لوك فيري.. فيلسوف الخلاص

لوك فيري.. فيلسوف الخلاص
TT

لوك فيري.. فيلسوف الخلاص

لوك فيري.. فيلسوف الخلاص

لوك فيري فيلسوف فرنسي ولد سنة 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا في عهد رئيس الوزراء جون بيير رافاران ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال جاك دريدا وجاك لاكان وجيل دولوز وميشال فوكو...، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. لقي هذا التيار الجديد نجاحا غير مسبوق لانتهاجه خطابا مبسَطا في تحليل القضايا الراهنة التي تشغل إنسان هذا العصر. ومن رموزه البارزة التي لقيت كتاباتها إقبالا شديدا لدى عامّة القرّاء، إلى جانب لوك فيري، أندري كونت سبونفيل وميشال أونفري... بعد تخرّجه من السوربون ثم من هيدلبرغ بألمانيا في أواسط السبعينات، التحق لوك فيري بالتدريس، فدرّس الفلسفة والعلوم السياسية في جامعات فرنسية كثيرة، وبدأ نشر إنتاجه منذ 1985 بكتاب ينتقد الفكر الفلسفي السائد، وعنوانه «مقال في مناهضة الإنسية المعاصرة» ثم أصدر كتابا بعنوان «النظام الإيكولوجي الجديد» وآخر بعنوان «الإنسان الإله أو معنى الحياة». في كتابه «تعلم الحياة» اعتبر لوك فيري أن فلسفته تقوم على مبدأ الخلاص، أي فلسفة البحث عن الخلاص دون اللجوء إلى أي قوى خارجية. إنها تساعد على قهر المخاوف التي تشل الحياة، فلا أحد في نظره يستطيع أن يحل محلها، إنها تعلم الحياة وتعلم عدم الخوف من مختلف أوجه الموت وتخطي تفاهة اليومي وقد أثبتت الفلسفات القديمة هذه القدرة على الحضور في حياتنا المعاصرة بخلاف تاريخ العلوم الذي يخضع لمنطق الدحض والتجاوز. وبهذا المعنى لن تصبح الفلسفة مجرد تأمل نقدي كما يراها الكثيرون، بل تتحدد من خلال أبعاد ثلاثة أساسية هي: النظرية «كيف نرى العالم ونفسره»، وعلم الأخلاق «ما الذي سنتفق عليه فيما بيننا كجماعة إنسانية»، وقبلهما وبعدهما الخلاص «كيف نجابه كبشر معرفتنا بزوالنا وشبح الموت والفناء الذي نعيه منذ أن نعي الوجود»... ومن خلال تناوله ودراسته لتلك الأبعاد الثلاثة في أكثر من محطة فلسفية، يتتبع القارئ كيف تطوّر الوعي الإنساني ببطء أو بقفزات عنيفة أحيانا، وكيف ظلّت أسئلته الوجودية الأكثر عمقا مفتوحة على عدد لا نهائي من الإجابات، منذ الرواقيين الذين رأوا في النظام الكوني «الطبيعي» المعنى والمآل، ونصيحتهم بالعيش في الحاضر دون التأسي على ما مضى أو ما هو آت، ومنهم إلى الخلاص بالروح والجسد لدى المسيحيين وكيف انتصرت المسيحية على الفلسفة وجعلت منها مجرد خادم للإيمان، وكيف صار الإيمان والمحبة في الله هو مناط الخلاص الإنساني ومجابهته للفناء. ومن المسيحية إلى الإنسية الجديدة حين صار الإنسان هو مركز العالم ومناط التحكيم والمنبع والمصب لكل التجربة والحكمة، حين صار العلم والعقل والتجربة والمنطق هم الشاهد والدليل، هنا أصبح الفيلسوف يعتقد أن معرفته وفهمه لذاته وللآخرين يمكنانه من تخطي مخاوفه ببصيرة نافذة وليس بإيمان أعمى. بعبارة أخرى إذا كانت الأديان تصف نفسها بأنها «عقائد الخلاص» بواسطة الآخر وبعون الله، فإن فيري يستطيع وصف الفلسفات الكبرى بأنها «عقائد الخلاص» بواسطة الذات ومن دون عون الله. إذن مراد الفلسفة في نظره هو أن نخص أنفسنا بقوانا الذاتية وعبر الدروب التي يرسمها العقل ببساطة إذا ما توصلنا لاستخدامه كما يجب بجرأة وحزم، وهذا بالضبط ما حاول قوله مونتاني عندما يؤكد لنا أن «التفلسف هو تعلم الموت»، ملمحا إلى حكمة قدماء الفلاسفة اليونانيين. إن كتاب «تعلم الحياة»، هو واحد من صيغ الفيلسوف الإغريقي القديم «سينيك». فهو يضم فكرة التلقين الفلسفي، من حيث أنه ضروري للتخلص من المخاوف الوجودية. لكن هذا يتضمن أيضا فكرة احتواء العالم في شموليته. وهو ما يعني أن احترام الآخر لا يلغي الاختيار الشخصي. بل إن هذا الاختيار شرط أساسي في اعتناق هذه الشمولية. من هنا يجب أن ندرس عند الفلاسفة الكبار هذه النقطة السامية من فكرهم وهي فكرة الخلاص الشخصي. فإن لم تقدنا هذه الفكرة إلى الحكمة فإنها على الأقل ستقربنا منها. لقد كان موضوع الفلسفة اليونانية العامّ هو القول بأنّ الحياة الطيّبة هي التي تقبل الموت، تلك التي انتصرت على الخوف والقادرة على العيش في الحاضر. والحكيم هو الذي لم يعد يخاف من الموت والقادر على التآلف مع الكينونة. وهو الأمر الذي تمت استعادته من قبل سبينوزا ونيتشه، وإلى مثل هذه النتيجة انتهى الفيلسوف الفرنسي لوك فيري في حواره المنشور بجريدة لومند الفرنسيّة. وهذا الحوار الذي أعقب صدور كتابه الأخير «ثورة الحبّ»:
كان الحبّ موجودا على الدوام بيد أنّ ابتداع زواج الحبّ هو أعظم حادث على المستوى المجتمعي بالنسبة للقرنين الماضيين في أوروبا. ما هو زواج الحبّ؟ هو ذلك الزواج الذي اختاره الأبناء وليس ذاك الذي تفرضه القرية أو الوالدان. هو نتيجة تحرّر الفرد من نفوذ وتسلط القرية والذي كان نتيجة منطقية لأسلوب العمل المأجور. فهذا الابتعاد عن القرية هو الأمر الذي سمح بظهور العلمانية في أوروبّا، إذ هو، أيضا، ابتعاد عن عبء الأديان الاجتماعي. لم تولد العلمانية في فرنسا من تاريخ الأفكار وكان من نتائج الزواج المذكور. إن حبّ الأبناء لم يكن له مثيل في تاريخ الإنسانية كلّه. في القرون الوسطى كان موت طفل أقلّ أهمّية من موت خنزير أو فرس. أذكر جملة كتبها المفكر مونتاني في رسالة إلى أحد أصدقائه: «صديقي العزيز، لقد فقدت ولدين أو ثلاثة وهم في مرحلة الرضاعة». ولكن لم يدفع هذا الحبّ للأقارب أبدا إلى الفردية أو الانكفاء على الذات بل بالعكس كان من نتائجه الانفتاح على المشترك وعلى السياسي. ما يحدث اليوم هو شيء مثير للاهتمام: نحن - حسب فيري - نعيش تصفية لكلّ وجوه المقدّس بالمعنى الاشتقاقي للكلمة. فالمقدّس ليس الديني في مواجهة الدنيوي. إن القيم المقدسة هي التي يمكن أن أضحي من أجلها، تقديم حياتي فداء لها. يوجد في تاريخ أوروبّا ثلاثة ضروب من المقدّس الجماعي: الموت من أجل الله وذاك يعني الحروب الدينية، والموت من أجل الوطن «35 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية»!، وأخيرا من أجل الثورة (خلفت الشيوعية نحو 120 مليون ضحية عبر العالم). أعتقد أنّه قد تمّ تصفية تلك الوجوه الثلاثة تحت تأثير تاريخ الهدم في القرن العشرين، من خلال تاريخ العائلة الحديثة والعمل المأجور. فبانفكاكه عن قريته وضع الفرد مسافة بينه وبين الكاهن حينما يحبّ شخص شخصا ما حقّا، وسواء كان ذلك حبّا عشقيّا أو حبّ أبوة، فإن الإنسان يعيش في هذا الحبّ تجربة تقديس الآخر إذ سيصبح بهذا مقدّسا بالمعنى الذي يمكن فيه أن يقدّم حياته فداء له إن كان مهدّدا. إن الإنسان، هنا، يعيش تجربة متعالية، ولكن لا يشعر بها لا على مستوى الفكر أو الدين، ولا في أي مكان آخر غير داخله هو. وهذا ما تعبّر عنه استعارة القلب في كلّ مكان، وفي كلّ اللّغات والثقافات، حيث أطلق عليه الفيلسوف هوسرل: «التعالي في المحايث»..
إن حياة ناجحة لكائن هالك أفضل من حياة فاشلة لكائن خالد، هذه هي بداية الفلسفة، وذاك تعالٍ علماني بمعنى من المعاني، لا يمكن أن يتحقق في نظر فيري إلا من خلال سفر متأن في تاريخ الفلسفة من الحكمة القديمة إلى التفكيكية المعاصرة مرورا بميلاد المسيحية، النزعة الإنسية وما بعد الحداثة. في خضم هذا التعلم الذي يوفق بحيوية بين الوضوح والعمق، ويجعل القارئ أكثر تعلما وأكثر حرية، تتحقق الفلسفة التي هي بمعنى من المعاني تعلم للحياة أو لنقل فنا للعيش!



الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.