الداخلية المصرية: «انتحاري» نفذ عملية طابا ونواجه تحديات إرهابية صعبة

مقتل خمسة متشددين في سيناء.. و«بيت المقدس» تتبنى تفجير حافلة السياح

وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين  في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
TT

الداخلية المصرية: «انتحاري» نفذ عملية طابا ونواجه تحديات إرهابية صعبة

وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين  في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية اللواء هاني عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «المعلومات الأولية لحادث تفجير حافلة السياح، والذي وقع في طابا أول من أمس، تشير إلى وجود شخص انتحاري فجر نفسه داخل الحافلة»، مؤكدا أن بلاده «تواجه تحديات إرهابية صعبة في الآونة الأخيرة».
وكان أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة سياح كوريين، قتلوا خلال الانفجار، الذي نتج عنه تهشم الحافلة أيضا. وفي بيان نشر على مواقع الإنترنت أمس، ولم يجر التأكد من صحته، أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن التفجير، كما «أمهلت السائحين في مصر أربعة أيام للخروج بأمان وإلا سيجري استهدافهم».
وأبدى مسؤولون مصريون ودوليون إدانات واسعة للحادث، في وقت قالت الحكومة الكورية الجنوبية أمس إنها «ستتعاون مع نظيرتها المصرية والمجتمع الدولي لمعرفة ملابسات التفجير».
وأوضح اللواء عبد اللطيف أن المعلومات المتوفرة حتى الآن ترجح قيام انتحاري بالتفجير، وأنه في الأغلب شاب عمره في أواسط العشرينات. وأنه «دخل الحافلة السياحية أثناء توجه السائق إلى مخزن الحقائب بالحافلة، حيث استغل غياب السائق عن مقعده ولحظة فتح الباب وصعد للحافلة لتنفيذ جريمته، وبينما حاول السائق منعه، فجر نفسه في الجزء الأمامي بجانب مقعد السائق، مما قلل من عدد الضحايا».
وأوضح المتحدث في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أنه «جرى العثور على أشلاء آدمية وبقايا ملابس في موقع الحادث، حيث تجري المباحث المصرية تحقيقاتها الآن للوصول إلى الملابسات النهائية للتفجير والمتهمين فيه».
وشهدت مصر في الآونة الأخيرة، ومنذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، العديد من التفجيرات والعمليات المسلحة التي استهدفت عناصر من الجيش والشرطة. واتهمت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراءها، كما أعلنتها «جماعة إرهابية».
وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن تفجير طابا، قائلة إنها سوف تستمر في استهداف المنشآت الاقتصادية والسياحية والعسكرية. وقالت الجماعة في بيان نشر على حساب باسمها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أمس: «جرى استهداف الحافلة في طابا وتفجيرها، وسنظل نستهدف قاداتهم واقتصادهم»، في إشارة إلى السلطات الحالية والمصريين المعارضين لجماعة الإخوان.
وأمهلت الجماعة السائحين في مصر أربعة أيام لمغادرة البلاد وإلا سيجري استهدافهم. وقال البيان: «إلى جميع السائحين بمصر، كما أمهلنا الشرطة 72 ساعة وبعدها جرى استهدافهم، نمهل السائحين بمصر أربعة أيام للخروج بأمان؛ وإلا لا تلوموا إلا أنفسكم».
وكانت «بيت المقدس» تبنت عددا من العمليات الإرهابية التي وقعت بمصر، ومنها تفجير خطوط الغاز المصري في سيناء، وعمليات اختطاف وقتل لجنود الجيش والشرطة هناك.
وعلق المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية على بيان «بيت المقدس» قائلا: «لم نتحقق منه بعد، لكننا نأخذ مثل هذه الأمور مأخذ الجد، ونعمل بجدية للقضاء على كل الجماعات الإرهابية المسلحة في سيناء وخارجها»، مضيفا أن «هذه الجماعات الإرهابية تعمل على تدمير السياحة المصرية، خاصة بعد النجاحات الأمنية الأخيرة التي كللت بعودة النشاط السياحي لمعدلاته الطبيعية بعد قيام كثير من دول العالم برفع قراراتها بحظر السفر إلى مصر».
وشدد اللواء عبد اللطيف على أن «مصر تواجه حاليا تحديات وتهديدات إرهابية صعبة في الداخل والخارج، وأنهم يتوقعون حدوث مثل هذه التفجيرات». وأضاف: «نحقق يوما بعد الأخر نجاحات كبيرة في مكافحته، والعالم كله يدرك أبعاد المعركة التي تواجهها مصر حاليا».
وكانت وزارة الصحة المصرية أعلنت أمس ارتفاع عدد المصابين جراء تفجير طابا إلى 16 مصابا بإصابات مختلفة ما زالوا تحت العلاج بمستشفى شرم الشيخ الدولي، منهم 13 كوريا وثلاثة مصريين، مشيرة إلى أن عدد الوفيات النهائي بلغ أربع حالات، منهم ثلاثة مواطنين كوريين ومصري واحد.
وزارت وزيرة الصحة الدكتورة مها الرَّبَّاط أمس المستشفى للاطمئنان على حالة المصابين وتوفير العناية الطبية اللازمة لهم، والتقت نائب السفير الكوري لدى القاهرة وهشام زعزوع وزير السياحة، واللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء، وجرى الاتفاق على كافة الإجراءات اللازمة لسفر المصابين وذويهم إلى بلادهم بعد انتهاء علاجهم وكذلك سفر الضحايا.
وفي إطار الجهود الأمنية لتعقب منفذي الهجوم، قال مصدر أمني بوزارة الداخلية إن «القوات المسلحة بالتعاون مع قوات الشرطة شنت أمس حملة أمنية واسعة في عدة مناطق بمحافظة شمال سيناء، أسفرت عن القبض على 18 من العناصر التكفيرية شديدة الخطورة».
كما أعلن العقيد أحمد علي، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، أن «قوات الجيش الثاني تمكنت أمس من مداهمة عدد من البؤر الإرهابية بمدن بئر العبد والشيخ زويد ورفح، وأسفرت الحملة عن مقتل خمسة من العناصر التكفيرية الخطرة التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، والقبض على ثلاثة آخرين، بالإضافة إلى حرق 34 عشة تستخدمها العناصر التكفيرية كقاعدة انطلاق لتنفيذ هجماتها الإرهابية ضد عناصر الجيش والشرطة».
وأضاف المتحدث في بيان له أمس أنه «جرى حرق وتدمير ثلاث دراجات نارية، وعربتين دون لوحات معدنية، تستخدمها العناصر الإرهابية في تنفيذ هجماتها». ونوه إلى قيام قوات حرس الحدود بمدينة رفح بالتنسيق مع عناصر الهيئة الهندسية من ضبط وتدمير 21 نفقا على الحدود مع غزة، ليصبح إجمالي ما جرى تدميره من الأنفاق حتى الآن 1275 نفقا.
وأعقب حادث طابا إدانات واسعة لمسؤولين مصريين ودوليين. حيث أكدت دار الإفتاء المصرية أن التعرض للسائحين بالقتل أو الأذى «منكر عظيم وذنب جسيم؛ لتعارضه مع مقتضى تأميننا لهم الذي ضمناه لهم بسماحنا لهم بدخول بلادنا بالطرق الشرعية، وكذلك الحال في التعرض لغير المسلمين في بلادهم بالعمليات الانتحارية أو التفجيرية فإنه حرام لا مرية فيه أيضا».
من جهتها، قالت الحكومة الكورية الجنوبية: «نشعر بالاستياء والصدمة البالغة جراء عملية التفجير». مؤكدة في بيان أمس: «سنشارك في مساعي المجتمع الدولي للقضاء على العمليات الإرهابية بصورة إيجابية، على أساس مبدأ أن العمليات الإرهابية هي من الجرائم ضد الإنسانية ولا مبرر لها ولا بد من استئصالها بأي حال من الأحوال». كما أكدت أنها «ستتعاون مع الحكومة المصرية والمجتمع الدولي من أجل معرفة ملابسات الحادثة ودوافعها».
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الهجوم الإرهابي. وأعرب عن خالص تعازيه لأسر الضحايا وحكومتي مصر وجمهورية كوريا، داعيا إلى تقديم الجناة إلى ساحة العدالة.
كما استنكر الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي الحادث، مؤكدا في بيان أمس أن «هذا العمل الخسيس يهدف إلى ضرب السياحة المصرية، وتقويض فرص تعافي الاقتصاد». بينما نصحت فرنسا رعاياها في مصر بـ«اتباع البيانات والإجراءات الأمنية المدرجة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.