الأمير محمد بن سلمان يتجه إلى فرنسا ويلتقي هولاند غدًا

مصادر دبلوماسية في باريس: العلاقات الفرنسية - السعودية تعيش «شهر عسل»

الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد
الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد
TT

الأمير محمد بن سلمان يتجه إلى فرنسا ويلتقي هولاند غدًا

الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد
الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد

تعيش العلاقات الفرنسية - السعودية مرحلة شبيهة بـ«شهر العسل» وفق توصيف مصادر دبلوماسية في باريس حيث يتعاون الطرفان في كل الميادين السياسية والدفاعية والأمنية والاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية والتربوية والصحية. وتؤكد هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، أن الطرفين «راغبان في الوصول إلى شراكة استراتيجية متميزة» أرست أسسها الزيارات المتبادلة عالية المستوى وأهمها زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى باريس سبتمبر (أيلول) العام الماضي، ثم الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الرياض في مايو (أيار) الماضي. وتأتي الزيارة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد وزير الدفاع إلى باريس، وفق هذه المصادر، من أجل «تعميق التفاهم والتنسيق بشأن الملفات السياسية والإقليمية» من جهة، ومن جهة أخرى، من أجل «ترجمة رغبة البلدين في إطلاق مشاريع ومشاركات محسوسة واستثمارات متبادلة». وتشير المصادر الفرنسية إلى أن الرئيس هولاند زار المملكة ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث التي أمضاها حتى الآن في قصر الإليزيه وهذا «بحد ذاته» دليل على موقع وأهمية السعودية في الرؤية الفرنسية للمنطقة ولأهمية العلاقات التي تقيمها باريس معها.
ويصل الأمير محمد بن سلمان إلى باريس صباح اليوم يرافقه وفد رسمي كبير يضم وزيري الخارجية والتجارة ووزراء ومسؤولين آخرين ومستشارين. وأُعد لولي ولي العهد برنامج حافل من الاجتماعات الرئيسية أهمها لقاؤه الرئيس هولاند في قصر الإليزيه بعد ظهر يوم غد. ويأتي اللقاء عقب اجتماعه بوزير الخارجية لوران فابيوس الذي يرأس معه أعمال اللجنة التنسيقية العليا المشتركة الدائمة التي أنشئت عقب زيارة الدولة التي قام بها هولاند إلى السعودية نهاية 2013. ويرأس اللجنة من الجانب الفرنسي وزير الخارجية فابيوس، وذلك بطلب من الرئيس هولاند الذي كلفه بمتابعة ملفات التعاون الثنائي والاستثماري مع المملكة باعتباره مروجًا لما يسمى «الدبلوماسية الاقتصادية»، بينما يشرف عليها من الجانب السعودي الأمير محمد بن سلمان بصفته رئيس لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن المنتظر أن يلي الاجتماع مؤتمر صحافي.
ويسبق اجتماع اللجنة لقاء تحضيري يضم الوزير فابيوس ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير، لمراجعة مواقف الطرفين من القضايا التي ستناقش. وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من المنتظر توقيع مجموعة من العقود في قصر الإليزيه إما قبل أو بعد الاجتماع بين الرئيس هولاند والأمير محمد بن سلمان»، وهي ستتناول على الأرجح الاستثمارات والنووي المدني والنقل والتعاون في القطاع البحري. لكن الأساسي من المحادثات المنتظرة بين الرئيس الفرنسي وولي ولي العهد، وفق هذه المصادر، سيتركز على المسائل الإقليمية من سوريا إلى العراق واليمن والجهود الفرنسية لمعاودة إطلاق محادثات السلام.
ويوم الخميس، يلتقي الأمير محمد بن سلمان، بصفته وزيرًا للدفاع، جان إيف لو دريان، وزير الدفاع الفرنسي، للتباحث بشأن الملفات الدفاعية والتعاون العسكري بين الطرفين، ومن بينها الاتفاق الثلاثي؛ السعودي الفرنسي اللبناني، الخاص بتنفيذ الهبة السعودية (بقيمة 3 مليارات دولار) لتسليح الجيش اللبناني من خلال مشتريات عسكرية فرنسية بدأ تسليمها في شهر أبريل (نيسان) الماضي. كذلك يستقبل الأمير محمد بن سلمان مسؤولين عن الجالية الإسلامية في فرنسا بينهم عميد مسجد باريس ورئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الدكتور دليل بو بكر.
وتقول المصادر الفرنسية إن العلاقات الثنائية مع السعودية تنهض على «قاعدة متينة من التفاهم السياسي والرؤية المشتركة» للتعامل مع القضايا الملتهبة في المنطقة وأهمها أربعة: الملف النووي الإيراني وأمن الخليج، والموضوع السوري، والعراق والحرب على الإرهاب، وأخيرًا الملف اليمني. وبالنسبة للملف الأول، تتبنى باريس والرياض مقاربة تقوم على الدعوة للتوصل إلى اتفاق نووي نهائي بين طهران ومجموعة البلدان الستة وتمكين طهران من الاستفادة من التطبيقات المدنية للطاقة النووية، لكنها بالمقابل يتعين توفير كل الضمانات الدولية التي تمنع عسكرة البرنامج الإيراني واستغلاله للحصول على السلاح النووي. وتتمسك باريس بمواقف «متشددة» عبرت عنها في أكثر من مناسبة؛ إذ إنها تريد «اتفاقًا قويًا» بحسب فابيوس يوفر «الشفافية» ويمكِّن وكالة الطاقة الدولية من الوصول إلى كل المواقع الإيرانية ذات الصلة بالبرنامج النووي مع القبول برفع تدريجي للعقوبات التي يمكن إعادة العمل إذا لم تنفذ طهران التزاماتها.
وفي الملف السوري، تتطابق المواقف السعودية والفرنسية التي تدعو إلى حل سياسي يقوم على إنشاء «سلطة انتقالية تنفيذية» تتولى المسؤولية في دمشق بحسب ما ورد في بيان جنيف لصيف عام 2012 مع رفض إعطاء دور للرئيس السوري بشار الأسد في مستقبل سوريا. وتقول باريس إن السلطة المذكورة يجب أن تتشكل من المعارضة المعتدلة ومن أطراف في النظام لا تنتمي إلى الدائرة المقربة للأسد. وينتظر أن يتبادل الطرفان، السعودي والفرنسي، وجهات النظر بشأن الحرب في سوريا، خصوصًا بشأن ما آلت إليه المواقف الروسية. وجدير بالذكر أن الأمير محمد بن سلمان تباحث بشأن هذا الملف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقائهما في مدينة بطرسبرغ، أواخر الأسبوع الماضي. كذلك، فإن فابيوس سيلتقي نظيره الروسي سيرجي لافروف مساء هذا اليوم قبيل اجتماع الوزراء فيما يسمى بـ«مجموعة النورماندي» الخاصة بأوكرانيا والمتشكلة من: فرنسا، وألمانيا، وروسيا، وأوكرانيا. وتعول باريس على دور لروسيا في الأزمة السورية؛ إذ إن مصادرها تتلمس «بوادر تطور» في الموقف الروسي، مما يستدعي نقاشًا معمقًا لمعرفة سقفه والمدى الذي يمكن أن تبلغه موسكو لبلورة حل سياسي للأزمة السورية.
ما يصح على الأزمة السورية، يصح كذلك على امتداداتها إن بشأن أمن واستقرار لبنان وحاجته لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وتقوية الجيش اللبناني أو بالنسبة لاستقرار الأردن. كذلك تتطابق المواقف بشأن العراق والحاجة لمشاركة كافة مكونات الطيف العراقي في صناعة القرار ومحاربة «داعش» والمحافظة على وحدة العراق. وكان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قد زار باريس بداية الشهر الحالي للمشاركة في اجتماع «المجموعة المصغرة» للتحالف الدولي حيث كررت على مسامعه مطالب الائتلاف والحاجة إلى سياسة «جامعة» ولوضع كل القوى التي تقاتل «داعش» تحت سلطة الحكومة العراقية.
أما بخصوص الملف اليمني، فقد دعمت باريس «عاصمة الحزم» منذ إطلاقها سياسيًا واعتبرتها «شرعية وتتوافق مع القانون الدولي» ووفرت لقوات التحالف العربية معطيات استخبارية وما زالت تدعو لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الداعي إلى انسحاب الحوثيين من العاصمة صنعاء ومن المدن التي احتلوها منذ شهر سبتمبر الماضي.
وفي ملف القضية الفلسطينية، تحرص باريس على التأكيد على أهمية المبادرة العربية التي أطلقتها السعودية وتبنتها قمة الجامعة العربية في عام 2002. ويوم السبت الماضي، التقى فابيوس وزراء لجنة المتابعة العربية في القاهرة بحضور الوزير عادل الجبير للتأكيد على أهمية المبادة وعلى الدور العربي في محاولة إعادة إطلاق المفاوضات المتوقفة منذ فشل المساعي الأميركية ربيع العام الماضي.
وأمس، قالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الأمير محمد بن سلمان والوزير فابيوس سيعملان على إطلاق المشاريع المشتركة في قطاعات أربعة، هي: الطيران، والنووي المدني، والقطاع الصحي، والاستثمارات المتبادلة. وبحسب تصريحات سابقة للوزير فابيوس أدلى بها في الرياض عندما رافق الرئيس هولاند في زيارته الأخيرة، فإن الجانبين يناقشان تنفيذ ما لا يقل عن عشرين مشروعًا اقتصاديًا ودفاعيًا مشتركًا تبلغ قيمتها «عشرات المليارات» من اليورو. وتشمل هذه المشاريع، وفق الوزير الفرنسي، الطاقة الشمسية والنووية، وقطاع الطيران، والبنى التحتية الخاصة بالنقل «جدة والمدينة»، والصحة، والتعاون العلمي والثقافي... ورأى فابيوس أن تلك الشراكة «وصلت إلى سرعة أعلى مع نتائج (اقتصادية) ملموسة»، مضيفًا أن الحكومتين «راغبتان في التعجيل» في بدء العمل بهذه المشاريع.
وجدير بالذكر أن هذه اللجنة المكلفة بمتابعة الملفات الاقتصادية عقدت أول اجتماعاتها. وتفيد الأرقام الفرنسية أن المبادلات التجارية بين الطرفين وصلت إلى 9.4 مليار يورو في عام 2013، مما يجعل من السعودية أول شريك تجاري لفرنسا في منطقة الخليج، بينما باريس تعد المستثمر الأجنبي الأول في السوق السعودية، كما أن 80 شركة فرنسية بينها كبريات الشركات تعمل في السعودية وتوفر ما يزيد على 27 ألف فرصة عمل بينها 10 آلاف للسعوديين.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.