الكولونيالية والهويات.. على رأس ملتقى القاهرة الدولي للثقافات الأفريقية

بمشاركة مائة باحث من 23 دولة في القارة

في افتتاح المؤتمر.. من اليمين: حلمي شعراوي مقرر الملتقى، ود. عبد الواحد النبوي وزير الثقافة المصري، ود. محمد عفيفي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، ود. معلمو سنكورو من تنزانيا ممثل المشاركين في الملتقى  -  شعار المؤتمر
في افتتاح المؤتمر.. من اليمين: حلمي شعراوي مقرر الملتقى، ود. عبد الواحد النبوي وزير الثقافة المصري، ود. محمد عفيفي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، ود. معلمو سنكورو من تنزانيا ممثل المشاركين في الملتقى - شعار المؤتمر
TT

الكولونيالية والهويات.. على رأس ملتقى القاهرة الدولي للثقافات الأفريقية

في افتتاح المؤتمر.. من اليمين: حلمي شعراوي مقرر الملتقى، ود. عبد الواحد النبوي وزير الثقافة المصري، ود. محمد عفيفي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، ود. معلمو سنكورو من تنزانيا ممثل المشاركين في الملتقى  -  شعار المؤتمر
في افتتاح المؤتمر.. من اليمين: حلمي شعراوي مقرر الملتقى، ود. عبد الواحد النبوي وزير الثقافة المصري، ود. محمد عفيفي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، ود. معلمو سنكورو من تنزانيا ممثل المشاركين في الملتقى - شعار المؤتمر

بعد توقف دام أربع سنوات ونصف، وفي ظل ظروف اقتصادية وسياسية ودينية تعصف بالقارة السمراء وبلدانها، انطلقت أول من أمس فعاليات الدورة الثانية لـ«ملتقى القاهرة الدولي لتفاعل الثقافات الأفريقية»، تحت عنوان «الهوية الأفريقية في الفنون والآداب»، بمقر المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية.
يشارك في الملتقى ما يقرب من مائة باحث ومفكر أفريقي من 23 دولة أفريقية هي: ليبيا، وتونس، والمغرب، والجزائر، والسودان، وإثيوبيا، وأوغندا، وبوروندي، وتشاد، وتنزانيا، وجنوب أفريقيا، وجنوب السودان، والسنغال، وغانا، وغينيا، وساحل العاج، والكونغو، ومالاوي، وموريتانيا، وموزمبيق، والنيجر، ونيجيريا، بالإضافة إلى مصر الدولة المنظمة.
وفي افتتاح الملتقى، أعلن وزير الثقافة المصري عبد الواحد النبوي عن تأسيس «وحدة أفريقيا» بوزارة الثقافة تعنى بكل ما يخص دعم العلاقات والتبادل الثقافي بين مصر ودول القارة، على أن يقوم عليها مجموعة من الأدباء والمثقفين والفنانين بعقد أنشطة ثقافية ترسخ الهوية الأفريقية على مدار العام، مشيرا إلى أن الوزارة تدرس تدشين مركز ثقافي أفريقي دولي مقره القاهرة يقدم أنشطته في أنحاء القارة. وقال: «لا يمكن تجاهل الثقافة كجسر تواصل بين شعوبِنا تقوي أواصر العلاقات، وهي لا تقل أهمية عن العناصر الاقتصادية والعسكرية لأي دولة». وطالب الوزير المشاركين بوضع سيناريوهات مستقبلية لتفعيل التبادل الثقافي، مركزا على أهمية السينما والأدب والفنون كعناصر ثقافية فعالة لمخاطبة الشعوب بقضاياها.
ولفت الدكتور محمد عفيفي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، في كلمته إلى أن «أهمية انعقاد المؤتمر باعتباره محاولة لاستعادة القوة الناعمة لمصر، وهو يدل على رغبة عارمة في التخلص من الصراعات التي تضرب أرجاء القارة، وعودة للتأكيد على عمق العلاقات بين مصر والدول الأفريقية، التي هي في الأساس تعود لعصور سحيقة، مشيرا إلى أثر الأزهر والكنيسة المصرية في أفريقيا، وكيف قدمت أفريقيا لمصر الكثير من الأدباء والمؤرخين أمثال عبد الرحمن الجبرتي..»، معربا عن سعادته بتفاعل المشاركين ورغبته في أن يكون الملتقى سنويا ولمدة أسبوع.
وألقى الدكتور معلمو سنكورو، من تنزانيا، كلمة المشاركين، مؤكدا فيها على ضرورة وضع الثقافة كأولوية ضمن برامج التنمية الاقتصادية والسياسية في القارة الاهتمام بالهوية الأفريقية، مشددا على أهمية الثقافات الشعبية وتدريسها ضمن المناهج التعليمية، وخاصة أن القارة بها أعلى معدل لنسب الشباب في العالم، مطالبا المثقفين بمزيد من الجهد لمحاولة صوغ تعريفات للهوية الأفريقية في ظل تنوعها وثرائها.
وصرح د. حلمي شعراوي، مقرر الملتقى، بأن «الملتقى يعقد في أقسى ظروف التعصب والإقصاء والعنف الإرهابي، لكن المشاركين في المؤتمر راغبون بقوة في دعم مراكز الثقافة والتوثيق في القارة وربطها ببعضها البعض، فنحن نوجه عبر هذا الملتقى رسالة للمؤسسات الحكومية لخلق إنجاز فعلي للتفاعل الثقافي بين شعوب القارة».
وقالت الكاتبة والصحافية زبيدة جعفر من جنوب أفريقيا، لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الملتقى يلعب دورا هاما في التواصل مع الكتاب الفارقة لأن اللقاء الشخصي والحوار والنقاش ينقل لنا الكثير مما يحدث في مصر وشمال أفريقيا بعد الثورات». وشاركت زبيدة بورقة بحثية أشارت فيها إلى أن الأشكال الفنية والأدبية السائدة في جنوب أفريقيا تدور حول السياق الأوروبي وأنه حتى في حقب ما بعد الاستعمار تدور في إطار أوسع من الهيمنة الأنجلو أوروبية، حيث لا يوجد متسع لاستكشاف التقاليد والعادات القديمة بدرجة تكفي لتكوين سردية مختلفة. وأكدت أنه مع تحول جنوب أفريقيا باتجاه النضج الديمقراطي أصبحت هناك حاجة ماسة إلى التخلص من التعريفات المقيدة واستجلاء التعقيدات التي تمثل نبض الحياة المحلية في بلد ظل تحت الاستعمار أكثر من 3 قرون.
بدأت أولى جلسات المؤتمر بالحديث عن «الهوية الأفريقية بين التفاعل الثقافي والصراع»، وتحدث فيها الباحث السوداني د. حيدر إبراهيم، عن «الشخصية الأفريقية وتصارع الهويات: زمن العولمة ومخاطر التطرف في القبول والرفض»، مشيرا إلى غموض مفهوم الهوية معتبره أقرب إلى الوهم، وأن بحث الهويات الأفريقية عمل عقيم ومضر مع وجود هذا التنوع الثقافي الهائل وقال: «مصطلح (الزنوجة) في الثلاثينات كان محاولة لتحويل عقدة اللون إلى مصدر فخر، لكن اللون لا يمكن أن يكون هوية وهو ما عاتب به د. محمود أمين العالم الشاعر محمد الفيتوري حينما كتب قصيدة عن اللون».
وألقى باللوم على افتخار بعض الأفارقة بـ«البراءة الكاملة»، باعتبار أن الأفارقة لم يقهروا الطبيعة ولم يخترعوا شيئا يغير من حياة البشر وأنها ليست أرضا للحداثة. وأضاف: «تميزت أفريقيا المعاصرة بفشل الدولة وفشل المجتمع، مما جعلها مكشوفة للعولمة والرأسمالية المستوحشة، والتطرف الديني الإرهابي، وعودة القبلية والعنصرية بأشكال متجددة. وتعجز أفريقيا في عملية الولوج في الحداثة، فتقنع بتجديد الاستبداد وبعث التخلف والتبعية في كؤوس جديدة. وهي مثقلة بالفقر، والجوع، والأوبئة، والفساد والقمع. وهذه ظروف تعمل على (حيونة) الإنسان الأفريقي وتحرمه من أوقات الفراغ، ومن الوصول إلى وسائل الثقافة الراقية والجادة».
بينما ذهب «سابيلو جاتشيني» من جنوب أفريقيا، للحديث عن كيفية تفادي صراع الحضارات، في ظل ما كرسه الاستعمار من تراتبية عنصرية طبقا للكثافات الأنطولوجية المغايرة، مشيرا إلى أن غاية الفكر الإمبريالي والعنصرية العلمية إعادة إنتاج الحضارات الأفريقية في صورة أشكال بدائية، محكوم عليها بالموت. وقال إن «أفريقيا لا تزال تخوض (حربا ثقافية) وعليها أن تحدث تحولا ديمقراطيا في الأبستمولوجيا الأوروبية - الأميركية الشمالية التي تنكر وجود المعارف والثقافات الأخرى، والتي عملت على تجريد الشعوب الأفريقية من إنسانيتها».
واتفق معه مواطنه الباحث «سيمفيوي سيسانتي»، قائلا إن «النخب الأفريقية التي يحركها السعي لاحتكار السلطة سعت للحديث عن تاريخ الأوروبيين في أفريقيا حتى تتمكن من التلاعب بالجماهير، لذلك تستغل فقدان الذاكرة الثقافي الذي تعاني منه الشعوب الأفريقية، والذي تسبب فيه الاستعمار لتزعم أن المحكومين تاريخيا وثقافيا يتقبلون بصورة عمياء وغير نقدية كل شيء وأي شيء يمليه عليهم حكامهم».
ودعا العميد السابق لمعهد البحوث والدراسات الأفريقية «السيد فليفل» إلى بلورة رؤية ثقافية واضحة للاتحاد الأفريقي، مطالبا بتأسيس «المفوضية الأفريقية للشؤون الثقافية» لتصحيح صورة الأفارقة في العالم، وطلب من المؤرخين والروائيين والمفكرين والسينمائيين والصحافيين، التركيز على الجوانب الإيجابية للشخصية الأفريقية في أعمالهم حتى يشكل هذا حافزًا على التفاؤل ومقاومة الإحباط ويمنع الأجيال الجديدة من الاستسلام للتخلف والقبول به باعتباره واقعًا لا مناص منه.
وحول دور وسائل إعلام العولمة المؤثرة في الثقافة الأفريقية، تحدث الكاتب الإثيوبي سولومون هايليماريام، عن تأثر الإنسان الأفريقي بوسائل الاتصالات الحديثة، لكن العولمة استطاعت تجريد الشباب من جذورهم الثقافية وأصبحوا يقلدون كل ما هو أوروبي وأميركي متخلين عن أزيائهم وتقاليدهم، مشيرا إلى أن الصورة العامة لأفريقيا لم تتغير في ظل العولمة، بل يعاد تكريسها وفقا لاستراتيجيات الدول الأوروبية الرأسمالية.
بينما تحدث النيجيري «ساليسو بالا» عن «التقاليد والحس التاريخي في الأدب الأفريقي»، مركزا على أهمية الوثائق العربية في كتابة التاريخ الأفريقي التي تحتوي على تراث الماضي الأفريقي في مجالات التاريخ والتنجيم والجغرافيا وعلم النفس، تدحض المقولة الاستعمارية «أفريقيا ليس لها تاريخ قبل قدوم الاستعمار». تلك المخطوطات متاحة في صورة مجلدات ضخمة في مصر ونيجيريا ومالي وشرق أفريقيا وغامبيا السنغالية، لافتا إلى خطورة تناثر المخطوطات الأفريقية بين أيدي الأفراد والعلماء وضرورة حفظها في مكتبات أو مؤسسات عامة، قائلا: «الكثير من المخطوطات غير مصنف أو مفهرس ولم تتم ترجمته إلى لغات أخرى لتمكين الباحثين غير العرب من الاطلاع عليها».
وخصص الملتقى محورا لمناقشة «الآداب الأفريقية»، تحدث فيه الناقد والكاتب شوقي بدر عن «الرواية في أفريقيا»، لافتا إلى أنها تدخل منحنى التحولات في تراكم منجزها، بعد كثير من التهميش، وتناول أعمال النيجيري «وول سونيكا»، ومن جنوب أفريقيا «نادين جورديمير»، و«ج إم كويتزي»، ومن مصر «نجيب محفوظ» والذين وصلت أعمالهم لآفاق عالمية وحصدوا على جائزة نوبل، فضلا عن عدد كبير من الكتاب الأفارقة ذوي الصيت العالمي: شينوا أتشيبي من نيجيريا وعثمان سمبيني من السنغال، ومونجو بيتي من الكاميرون، ونفوجي وأثيونجو من كينيا، وغيرهم.
ولفت بدر إلى أن «الكُتاب ذوي الأصل الأفريقي في أميركا كان لهم الفضل في إنجاز أدبي نبع من جذورهم التي قدموا منها، استطاعوا من خلاله التمرد على العنصرية ومنهم: ريتشارد رايت، وجيمس بولدوين، وأليكس هيل».
وتطرقت أوراق بحثية لتجسيد الأدب الأفريقي للحياة اليومية للإنسان الأفريقي ومعاناته التي تعتبر إرثا يتوارثه من أجداده، إذ إن آثار الاستعمار الغاشمة لا تزال تطارد أجيالا متعاقبة. منها: ما طرحه الأديب منير عتيبة عن قلق الهوية في رواية «خرائط»، للأديب الصومالي نور الدين فراح. كما تطرقت الأديبة المصرية سلوى بكر إلى نصوص من الأدب السوداني لبشرى الفاضل وأمير تاج السر، وغيرهم؛ تعكس تداخل العناصر الثقافية العربية والأفريقية عبر موتيفات سردية منحت الأدب السوداني خصوصية في إمكانيات التلقي والقراءة.



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.