كيف يؤثر الاتفاق النووي الإيراني على اقتصاد روسيا؟

الخبراء منقسمون بين ما إذا كانت موسكو رابحة.. أم «الخاسر الأكبر»

إيران ومجموعة (5+1) توصلت إلى اتفاق تاريخي من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد طهران في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي (أ.ف.ب)
إيران ومجموعة (5+1) توصلت إلى اتفاق تاريخي من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد طهران في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي (أ.ف.ب)
TT

كيف يؤثر الاتفاق النووي الإيراني على اقتصاد روسيا؟

إيران ومجموعة (5+1) توصلت إلى اتفاق تاريخي من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد طهران في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي (أ.ف.ب)
إيران ومجموعة (5+1) توصلت إلى اتفاق تاريخي من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد طهران في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي (أ.ف.ب)

تداعيات مزدوجة يفرضها الاتفاق النووي بين إيران والغرب على الاقتصاد الروسي، فبينما يقدم الاتفاق دفعة دبلوماسية لروسيا قد تعزز التجارة مع طهران في مجالات عدة تشمل الأنشطة النووية والجوية، لكن يمكنه أيضًا أن يقتنص من عائدات الطاقة التي تشتد الحاجة إليها في موسكو نتيجة التراجع المرتقب في أسعار النفط المنهارة فعليًا.
وبعد سنوات من العزلة، أصبحت إيران اليوم نظريًا من أكثر الدول التي يُمكنها الاندماج في المجتمع الاقتصادي العالمي بعدما يُفتح الطريق أمامها لجذب الاستثمارات العالمية في شتى المجالات. ذلك بعد أن توصلت إيران ومجموعة (5+1) إلى اتفاق تاريخي في 14 يوليو (تموز) الحالي من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد طهران في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي.
وبالنسبة للولايات المتحدة وشركائها الغربيين، يقول إريك دريتسور، المحلل الجيوسياسي بمجموعة «راديو كاونتر» الأميركية، إن «هذا الاتفاق يعتبر فرصة جديدة للشركات لجني مليارات لا تحصى من الدولارات من الأرباح عن طريق اختراق سوق غير مستغلة تقريبًا في كل شيء؛ من السلع الاستهلاكية لاستثمارات الطاقة والخدمات المالية».
وفي هذا الجانب، يقول دريتسور لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك إمكانية كبيرة لتحقيق أرباح ضخمة من السوق التي تتألف من عشرات الملايين من المواطنين المتعلمين تعليمًا عاليًا والآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تتطلع إلى عقد صفقات والنمو على المدى القريب والبعيد.
ويبدو أن دور موسكو كان محوريًا في التوصل إلى الاتفاق، ويقول خبراء إن هذا الدور يمكن أن يساعد في تلميع صورة روسيا الدولية التي تعرضت لانتكاسة خلال الأزمة في أوكرانيا.
وحالما يتم رفع العقوبات عن إيران، يُمكن لروسيا، التي شهد اقتصادها معاناة تعود بشكل جزئي إلى العقوبات الغربية المفروضة عليها، أن تكون في الخط الأول للفوز بعقود مربحة في القطاعات الرئيسية في إيران مثل الطاقة والنقل.
ويُضيف دريتسور لـ«الشرق الأوسط»: «ستُقدم روسيا سوقًا مهمة للصادرات الإيرانية غير الطاقوية؛ حيث تسعى الجمهورية الإيرانية لإطلاق الإنتاج المحلي للتصدير، خصوصًا في مجال المواد الغذائية». يتابع أنه «في مايو (أيار) الماضي، قررت روسيا السماح باستيراد اللحوم ومنتجات الألبان الإيرانية، وهو القرار الذي كان ينظر إليه باعتباره خطوة أولى مهمة في تنمية العلاقة التبادلية بين البلدين».
ويقول أندريه باكليتسك، مدير برنامج منع الانتشار النووي في مركز روسيا للدراسات السياسية، إن المجال سيُفتح أمام الشركات الروسية مثل السكك الحديدية الروسية وشركة لوك أويل للاستثمار في الكثير من قطاعات الاقتصاد الإيرانية.
وسبق أن أعلن فاجيت اليكبيروف، رئيس شركة النفط العملاقة لوك أويل، في أبريل (نيسان) الماضي، أن الشركة حريصة على العودة إلى إيران حالما يتم رفع العقوبات.
ويرى الخبراء أن الاتفاق النووي نفسه يعطي روسيا فرصًا جديدة في مجال الطاقة النووية. على سبيل المثال، فإن إيران بحاجة لشحن جزء كبير من اليورانيوم المخصب ونفايات الوقود، ومن المرجح أن يكون المتلقي هنا هي روسيا.
وقال سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي: «تسعى الكثير من الشركات الروسية لخفض التعاملات التجارية مع الغرب، مع البحث شرقًا إلى آسيا عن فرص اقتصادية جديدة».
وخلال العام الماضي، سارعت الشركات الروسية إلى التوقيع مع إيران على جميع أنواع الاتفاقات طويلة الأجل في مجال الطيران والنقل البحري التجاري والتجارة الزراعية للخروج من خشية أن جانبًا من الشركات الغربية ستتفوق في اقتناص تلك العقود كلما بدا الاتفاق النووي أكثر احتمالاً.
وأضاف لافروف، في تصريحات له بثها التلفزيون الروسي، إن احتمال استئناف التجارة مع إيران سيوفر بعض الراحة للاقتصاد الروسي، الذي تعرض للضرب من قبل العقوبات الدولية بسبب غزو الكرملين وضم شبه جزيرة القرم.
لكن رفع العقوبات قد يكون له أيضًا تأثير سلبي بالنسبة لروسيا، وذلك مع توقع عدد من الخبراء عودة إيران الكاملة لسوق النفط العالمية؛ مما يؤذي أسعار النفط العالمية، الذي من شأنه أن يضع مزيدًا من الضغط على روسيا، التي تعتمد بشكل كبير على مبيعات النفط.
وكان الانخفاض الحاد في أسعار النفط بين يونيو (حزيران) 2014 ويناير (كانون الثاني) 2015 واحدًا من العوامل الرئيسية لدخول روسيا في حالة من الركود بعد الضغوط المتزايدة على خزائن الدولة.
فروسيا التي كانت تنعم بعوائد النفط الضخمة، ارتفع بها عدد الذين يعيشون على أقل من 9662 روبل (169 دولارًا) شهريًا إلى 23 مليون في نهاية مارس (آذار) الماضي، وفقًا للبيانات الرسمية. وهذا العدد أكبر بنحو ثلاثة ملايين عن العام الماضي، بسبب مزيج من العقوبات الغربية وتراجع أسعار النفط الذي أدى إلى الركود الحاد.
وقال أولغا غولوديتس نائب رئيس الوزراء الروسي، للتلفزيون الروسي الأسبوع الماضي، إن «الوضع أصبح (بالغ الأهمية)، بعدما ارتفع التضخم بمعدل سنوي 16 في المائة في الربع الأول من 2015 الأمر الذي أدى إلى انخفاض في الأجور الحقيقية بنحو 14 في المائة في مايو و7 في المائة في يونيو».
ويرى بنك «غولدمان ساكس»، أن عودة إيران إلى سوق النفط، بعد الموافقة على الصفقة من قبل مجلس الأمن للأمم المتحدة والكونغرس الأميركي والبرلمان الإيراني، قد يدفع الأسعار للهبوط بوتيرة أسرع مما هو متوقع ليتعمق بذلك دخول روسيا في حالة الركود.
وانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 2.2 في المائة في الربع الأول من العام الحالي. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش بنسبة 3.8 في المائة خلال 2015، وبأكثر من واحد في المائة في عام 2016.
لكن محللين آخرين قالوا إن الانخفاض المتوقع في أسعار النفط لن يكون كارثيًا، نظرًا لمصلحة إيران - كعضو في منظمة أوبك - في ضمان استقرار سوق النفط العالمية.
وقال المحللون أيضًا إن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية وفرة في المعروض بالفعل لن يكون فوريًا، وأن أقرب وقت يمكن أن ترتفع فيه الصادرات الإيرانية سيكون العام المقبل.
ويشكك ريتشارد بن شفيق، وهو مدير برنامج الكفاءة السياسية الاقتصادية والعقوبات وأسواق الطاقة في مركز سياسات الطاقة العالمية، في قدرة إيران للعودة سريعًا لأسواق الطاقة العالمية.
ويقول بن شفيق، في مذكرة بحثية حصل «الشرق الأوسط» على نسخة منها: «حتى إذا سارت الأمور وفقًا للاتفاق، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لن ترفع العقوبات على إيران حتى عام 2016 على أقرب تقدير. وعندما يحدث ذلك، يمكن لإيران أن تبدأ في نهاية المطاف بيع ما يقرب من 30 حتى 40 مليون برميل من النفط المُخزن في صهاريج عائمة واسعة قبالة سواحلها. ويمكن أن يدفع ذلك الأسعار إلى أسفل بشكل متواضع».
ومن وجهة نظر متفائلة، يقول جورجي ميرسكي، وهو أستاذ في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو: «حتى إذا سارت الأمور بأقصى سرعة، وأصبحت إيران منافسًا جديًا لروسيا لما سيكون لها من مزايا تجارية في مجال النفط، فستظل روسيا رابحة من الاتفاق الأخير».
ويوضح ميرسكي، في مداخلة مع مؤسسة صوت أميركا (VOA) الإذاعية، إن روسيا يمكن أن تعوض جزءًا من خسائرها في السوق النفطية من خلال بيع الأسلحة إلى إيران بعد رفع الحظر المفروض على الأسلحة من قبل الأمم المتحدة.
لكن على صعيد آخر، وبالنظر في حيثيات الاتفاق النووي الأخير بين إيران والقوى الغربية، يجد اقتصاديون أن روسيا ستكون الخاسر الأكبر، وذلك لأن المرحلة المُقبلة ستشهد تقاربًا أكبر في العلاقات التجارية بين إيران والغرب؛ مما سيؤدى إلى تهديد المصالح الروسية في الدول الغربية، التي تعاني تهديدًا منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس 2014.
وحسب البيانات الرسمية، تراجعت التجارة الروسية مع الاتحاد الأوروبي - أكبر شريك لروسيا – بأكثر من الثلث في الشهرين الأولين من عام 2015. ويقدر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف أن العقوبات ستكلف روسيا 106 مليارات دولار خلال عام 2015.
ويقول توم مورغان، محلل السياسات العامة وأمن الطاقة، إنه «من المعروف أن روسيا استفادت كثيرًا من سنوات العداء بين إيران والقوى الغربية حيث كانت إيران تتجه لتقوية علاقاتها مع موسكو بغرض إيجاد حالة من الردع في مواجهة الولايات المتحدة والقوى الغربية».
ويضيف مورغان، في مقالته بمجلة «فوربس» العالمية: «مع رفع العقوبات عن إيران، سيُفتح طريق جديد لأوروبا للحصول على إمدادات الغاز من مُصدرين آخرين خلاف روسيا».
فعلى الرغم من انخفاض استهلاك الطاقة الأولية في الاتحاد الأوروبي بنسبة 0.2 في المائة منذ عام 1990، ازداد اعتماد الاتحاد على واردات الطاقة من أقل من 40 في المائة من استهلاك الطاقة الإجمالي في عام 1980 لتصل إلى 53.2 في المائة في السنوات الأخيرة، وفقًا لإحصاءات «يوروستات».
ووفقًا للمفوضية الأوروبية العامة للطاقة، حتى بعد الأخذ في الاعتبار أفضل الجهود المبذولة لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة من مصادر الوقود الأحفوري، لا يزال مستقبل اقتصاد الاتحاد الأوروبي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالواردات من المنتجات الهيدروكربونية المكررة والخام الرخيص من حيث التكلفة.
علاوة على ذلك، يرى مورغان أن إيران، التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، يمكنها أن تتنافس مع روسيا في نهاية المطاف لتلبية الطلب في أوروبا. ويقول: «على مر السنين، زودت روسيا أوروبا بنحو 40 في المائة من واردات الغاز، ولكن استخدام موسكو للطاقة كسلاح لتعزيز سياستها الخارجية عزز من عزم الاتحاد الأوروبي على مواصلة تنويع مصادر الطاقة».
* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»



المستثمرون الأجانب يتحولون إلى البيع الصافي في الأسهم الآسيوية خلال سبتمبر

رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
TT

المستثمرون الأجانب يتحولون إلى البيع الصافي في الأسهم الآسيوية خلال سبتمبر

رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)

تحول المستثمرون الأجانب إلى صافي البائعين للأسهم الآسيوية في سبتمبر (أيلول)، في انعكاس للتدفقات المسجلة خلال الشهر السابق، مع تراجع شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر بفعل الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأميركية، واستمرار المخاوف بشأن التضخم، وتشديد السياسات النقدية في الاقتصادات المتقدمة.

وبلغ صافي مبيعات المستثمرين الأجانب من الأسهم في المنطقة 23.49 مليار دولار، مقابل صافي مشتريات بنحو 4.72 مليار دولار في أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن «إل إس إي جي» التي تغطي أسواق الأسهم في كوريا الجنوبية وتايوان والهند وإندونيسيا وتايلاند وفيتنام والفلبين، وفق «رويترز».

واستحوذت كوريا الجنوبية على أكثر من 70 في المائة من إجمالي التدفقات الخارجة من المنطقة، مع انسحاب المستثمرين الأجانب من أحد أكبر الأسواق الآسيوية ذات الثقل في قطاع التكنولوجيا، عقب موجة صعود قوية للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال جيسون لوي، رئيس استراتيجية مشتقات الأسهم لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «بي إن بي باريبا»: «شهدت أسواق الأسهم الآسيوية الرئيسية تدفقات أجنبية خارجة واسعة النطاق في سبتمبر (أيلول)، بما يتماشى مع ردود فعل الأسواق المعتادة تجاه ارتفاع العوائد في الاقتصادات المتقدمة وصعود الدولار الأميركي».

وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 53.5 نقطة أساس خلال سبتمبر، ليصل يوم الأربعاء إلى 5.3645 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2002، مع تأجيج ارتفاع أسعار النفط المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

كما رفع كل من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة، في إطار مساعي صانعي السياسات لاحتواء الضغوط التضخمية التي تفاقمت بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن التوترات المرتبطة بإيران.

وعمدت صناديق التحوط العالمية أيضاً إلى تقليص انكشافها على الأسهم الآسيوية.

وأظهرت أبحاث «غولدمان ساكس» أن المراكز التي تتجاوز فيها حيازات صناديق التحوط من الأسهم الآسيوية أوزانها النسبية في المؤشر المرجعي، أو ما يُعرف بالمراكز ذات الوزن الزائد، تراجعت إلى 13 في المائة مقارنة بمؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بحلول منتصف سبتمبر، انخفاضاً من ذروة بلغت 20 في المائة في يونيو (حزيران).

وشهدت الأسهم الهندية بدورها تدفقات أجنبية خارجة كبيرة بلغت 3.75 مليار دولار الشهر الماضي، بعد شهرين من التدفقات الداخلة. وخلال الشهر الحالي، سجلت الأسهم الكورية الجنوبية والهندية مزيداً من التدفقات العابرة للحدود إلى الخارج، بلغت 4.81 مليار دولار و3.25 مليار دولار على التوالي.

وعلى أساس صافٍ، باع المستثمرون الأجانب أسهماً تايوانية بقيمة 1.28 مليار دولار، وتايلاندية بقيمة 783 مليون دولار، وإندونيسية بقيمة 576 مليون دولار، وفلبينية بقيمة 135 مليون دولار خلال الشهر الماضي.

في المقابل، سجلت الأسهم الفيتنامية تدفقات أجنبية داخلة محدودة بلغت 6.68 مليون دولار.

وقال وائل مكارم، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في شركة الوساطة «إكسنس»: «من المرجح أن تظل التدفقات الأجنبية تحت الضغط على المدى القريب».

وأضاف: «ما دامت عوائد السندات الأميركية مرتفعة، واستمرت الأسواق في تسعير توقعات تشديد السياسة النقدية خلال العام المقبل، فستواجه الأسهم الآسيوية منافسة من أصول ذات عوائد أعلى في الأسواق المتقدمة».


اليابان تراجع إنفاقها لاحتواء ضغوط الين والدين

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
TT

اليابان تراجع إنفاقها لاحتواء ضغوط الين والدين

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)

تسعى الحكومة اليابانية إلى إعادة صياغة سياستها الاقتصادية والمالية تحت ضغط الأسواق، مع تعهد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، بمراقبة تحركات الين والتضخم من كثب، وإطلاق مراجعة جديدة للإنفاق العام بهدف توفير موارد لتمويل تعهداتها الانتخابية دون زيادة الاعتماد على الاقتراض.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه اليابان ارتفاعاً في عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، وسط مخاوف المستثمرين من تدهور أوضاع المالية العامة واستمرار الضغوط التضخمية، في تحول يضع سياسات تاكايتشي التوسعية السابقة أمام اختبار اقتصادي وسياسي متزايد.

وقالت تاكايتشي، أمام البرلمان الجمعة، إن الحكومة ستواصل التدقيق في تطورات أسعار الصرف والأسعار، وستتعامل معها بصورة مناسبة، مشيرة إلى أن إدارة السياسة المالية ستأخذ في الحسبان مجموعة من العوامل المؤثرة في الاقتصاد، من بينها أسعار الفائدة وتحركات الين.

وجاءت تصريحاتها رداً على سؤال لأحد نواب المعارضة بشأن السياسة الاقتصادية والتداعيات المحتملة لضعف العملة اليابانية، ما يؤدي إلى رفع تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الغذائية، ويزيد الضغوط على الأسر والشركات.

وكانت تاكايتشي قد أكدت، الخميس، أن الاقتصاد الياباني لم يعد بحاجة إلى سياسات تستهدف إعادة تنشيط التضخم، بعدما تجاوز مرحلة الانكماش السعري التي استمرت سنوات طويلة.

كما شددت على احترام حكومتها الكامل لاستقلالية بنك اليابان في تحديد السياسة النقدية، في إشارة إلى أنها لن تعارض بالضرورة أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى أن تاكايتشي كانت من أبرز المدافعين عن السياسات المالية والنقدية التيسيرية، قبل أن تدفعها مخاوف الأسواق بشأن الدين العام والتضخم وضعف الين إلى تبني خطاب أكثر حذراً.

• تحول في السياسة الاقتصادية

يمثل الموقف الجديد محاولة لإقناع المستثمرين بأن الحكومة لم تعد تعتبر التوسع المالي والنقدي وسيلة مناسبة لمعالجة التحديات الاقتصادية الحالية؛ فبعد سنوات من التركيز على تحفيز الطلب والخروج من الانكماش، تواجه اليابان اليوم بيئة مختلفة تتسم بارتفاع الأسعار وتكاليف الاقتراض، ما يجعل زيادة الإنفاق الحكومي غير الممول أكثر عرضة لإثارة مخاوف الأسواق.

وتسعى تاكايتشي إلى تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استدامة المالية العامة، خصوصاً مع ارتفاع الإنفاق المطلوب للدفاع والسياسات الصناعية وبرامج تخفيف أعباء المعيشة.

وفي هذا السياق، تعهدت الحكومة بوضع سقف لإصدارات السندات الجديدة عند نحو 40 تريليون ين، رغم وصول طلبات الإنفاق المقدمة لإعداد موازنة العام المقبل، إلى مستوى قياسي يبلغ 143 تريليون ين.

ويزيد هذا التباين بين احتياجات الإنفاق والقيود المفروضة على الاقتراض أهمية البحث عن مصادر تمويل بديلة، لا سيما أن ارتفاع عوائد السندات يرفع تدريجياً تكلفة خدمة الدين العام.

• مراجعة شاملة للصناديق والدعم

أعلنت الحكومة، الجمعة، إعادة إطلاق مبادرة لمراجعة الإنفاق العام مستوحاة من نموذج «وزارة الكفاءة الحكومية» الأميركية، والمعروفة اختصاراً باسم «DOGE»، بهدف تحديد الأموال غير المستخدمة وإعادة توجيه الموارد إلى أولويات الموازنة.

وستركز الجولة الجديدة على 201 صندوق حكومي مخصص لأغراض محددة، يُقدر أن تبلغ أرصدتها مجتمعة نحو 7 تريليونات ين؛ أي ما يعادل 44.35 مليار دولار، بنهاية السنة المالية المقبلة.

وتعتزم الحكومة استرداد الأموال الراكدة، أو التي لم تُستخدم لفترات طويلة وإعادتها إلى الخزانة العامة، إلى جانب إخضاع برامج الدعم لتقييمات أكثر صرامة للتكاليف والمنافع.

وستعتمد المراجعة على خبراء خارجيين وأساليب لصنع السياسات تستند إلى الأدلة، بهدف تحسين كفاءة الإنفاق والتأكد من تحقيق البرامج الحكومية عوائد اقتصادية تتناسب مع تكلفتها.

وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، إن المبادرة ضرورية لبناء إطار للموازنة والضرائب يدعم هدف إدارة تاكايتشي المتمثل في تحقيق اقتصاد قوي مع الحفاظ على الاستدامة المالية.

وتأتي الخطوة بعد نتائج محدودة للجولة الأولى من المراجعة، التي تناولت نحو 120 إعفاءً وتدبيراً ضريبياً خاصاً، لكنها أسفرت عن 3 مقترحات فقط لإلغائها.

وأثار هذا الحصاد الضعيف تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تحقيق وفورات كبيرة من خلال مراجعة البرامج القائمة، ما زاد الضغوط لتوسيع نطاق التدقيق وتشديد معايير الإنفاق.

ونقلت «رويترز» عن مصدر حكومي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن تاكايتشي تعلق آمالاً كبيرة على المراجعة الجديدة، نظراً إلى ضخامة أرصدة الصناديق التي قد توفر مصدراً مهماً للتمويل.

لكن حجم الأموال الموجودة في هذه الصناديق لا يعني بالضرورة إمكانية تحويلها بالكامل إلى الخزانة العامة، إذ يرتبط بعضها بالتزامات وبرامج محددة، بينما قد تكون الوفورات الناتجة عن استرداد الأموال غير المستخدمة ذات طبيعة مؤقتة.

• خفض ضريبة الغذاء يختبر الموازنة

تسعى الحكومة إلى إيجاد موارد لتمويل خفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، المقرر بدء تطبيقه في أبريل (نيسان) 2027، وهو أحد أبرز تعهدات تاكايتشي الرامية إلى تخفيف الضغوط المعيشية.

لكن تمويل هذا الخفض يمثل تحدياً في ظل تزايد الاحتياجات المالية للدفاع والاستثمار الصناعي، وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.

ومن المنتظر أن تُستخدم نتائج مراجعة الإنفاق في محادثات الإصلاح الضريبي ومفاوضات إعداد الموازنة بنهاية العام، حيث ستواجه الحكومة مطالب متزايدة بتوضيح كيفية تمويل تعهداتها دون الإضرار بثقة المستثمرين.

ويرى اقتصاديون أن نجاح المراجعة لا يقاس فقط بحجم الأموال المستردة، بل أيضاً بكيفية إعادة توزيعها بين دعم الاستهلاك والاستثمارات التي ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

وحذر كيجي كاندا، كبير الاقتصاديين في «معهد دايوا للأبحاث»، من أن خفض تمويل الصناديق وبرامج الدعم لتغطية تكلفة تخفيض ضريبة الاستهلاك قد يؤدي إلى تحويل الموارد من إجراءات تعزز جانب العرض إلى سياسات تحفز الطلب.

وأضاف أنه إذا كانت أولوية الحكومة تتمثل في تعزيز إمكانات النمو الياباني، فإن توجيه الموارد المالية نحو الاستثمار سيكون أكثر فاعلية وأقل تسبباً في الضغوط التضخمية.

وتبرز هذه الملاحظة أحد التحديات الرئيسية أمام الحكومة؛ إذ إن تخفيف الأعباء الضريبية قد يدعم القدرة الشرائية للأسر، لكنه لا يعالج بالضرورة القيود الهيكلية على الإنتاج أو نقص العمالة وارتفاع تكاليف الطاقة.

• الأسواق تترقب الأفعال لا التصريحات

تواجه تاكايتشي مهمة استعادة ثقة أسواق السندات، بعدما دفعت المخاوف من زيادة الاقتراض الحكومي وتدهور المالية العامة عوائد الدين الياباني إلى مستويات مرتفعة تاريخياً.

وتزداد حساسية المستثمرين تجاه أي إجراءات قد تؤدي إلى توسيع العجز المالي، خصوصاً مع توجه بنك اليابان نحو تطبيع السياسة النقدية بعد سنوات طويلة من الفائدة شديدة الانخفاض.

وفي الوقت نفسه، فإن ضعف الين يضاعف تكلفة الواردات، بينما قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، ما يحد من قدرة الحكومة على الاعتماد على التحفيز المالي الواسع دون تداعيات.

ومن هنا، تكتسب تصريحات تاكايتشي بشأن احترام استقلالية بنك اليابان أهمية تتجاوز السياسة النقدية؛ إذ تشير إلى استعداد الحكومة للتكيف مع بيئة أسعار فائدة أعلى، بدلاً من الضغط للحفاظ على التيسير النقدي.

لكن الاختبار الفعلي سيأتي عند إعلان تفاصيل الموازنة المقبلة، ومدى قدرة الحكومة على تحويل مراجعة الصناديق والإعفاءات إلى وفورات ملموسة ومستدامة.

كما ستراقب الأسواق ما إذا كانت الحكومة ستلتزم بسقف إصدارات السندات الجديدة، وكيف ستوازن بين تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الدفاعي والصناعي.

وتعكس التطورات الأخيرة انتقال السياسة الاقتصادية اليابانية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها تحفيز الطلب وحده كافياً لدعم النمو، بينما أصبحت السيطرة على التضخم وتكلفة الدين واستقرار العملة أولويات متداخلة.

وتراهن تاكايتشي على أن تحسين كفاءة الإنفاق وإعادة توجيه الموارد يمكن أن يوفرا مساحة لتنفيذ تعهداتها دون إثارة مخاوف المستثمرين. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على حجم الوفورات الفعلية، وقدرة الحكومة على تقديم موازنة تقنع الأسواق بأن دعم الاقتصاد لن يأتي على حساب الاستدامة المالية.


اليورو يتجه لخسارة أسبوعية خامسة وسط مخاوف بشأن الديون الفرنسية

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

اليورو يتجه لخسارة أسبوعية خامسة وسط مخاوف بشأن الديون الفرنسية

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

اتجه اليورو يوم الجمعة نحو تسجيل خامس انخفاض أسبوعي متتالٍ، رغم تراجع وتيرة عمليات البيع، في ظل استقرار سوق السندات الفرنسية المتعثرة وانخفاض أسعار الطاقة وعوائد سندات الخزانة الأميركية، ما حدّ من مكاسب الدولار.

وكانت العملة الموحدة قد سجلت يوم الاثنين، أدنى مستوى لها في 17 شهراً عند 1.1161 دولار، وسط مخاوف المستثمرين بشأن بلوغ الدين الفرنسي مستويات قياسية وصعوبة المسار السياسي لخفض عجز الموازنة، في وقت يستفيد فيه الاقتصاد الأميركي من قوة أدائه ويدعم ذلك العملة الأميركية، وفق «رويترز».

واستعاد اليورو بعض خسائره، مرتفعاً بنسبة 0.2 في المائة يوم الجمعة إلى 1.123 دولار، لكنه ظل منخفضاً بنسبة 0.2 في المائة منذ بداية الأسبوع، وبأكثر من 3 في المائة مقابل الدولار على مدى الأسابيع الخمسة الماضية.

واستقر اليورو أمام العملات الأوروبية الأخرى، لكنه اتجه إلى تسجيل انخفاض أسبوعي بنسبة 0.3 في المائة مقابل الجنيه الإسترليني، بعد تراجعه بنسبة 1.1 في المائة خلال الأسبوع السابق، الذي شهد ذروة عمليات البيع في أسواق السندات الفرنسية.

واستقرت أسواق السندات العالمية يوم الجمعة مع تراجع أسعار النفط، عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد فيها أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر المقبل، مشيراً إلى إجراء محادثات مثمرة مع طهران بشأن الحرب.

وانخفض سعر خام برنت بنسبة 1 في المائة إلى 103.30 دولار للبرميل، ما دفع المتعاملين إلى تقليص رهاناتهم على رفع البنوك المركزية أسعار الفائدة، وهي رهانات أسهمت في دفع عوائد السندات إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة.

وقال ديريك هالبيني، رئيس الأبحاث في بنك «إم يو إف جي»: «يبدو أن اليورو يستقر بعد هبوط حاد، مدفوعاً بارتفاع العوائد العالمية وتزايد المخاوف بشأن الوضع المالي في فرنسا».

وأضاف: «ما زلنا نرى مؤشرات على مرونة الاقتصاد الأوروبي قد تساعد في استقرار اليورو عند هذه المستويات المنخفضة»، مشيراً إلى الزيادة الحادة في توقعات النمو الاقتصادي بألمانيا يوم الخميس، بما يتماشى مع تقرير سابق لوكالة «رويترز».

الدولار يتراجع مع انخفاض عوائد السندات الأميركية

تراجع الدولار الأميركي، متوقفاً عن مواصلة مكاسبه الأخيرة، بالتزامن مع اتجاه عوائد سندات الخزانة الأميركية نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ نحو 3 أشهر.

وانخفض مؤشر الدولار بنسبة 0.1 في المائة إلى 102.06 نقطة، بعدما لامس يوم الاثنين أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) من العام الماضي، عند 102.53 نقطة.

وارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1 في المائة إلى 1.324 دولار، فيما صعد الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة إلى 0.698 دولار.

في المقابل، اتجه الين الياباني نحو تسجيل رابع انخفاض أسبوعي متتالٍ، رغم محدودية تحركاته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية؛ إذ استقر سعر صرفه حول مستوى 158 يناً للدولار. وارتفع الدولار بنسبة 0.3 في المائة مقابل العملة اليابانية إلى 158.32 يناً.

وقال فيشنو فاراثان، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «ميزوهو سيكيوريتيز» بسنغافورة، إن الدولار يحتفظ «بموقع متقدم، لكنه هش، مستفيداً من ضعف أداء اليورو والين».

وسيراقب المتعاملون في أسواق السندات والعملات من كثب، مسار إقرار الموازنة الفرنسية خلال الأشهر المقبلة، في ظل مساعي الحكومة لخفض العجز، الذي يبلغ حالياً نحو 5.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما ستتجه الأنظار إلى تصريحات أبرز المرشحين للرئاسة، ومن بينهم مارين لوبان، المنتمية إلى اليمين المتطرف، مع اقتراب الانتخابات المقررة العام المقبل.

وفي سياق متصل، أغلق طلاب فرنسيون مدارس ونظموا مسيرات في عدة مدن يوم الخميس، في إطار استمرار الاحتجاجات على أوضاع التعليم، ما يسلط الضوء على التوازن الدقيق الذي يتعين على القادة تحقيقه بين المطالب بزيادة الإنفاق الاجتماعي وحذر الأسواق إزاء الأوضاع المالية.