسيق مع التحالف بشأنها من جهة أخرى.
وفيما نقلت صحيفة «حرييت» التركية أمس عن مصادر أن تركيا أبلغت النظام السوري بالغارات على «داعش» عبر الولايات المتحدة، وهو ما تنفيه مصادر المعارضة المخولة التنسيق مع التحالف الدولي. وكشفت مصادر تركية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن مسار جديد للغارات على «داعش» في سوريا بعد الاتفاق الأميركي مع تركيا، والذي ينص - وفق هذه المصادر - على تلزيم الغارات على «داعش» لأنقرة على طول خط الحدود مع سوريا وفي عمق يصل إلى 20 كيلومترا، فيما تتولى واشنطن وحلفاؤها الغربيون والعرب الضرب في العمق السوري، وتحديدا في الرقة.
وقال لؤي المقداد، رئيس مركز «مسارات» المعني بملف العلاقة بين المعارضة وقوات التحالف أنه يستطيع «الجزم بأنه لا يوجد تنسيق بين النظام والتحالف»، مشيرًا إلى أن عدة أسباب تمنع هذا التنسيق، منها عسكريا ذلك أن التحالف لا يشارك أية معلومة استخبارية مع النظام، نتيجة حساسية هذه المعلومات وعدم وجود ثقة بهذا النظام لمشاركته معلومات تتعلق ببنك أهداف التحالف الذي بني بالأساس على مبدأ إضعاف البنية العسكرية واللوجيستية للتنظيمات الإرهابية داخل سوريا، وعدم السماح لها بالتوسع إلى مناطق جديدة تحت سيطرة المعارضة المعتدلة. وفي الوقت نفسه ضرب البنية التحتية للتنظيم مما يخفض من قدرته على القيام بعمليات إرهابية خارج سوريا». وأضاف: «ما أنا مطلع عليه، هو أن أهم قواعد إطلاق النار التي يعتمدها التحالف في سوريا هو تجنب وقوع خسائر بين المدنيين، مع أن هذا الاحتمال يبقى واردا، بينما قواعد إطلاق النار عند النظام في منطقة الرقة تنحصر بالقيام بضربات على أهداف مدنية متزامنة مع غارات التحالف لتحقيق عدة أهداف يسعى إليها النظام، فيقول للداخل إنه محمي من السقوط لأنه ينسق مع التحالف في ضرب الإرهابيين، كما يتوجه لدول العالم لإبراز شراكته مع التحالف الدولي في محاربة هذا الإرهاب، وفي الوقت نفسه التشويش على عمل هذا التحالف ومحاولة إفقاده الحالة الشعبية من خلال استهداف المدنيين».
ويشير المقداد إلى تناقض كبير في كون النظام يريد أن يقول للتحالف أنه يعمل معه، لكنه لا يريد أن تعول الناس على المساعدة العربية والغربية للتخلص من الأسد والتنظيمات الإرهابية». ويقول: «أنا على اطلاع على ضربات التحالف في الرقة، وبعض هذه الضربات استهدف آليات وجسورًا وسيارات يستخدمها تنظيم داعش. وبعض هذه الأهداف كان في أماكن مكتظة بالسكان، لكن لم تسقط ضحية واحدة مدنية في هذه الغارات».
وفي الإطار نفسه، أوضح مصدر غربي عسكري، معني بملف المعارضة السورية، أن نوعية الذخائر التي يستخدمها التحالف في غاراته على «داعش» هي من جيل متطور من الذخيرة، وهذه الأسلحة تتفاوت في قوتها التدميرية، فالغارة التي تضرب جسرا، لا تستعمل فيها الذخائر المخصصة للسيارات أو للجرافات، بمعنى أن الشعاع التفجيري لهذه الذخائر يختلف باختلاف الهدف. مشددًا على أن كل ذخيرة تستخدم تكون قوتها التفجيرية متناسبة مع حجم الهدف».
وكشف المصدر أن غارة للتحالف يوم الثلاثاء الماضي استهدفت رافعة للتنظيم على أحد الجسور كان يستعملها «داعش» من دون أن يتأذى الجسر أو أحد من المارة. وأشار إلى أنه تم استهداف سيارة دفع رباعي فيها عناصر من «داعش» عند أحد الجسور المؤدية إلى الرقة الأسبوع الماضي، فتم قتل كل من فيها، لكن السيارات التي كانت قبلها وبعدها على الجسر لم تتضرر.
وشدد المصدر على أن غرفة عمليات التحالف تكون حريصة مع كل طلعة لطيران التحالف أن يتم اختيار السلاح المناسب تماما لطبيعة الهدف، إن كان عبر الطائرات الحربية أو عبر الطيارات من دون طيار. وأشار المصدر إلى أنه في حالة الغارات الليلية، أو في الأحوال الجوية السيئة يتم استعمال قذائف موجهة بالليزر لا تتجاوز نسبة الخطأ فيها 0.02 في المائة.
ويؤكد المقداد أنه يستطيع أن يؤكد أنه ليس هناك أي تعاون بين التحالف والنظام في الجانب العسكري، مشيرًا إلى أن رسائل التحالف للنظام كانت واضحة لجهة أنه إذا اعترض عسكريا أو حاول التدخل في عمل التحالف فسيكون التعامل معه بالنار فقط، وأي شيء يهدد سلامة طيران التحالف سيجري تدميره فورا، وما اعتبره النظام إبلاغا، كان إنذارا له». وقال: «الهدف الأساسي للتحالف هو إنهاء احتلال (داعش) والتنظيمات المتطرفة لمناطق المعارضة، وإبقاؤها محررة في الوقت نفسه، وهذا أحد أهم الأمور التي يحرص عليها التحالف، والدليل أن النظام لم يستطع أن يستفيد من ضربات التحالف بالسيطرة على أي منطقة ضربها التحالف، فغارات النظام تستهدف المدنيين فقط، فيما يعلم أهالي الرقة تماما أن غارات التحالف لم تستهدف أي هدف مدني، بل إن بعض الغارات على مراكز «داعش» في الرقة توقفت لأنه كان هناك شبهة بوجود مدنيين داخل هذه المقرات. وأشار إلى أن معدل ضربات التحالف خلال الأشهر السبعة الماضية كان نحو 20 غارة يوميا، وأهالي الرقة عندما يكون طيران التحالف في الأجواء يمارسون حياتهم الطبيعية، بعكس ما يفعلون عندما يقترب طيران النظام، لأنهم يعرفون أن يستهدف المدنيين».
ويشدد المصدر الغربي على أنه لا يوجد أي تنسيق بين طيران التحالف وطيران النظام، مشيرًا في المقابل إلى أنه لا ضرورة تقنية أصلا لهذا التنسيق لأن طيران التحالف المتطور يطير على ارتفاعات تصل إلى 50 ألف قدم، فيما أن طيران النظام يحلق على مسافات منخفضة لا تتجاوز 30 ألف قدم، موضحًا أن ما حصل هو أنه في بعض الحالات الاستثنائية توجد طائرات للنظام في مدى طائرات التحالف فيتم إنذارها بالابتعاد لا أكثر.
وكشف المصدر أن آخر هذه الحالات تمت يوم الجمعة قبل الماضي، وأن الطيار السوري انسحب من الأجواء فور توجيه الإنذار.
وحول ما تردد عن مشاركة طيارين بريطانيين لأول مرة في الغارات، يرى المقداد بدوره أن على المجتمع الدولي أن يتعامل بجدية أكبر لإنهاء وجود المجموعات المتطرفة في سوريا، وأنه يجب عليهم اتخاذ قرار بمنع الطلعات الجوية لنظام بشار الأسد لأن هدف هذا النظام، هو بالتأكيد ليس إنهاء وجود هذه الجماعات، وعلى الدول التي تقود التحالف، خصوصا الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية الانتقال إلى مرحلة أكثر جدية وصرامة في التعامل مع هذه التنظيمات، وأن يكون من ضمنها التنظيمات المتطرفة التي تحارب مع بشار الأسد، وخصوصا الميليشيات الإيرانية والعراقية. وأشار إلى أنه يتوجب على الحكومتين البريطانية والفرنسية اليوم أن تعززا من مشاركتهما بهذا التحالف، لأنه بمعدل الغارات القائم يمكن إضعاف «داعش» لكن ليس القضاء عليه. وشدد على ضرورة تكثيف غارات التحالف وتوسيع بنك الأهداف، مع الاستمرار في الحرص على المدنيين، وإيجاد آليات برية تسمح باستفادة المعارضة المعتدلة من هذه الغارات.
وعن تصريحات وزير الدفاع الأميركي حول مشاركة 60 عنصرا فقط في التدريبات الأميركية، قال المقداد: «نعم، انسحبت بعض تشكيلات الجيش الحر والثوار من برنامج التدريب الأميركي لأنه جرى الطلب منها توقيع تعهدات بأنها ستقاتل فقط تنظيم «داعش» لا النظام. وأضاف: «مع إدراكنا للصعوبات التقنية والسياسية لهذه الحكومات في تسليح الجيش الحر في مواجهة النظام، لكن إذا عدنا لعام 2005 نجد أن المنظمات التي يحاربها النظام اليوم ومنها عصائب أهل الحق والحرس الثوري الإيراني وحزب الله العراقي هي تنظيمات مدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية أصلا، لقتالها الجيش الأميركي في العراق، ونحن نطالبهم فقط بتطبيق لوائحهم فقط». وأضاف: «وعلينا أيضا أن نسمح للفصائل المقاتلة بحق الدفاع عن النفس إذا هاجمها النظام أو حلفاؤه، معتبرًا أنه إذا أرادت الولايات المتحدة تنفيذ برنامج التدريب فيجب عليها الأخذ في الاعتبار تطلعات الشعب السوري». وقال: «من انسحب من برامج التدريب، لم يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يقاتل (داعش)، لكنه يريد أن يحارب التنظيم والنظام وحلفاءه في الوقت نفسه».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.