شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

تفاصيل الرسائل النصية بين «أبو هريرة الليبي» و«أبو إخلاص المغربي»

TT

شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

بدأ «أبو هريرة الليبي»، بعد نحو عام من القتال والعمل في صفوف «داعش»، يبحث عن مخرج. وبعد أشهر من الجدل وتراجع قناعاته بسلامة الطريق الذي تسير فيه دولة «الخلافة» المزعومة، أدرك أن ما يقوم به لا يتوافق مع صحيح الدين في أبسط صوره. لقد أمضى أسابيع عصيبة من المرابطة والحرب والكر والفر.. مرة في سوريا ومرة في العراق، دون أن يكون أمامه أفق واضح لما يريده «الخليفة» ومساعدوه وفقهاؤه.

تنشر «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة، الرابعة والأخيرة، من شهادات عدد من المنشقين عن هذا التنظيم الدموي، تفاصيل جديدة عن الأيام الأخيرة لكل من «أبو هريرة» و«أبو شعيب السوري»، وثلاثة تونسيين آخرين، وكيف تمكنوا في نهاية الأمر من الفرار مع العشرات الآخرين، خشية أن يزج بهم التنظيم في السجون أو يطلق النار على رؤوسهم، كما يفعل مع خصومه.
من أصعب ما يمكن أن تمر به في حياتك، أن تضطر لاتخاذ قرارات وأنت في معمعة المعارك. كانت عملية تحول القناعات الفكرية في أوساط هذه الشريحة من الدواعش، تجري وسط قذائف المدفعية وتكتكة الرصاص.. «وسط أيام من الحصار والجوع والاقتراب من الموت»، كما يقول أحد التونسيين ممن تمكنوا من العودة من العراق والاستقرار في جنوب تونس.
من الجانب الآخر كان يمكن لقادة التنظيم ملاحظة أمارات التمرد على شاب مثل «أبو هريرة» ومجموعته، و«أبو شعيب» ومجموعته، والعشرات الآخرين ممن كان يجري إعدادهم كقيادات مستقبلية للتنظيم في الأماكن التي سيفتتحها ويضمها لـ«الخلافة» ومنها مناطق في العراق والشام بالإضافة إلى ليبيا وغيرها. كان «أبو شعيب» يبتعد هو الآخر عن الاشتراك في العمليات بحجج مختلفة. بينما كان «أبو هريرة» قد فتح قلبه وعقله للمسؤول عن العلوم الشرعية في معهد الرِّقة، وكان هذا خطأ كبيرا كما يقول.
لقد انتهى الأمر وجرى وضعه في خانة المتمردين، وأصبح الزج به في غيابات السجون والأقبية الرهيبة لـ«داعش»، أو قتله، مسألة وقت. ومع ذلك كان لديه بصيص أمل في أن يجد بين قيادات التنظيم من لديه رؤية واضحة وقدرة على الرد على التساؤلات المعلقة بلا أجوبة منذ شهور. كان طيران التحالف الدولي يدك مواقع «داعش» والضغوط تتزايد مع صعوبة التحرك بين قواعد التنظيم سواء في العراق أو سوريا. ويقول «أبو هريرة» إن هذه التطورات، حيث لا تعرف من قتل ممن ما زال يقاتل على الجبهات، ساعدته للبقاء في مدينة الرِّقة دون أن يضطر لحمل السلاح.
ويضيف أنه في يوم من أيام يناير (كانون الثاني) الماضي، حين قرر الاستقرار في المعهد الشرعي التابع للخلافة، أرسل له القيادي في «داعش» «أبو محمد العدناني»، مندوبا عنه إلى الرِّقة، لكي يبلغه بتهديده له ولمن يتشكك مثله في «الدولة» بالسجن وشر العقاب، خاصة في ظروف الغارات الحربية التي ينفذها التحالف الدولي، إلا أن «أبو هريرة» أعطى ردودا بدت، لدى قادة التنظيم، أنها تدلل على أنه يحمل نفس الأفكار التي جرى تداولها في مناظرة مدينة الدانا.
كان «العدناني» يشغل موقع المتحدث الرسمي باسم التنظيم، وظل «أبو هريرة»، لأكثر من شهرين، يسمع عن أنه أصبح غير قادر على الحركة لإصابته في غارة جوية، وأنه يقيم قرب مقر للخليفة في منطقة الأنبار بالعراق، رغم أنه، في الأصل، من مدينة إدلب السورية. وربما لهذا السبب كان العدناني من القلائل الذين كانت تتجمع لديهم المعلومات، في تلك الظروف، عن المقاتلين وخريطة المجموعات ومن قتل ومن أصيب ومن يعتصم في المواقع الآمنة.
يقول «أبو هريرة» إنه كان، حتى ذلك اليوم، يتطلع لمقابلة «العدناني»: كنت أسمع كلاما طيبا عنه من الإخوة السوريين الذين يحاربون معنا. كانوا فخورين بقربه من «البغدادي». وبعد ذلك أخذت أستمع لتسجيلاته الصوتية وهو يدافع عن الدولة وعن «الخليفة». رجل صارم. وظننت أنه سيريحني ويريح مجموعتي، إذا تحدثت معه في المسائل الشرعية. كنت أظن، مثل كثيرين غيري، أن هناك خطوطا مقطوعة بين ما يجري على الأرض وبين توجيهات «الخليفة». كنت أظن، رغم كل ما رأيت، أن القيادات لن توافق على ترك أمراء المناطق للتنكيل بالمقاتلين. وانتظرت أن يطلبني.
ما حدث هو العكس.. يوضح «أبو هريرة»، قائلا إنه «في هذه الأثناء أتاني تهديد جديد من أحد مساعدي العدناني.. قال لي: يقول لك الشيخ أبو محمد إن أي أحد يطرح الأسئلة عن تعليمات الخليفة أو يشكك فيها أو يكفِّر الظواهري، سيسجنه ويعاقبه». وبعد عدة أسابيع عاد «أبو هريرة» إلى دير الزور مرة أخرى، وهو مشتت الفكر بسبب تغير رياح التنظيم، وانقلاب فتاويه رأسا على عقب في الكثير من التفاصيل التي ترتبط بتداعيات العمليات القتالية.
وخلافا لكل التعليمات والتوصيات والتحذيرات التي أطلقها رجال «الخليفة»، قام «أبو هريرة»، وهو في دير الزور، بتكفير اثنين مغربيين من عناصر «داعش» ممن قال: إنهم يروجون لفتاوى جديدة تتعارض مع فتاوى سبق إصدارها من «البنعلي» ومن فقهاء آخرين من التنظيم.. «كان أحد المغربيين لا يكفر عشيرة الشعيطات التي كنا نقاتلها وتقاتلنا منذ بضعة أسابيع، وكان الثاني قد نطق لفظا مكفرا، ونبهته بعدم تكرار هذا، فلم يتنبه.. كفرتهما، وعندها ذهبا وقدما شكوى ضدي عند الأمير المسؤول عني في تلك الأيام، وكان اسمه، أبو عبيدة الليبي، الذي استدعاني بدوره، وهددني بأنه سيقدمني للمحكمة».
و«أبو عبيدة الليبي» الذي يشير إليه «أبو هريرة» هنا، هو أحد قضاة المحاكم الشرعية لـ«داعش»، ويعتقد أنه قتل بعد ذلك بعدة أسابيع في قصف جوي استهدف قواعد للتنظيم في شمال الموصل، رغم أنه سبق الإعلان عن مقتله عدة مرات، إلا أنه، وبحسب شهادات الدواعش المنشقين، كان بعد الترويج لمقتله، يظهر في ثياب جديدة وهو يمسح على لحيته ويقول: أنا هنا لم أنعم بالشهادة بعد.
ويختلف «أبو عبيدة» هذا، تماما، عن رجل آخر يحمل نفس الكنية ويقود مجموعة من المتطرفين في العاصمة الليبية طرابلس. ويضيف «أبو هريرة» أن من بين من كانوا موجودين، أثناء استدعاء أبو عبيدة له، وتهديده بتقديمه للمحاكمة «أبو الأثير الحلبي»، الأمير العسكري الرهيب لدير الزور.
«الحلبي» يبدو من كلام «أبو هريرة» رجلا حادا وصارما تجاه الأسرى الذين كانوا يسقطون في أيدي «داعش»، ولديه خبرة طويلة أيضا في التنازع بشأن التكفير والمسائل الفقهية، اكتسبها حين كان مسجونا في سجون الأسد. ظل يستمع إلى ما يدور بين «أبو عبيدة» و«أبو هريرة»، وما يعتمد عليه كل منهما من حجج وفتاوى صادرة كلها، رغم تناقضها، عن «البنعلي» نفسه.
فضَّل «الحلبي»، في البداية، عدم التدخل في النزاع الدائر بين الرجلين.. استأذن للانصراف، بعد ما تلقيته من تهديدات من «أبو عبيدة»، حيث إن الحلبي قال: إن لديه ظروفا تتعلق بالعمل، لكنه عاد مرة ثانية وقال موجها حديثه لي، وكأنه حسم أمره بالانحياز الصريح ضدي، إنه سيسجنني لأنني أكفِّر تنظيم القاعدة والعاذر بالجهل بالشرك الأكبر، وأكفِّر عطية الليبي (أحد كبار قادة تنظيم القاعدة، وهو أصلا من مدينة مصراتة الليبية، وقتل في وزيرستان بباكستان عام 2011).
ويقول «أبو هريرة» بأنه كان يغوص في وحل «داعش» بمرور الأيام.. لكن بوتيرة متسارعة. مثلا.. عندما عاد «الحلبي» لمكتب «أبو عبيدة» وشارك في التهديد بسجنه، وجد أن «أبو عبيدة» قد تشجع أكثر من السابق، وبدا أنه يريد أن يتخذ إجراءات محاكمة فورية بحقه، لكنه يقول إن الله سلم، فقد حدث أمر طارئ في الخارج «لا أعرف ما هو»، إلا أنه ترتب عليه خروج «أبو عبيدة»، ليبقى هو وجها لوجه مع «أبو الأثير الحلبي».
وهنا يوضح «أبو هريرة» قائلا: «قمت باستغلال الأمر، وتكلمت مع أبو الأثير.. سألته وأنا ممتلئ بالغضب: ماذا تريدون مني؟ لماذا طلبتني؟ فقال: أنا لم أطلبك.. قلت له: إذن سأذهب». ويضيف أن هذا الحوار القصير كان الأول من نوعه مع هذا الرجل السوري المتمرس على القتال منذ ما قبل ظهور المجموعات المتطرفة التي تخوض الحروب في سوريا والعراق. ولم يكن هناك الكثير الذي كان يمكن أن يقال.
خرج ومشى عدة خطوات. يقول: وجدت أبو عبيدة عائدا لمكتبه، فأخبرته أن «الحلبي» قال لي أن أذهب.. وبهذه الطريقة نجوت منهما بفضل الله.. كانت هذه حيلة أبعدتني عنهما في تلك الليلة، إلا أنه، وبعد يومين، وصلني تهديد جديد عبر بعض الإخوة، وأخبرني أحد التونسيين أن «الحلبي» كان يريد أن يصلبني في دوار النعيم الموجود وسط مدينة الرِّقة وهو مكان معروف أن «داعش» يستخدمه في صلب مخالفيه.. المهم نجوت مرة أخرى. ثم بعدها بقيت لفترة لا أعرف ماذا أفعل.. وكلما رآني «أبو عبيدة» حذرني، حتى تيقنت من كفر الدولة (داعش)، وقررت الهروب.
في شهادته يقول: «على ما رأيناه وسمعناه من جنود (الدولة الإسلامية) وأمرائهم وشرعييهم من خلال مباشرتنا لهم ومخالطتهم وإمضاء وقت طويل معهم، أؤكد اختلافهم فيما بينهم في المنهج والعقيدة».. «فلقد وجدنا كثيرا من جنود الدولة يتضاربون في عقائدهم ويتخبطون في أصل الدين، حتى تجد كل واحد منهم يدين بدين يختلف عمن هم في صفه من زملائه الجنود، فمنهم من يقول: إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، ومنهم من يعذر بالجهل، ومنهم من لا يعذر بالجهل ولا يكفر العاذر بالجهل، ومنهم من يكفر العاذر».
ويوضح أنه في إحدى المرات حدثت فتنة كبيرة بشأن تكفير الرئيس المصري المنتمي لجماعة الإخوان، محمد مرسي، حين تجدد الجدل حول الفتاوى التي سبق وصدرت عن شرعيي التنظيم. والجديد هذه المرة أن «منهم من كفره، ومنهم من لم يكفره.. فلا يشك عاقل أنهم، بأقوالهم وتضاربهم، يكفِّرون بعضهم بعضا».
ويتطرق إلى جانب آخر يتعلق بعدم حكم «داعش» بالشرع كما تردد على الملأ. ويقول: «في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وتقديم التنازلات والتساهلات في الأحكام والحدود.. رأيت في مواطن كثيرة أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. مثلا.. ذات مرة أمسكوا بشبكة كبيرة من الشواذ في ريف إدلب الشمالي، وتحديدًا في مدينة الدانا، عندما كانوا يسيطرون على المدينة.. فماذا كان حكمهم على هذه الشبكة الخبيثة؟ قالوا: إن نحن أقمنا عليهم الحد ستثور القرية علينا ولن نعرف كيف نرضي الناس، فما كان منهم إلا أن أطلقوا سراحهم من دون أي حساب».
ويتحدث عن أنه أثناء وجوده مع قيادات وعناصر «داعش» رأى «قيامهم بتعيين قضاة من أجهل الناس في الحكم والقضاء.. والاستعانة بالطواغيت في الحكم والقضاء، كاستشارة من درس المحاماة والقوانين الوضعية في بعض القضايا والأحكام.. وفتح المحاكم التي يسمونها شرعية بجانب المحاكم التابعة للهيئات العلمانية التي تحكم بالقوانين الوضعية، فتجد محكمة (الدولة الإسلامية) وبجانبها محكمة للقوانين الوضعية، وتسمية الولايات والمناطق بأسماء كأنها أصبحت تحت حكمهم، كقولهم ولاية إدلب وهي تعلوها إما رايات الجيش الحر أو أماكن أخرى تعلوها راية نظام الأسد.. والسماح لبعض المؤسسات الكفرية التابعة للأسد بمتابعة العمل داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم كمؤسسة النفوس وبعض المحاكم التي يسميها النظام (السوري) محاكم شرعية».
وعن تذبذب «داعش» وقادته وفقهائه، يضيف بقوله إن هذا الأمر يتضح من خلال «حروبهم على أهل التوحيد ومنع التحدث في أصول الدين والبحث في العقيدة.. إن من عاشر (الدولة الإسلامية) وجنودها يعرف حق المعرفة من هم الأمنيون الذين يرسلونهم للتجسس على الجنود الذين يتدارسون العقيدة ويحاولون البحث فيها، وكأن هذا ذنب يُسجن صاحبه ويُعذب. بالإضافة إلى محاربتهم لمن يقول بكفر العاذر بالجهل وقتلهم وتصفيتهم له، ولنا خير دليل فيمن قامت (الدولة) بتصفيتهم مؤخرًا بسبب تكفيرهم للعاذر، مثل أبو عمر الكويتي، وأبو جعفر الحطاب، وكذا كثير من الجنود وكبار الشرعيين الذين يكفرون العاذر بالجهل».
ويتطرق «أبو هريرة» في شهادته عن تضارب مواقف قيادات «داعش» موضحا أنهم يدعون «تكفير الفصائل العلمانية والداعية للدولة الديمقراطية.. وعدم تكفير الفصائل العلمانية حتى تعلن عليهم الحرب وتقاتلهم، وقبولهم للتحاكم إلى الشرع مع بعض الفصائل العلمانية التي يدعون أنهم يكفرونها.. همهم الأول هو القتال فقط بغض النظر عن العقيدة.. فمهمتهم في المنطقة تنصب على القتال فقط، وتكثير العدد، مهما كانت عقيدة المنتسب لهم».
ويضيف أنه شهد مبايعة بعض الكتائب التي تخالفهم في العقيدة لهم، وقبول البيعة منهم، وانضمام عدد كبير من اللصوص والمرتزقة المعروفين عند الناس إلى صفوف «داعش» لحماية أنفسهم، وما كان منهم إلا قبول هذه البيعات.. «مهما بلغ جهل الذي يريد أن ينضم إليهم يكفي فقط أنه لا يدخن السجائر لتقبل بيعته».
كان «أبو شعيب»، ومعه التونسيون الثلاثة، قد سبقوا «أبو هريرة» في التسلل إلى الشمال. وتمكنوا من الدخول إلى الأراضي التركية مع مجموعة من اللاجئين، واستقر هو هناك. وتدبر الآخرون طريقهم للعودة إلى تونس عبر خطوط الطيران التركي التي كانت تعمل بين إسطنبول ومصراتة الليبية، بينما كانت عناصر داعش في سوريا في طريقها، تحت جنح الظلام، لتوقيف «أبو هريرة».
جرى إلقاء القبض عليه واحتجازه في أحد سجون «داعش» في مدينة الرِّقة. يقول: «سُجنت في سجن الأمنيين لمدة 20 يوما.. عاملوني فيها معاملة نسأل الله أن ينتقم منهم.. كان الحمام الذي نقضي فيه حاجتنا موجودا في نفس غرفة السجن.. كنا نتوضأ منه ونصلي بنفس الغرفة.. الطعام كان لا يؤكل. رأينا في السجن ما يشيب له الولدان». وحين سأل عن الشيخ الذي سبق احتجازه في مبنى «السفارة» قبل نقله إلى هذا السجن، علم أنه تعرض للجلد بأسلاك الكهرباء عدة أيام، ثم جرى نقله إلى سجن آخر في مكان ما في منطقة الأنبار.
يضيف: وجدت في سجن الرِّقة إخوة كثيرين من بينهم عناصر من مجموعتي ومجموعة «أبو شعيب». كنا نحو 90 من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وأفغانستان والشيشان. كلنا في ردهة في مساحة ثلاث أو أربع غرف صغيرة.. ردهة لها ثلاثة حوائط إسمنتية وواجهة مسيجة بالحديد وفيها باب صغير. عرفت وأنا في السجن أن «أبو شعيب» نجح في الهروب إلى تركيا.. وعرفت أيضا أن شيخ عشيرة العقيدات السورية، خليل الهفل، حين ألقى «داعش» القبض عليه في الصيف، احتجزه في هذا السجن أيضا، لكن الإخوة قالوا: إنه، وهذا أمر غريب، جرت معاملته أفضل معاملة، لأنه كان في السابق عضوا في مجلس الشعب السوري وله عشيرة كبيرة، بينما كان التنظيم يقول عليه مرة إنه من الكفار ومرة من المرتدين ومرة يصفونه بـ«الطاغوت».
ويواصل قائلا عن الأيام التي أمضاها في سجن «داعش» إن «شعور الإخوة المساجين كان عبارة عن صدمة من ممارسات التنظيم». فبينما كانت عمليات التنكيل على أيدي قادتهم لا تتوقف بحق هؤلاء الدواعش الذين كانوا يحاربون في صفوف التنظيم، استمع «أبو هريرة» لروايات ممن سبقوه إلى هنا عن المعاملة الحسنة التي كان يحظى بها المحتجزون رغم عدم اعترافهم بالخليفة ورغم رفضهم إعطاءه البيعة وعدم إعلان استتابتهم.. «سجنوا شيخا آخر من عشيرة العقيدات، وهو أحد الموالين لنظام الأسد، لمدة يومين.. عاملوه خير معاملة، ثم أخرجوه دون استتابة، وبينما نحن في السجن، كان هو مطلق السراح يدور في الميادين».
ويقول إنه أثناء وجوده قيد الاحتجاز، في ذلك الوقت، مر عليه في السجن أحد العناصر الأمنية المعروف أنها تعمل مع نظام الأسد.. اسمه «أبو يعقوب» من منطقة البصيرة في دير الزور.. كانت التهمة ضده تتعلق بتهريبه لأسرة ضابط سوري برتبة عميد إلى تركيا.. أسرته تتكون من زوجة وابنة. وتمكن من اجتياز الحواجز التي كان يقيمها «داعش» في مناطق واقعة بين سوريا وتركيا، وتوصيلهما بأمان.
ويضيف: كان «أبو يعقوب» يقول لنا في السجن إنه مظلوم، وإنه ماذا عليه لو أنه أوصل الزوجة والبنت، فأخبرته أنه كافر، لأنها زوجة الطاغوت وابنته ابنة الطاغوت، لأنه يعمل مع بشار الأسد.. المهم هو اقتنع بكلامي. وفي اليوم الثاني جاء قاضي الأمنيين في كل الولايات ليقضي بمسألته، فقال له: حتى لو أنت أوصلتهم إلى تركيا فليس عليك شيء، ولا يحق لأحد أن يوقفك ويتكلم معك، فهذا الأمر ليس محظورا، ولا شيء عليك بأنك جعلتهما تمُرَّان، فنحن نريد الزوج ولا نريدهما، لا الزوجة هي ولا ابنتها، وصدر الحكم بخروجه من السجن وإطلاق سراحه.. هكذا، ونحن بقينا في الحبس.
الأسوأ من كل ذلك أن بعضا من الإخوة الذين كانوا معي في السجن - كما يقول: «أبو هريرة» - لم يكن لهم أي رأي أو حديث في شؤون الفتاوى.. ولم يكن عليهم أي تهمة ولا قرينة من أي نوع يمكن أن تؤخذ عليهم. ومع ذلك كان القاضي الشرعي يأتي ويقول لمثل هؤلاء: ماذا تحب أن نسجل لك تهمة.
ويسترجع ذكريات مدة سجنه القصيرة في سجن الأمنيين الذي كان يديره «داعش»، ويتعجب كيف خرج من هذا الكابوس.. يقول: «سبحان الله الذي حكم لي أن أخرج بعد عشرين يوما مع بعض من مجموعتي. ماذا وجدنا؟ الفتاوى التي حاربنا بها الخصوم، أصبحت معكوسة.. وجدنا أن الدولة (داعش) أرجعت الشعيطات إلى بيوتهم، وقالت: إنهم مسلمون، وليسوا كفارا ولا مرتدين.. وأعادت لهم بيوتهم وسياراتهم، وألغت توزيع الغنائم.. وبعدها جلسنا بمكان إداري، وخلال ذلك كنا نبحث عن طريق للهروب».
وقبل خروجه من العراق وسوريا كان «أبو هريرة» على تواصل عبر الهاتف مع بعض القيادات الوسطى في التنظيم، في محاولة منه على ما يبدو لبث الطمأنينة في نفسه، ولمعرفة كيف تسير الأمور، وما إذا كان التنظيم قد أهدر دمه، وما هي الطرق الآمنة للوصول إلى الحدود التركية. كان يريد من المحادثات التي أجراها أثناء ابتعاده عن أنظار قادة التنظيم، أن يرسل رسائل بأنه يسعى للالتزام بما تتضمنه تعليمات وكتيبات «داعش» في المعسكرات وأنه لن يعود للجدل، بينما هو يواصل الابتعاد في اتجاه الحدود.
وحصلت «الشرق الأوسط» على جانب من هذه الرسائل النصية التي جرت بين «أبو هريرة» وأحد القادة الشرعيين في معسكرات «داعش»، واسمه «أبو إخلاص المغربي»، وكانت يوم 23 مارس (آذار) الماضي، أي قبل هروبه بعدة أيام. ويطلق «أبو هريرة» على نفسه في الاتصال الذي تم عن طريق برنامج «واتس آب»، لقب «التوحيد أولا»، وزعم فيه أنه موجود في العراق، بينما يظهر الطرف الآخر، وهو «أبو إخلاص» تحت رقم هاتف دولي تابع لشركة اتصالات تركية، يبدأ بـ00905. رغم وجوده في دير الزور بسوريا.
أبو هريرة: أنت شرعي معسكرات الدير صح؟
أبو إخلاص: ذكرني بارك الله فيك.. نعم أخي. أنا معك أبو إخلاص، بالضبط.. محتاج تذكرني فقط.
أبو هريرة: صح.. أنا بالعراق الآن..
أبو إخلاص: كيف العراق؟
أبو هريرة: الحمد لله. بخير..
أبو إخلاص: والإخوة؟
أبو هريرة: تمام.. عايفة حالها (أي لا جديد عن السابق). إخوتي غرباء..
أبو إخلاص: طوبى للغرباء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
أبو هريرة: كنت أريد نسخا عن الكتب التي تدرسونها..
أبو إخلاص: عندي الكتب. عندما تأتي أجيبها لك..
أبو هريرة: طيب ما أسماؤهم.. أحاول أسحبهم من الإنترنت؟ ممكن ما أجيء. ممكن استقر بالعراق..
أبو إخلاص: لن تجدهم بالإنترنت لأنها (الكتب) خاصة بالمعسكرات..
وفي نهاية المطاف تمكن «أبو هريرة» وعدد ممن كان يحارب معه في صفوف «داعش»، من الوصول إلى تركيا. ومن هناك عاد وحده إلى ليبيا، لكن «داعش» أمر الموالين له في مدينة درنة الليبية بقتله. ومنها هرب، مع أسرته، إلى إحدى دول الجوار الليبي.
في الاسفل جانب من الرسائل النصية المتبادلة بين أبو هريرة الليبي وأبو إخلاص المغربي («الشرق الأوسط»)



«خطة طوارئ» مصرية لإنقاذ غزة من الغرق عقب «منخفض جوي»

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

«خطة طوارئ» مصرية لإنقاذ غزة من الغرق عقب «منخفض جوي»

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

كثّفت «اللجنة المصرية» في قطاع غزة من تحركاتها الساعية للتخفيف من تداعيات «المنخفض الجوي» التي تسببت في غرق عدد كبير من الخيام، وتشريد الآلاف من الأسر التي تعيش وسط بنية تحتية دمرتها الحرب الإسرائيلية على القطاع، وفي ظل صعوبات تعترض عملية التعافي المبكر، وإعادة الأعمار إلى جانب عراقيل إدخال المساعدات الإنسانية.

وأعلنت «اللجنة المصرية»، مساء الجمعة، تفعيل خطة الطوارئ بمشاركة كوادرها الميدانية وآلياتها العاملة، استعداداً لمواجهة تداعيات «المنخفض الجوي»، وتضمنت الخطة فتح الطرق، وإزالة العوائق، وتوزيع الخيام على الأسر المتضررة والنازحة إلى جانب تدعيم وتثبيت الخيام القائمة، بما يسهم في الحد من آثار الأمطار والرياح وحماية العائلات الفلسطينية، وفق بيان صادر عن اللجنة.

وغرقت آلاف من خيام النازحين في قطاع غزة مع أول منخفض جوي تتعرض له المنطقة، حسبما أفادت مصادر فلسطينية رسمية وشهود عيان، السبت، وشهد القطاع الذي يقطنه ما يقرب من مليوني نسمة غالبيتهم يعيشون في مخيمات وخيام ومبانٍ سكنية متضررة سقوط أمطار غزيرة منذ الساعات الأولى من ليل الجمعة وحتى صباح السبت.

وقال المتحدث باسم «اللجنة المصرية» في قطاع غزة، محمد منصور، إن اللجنة فعلت بالشراكة مع المنظمات الأممية والإغاثية «خطة طوارئ» للتعامل مع تداعيات المنخفض الجوي العميق على قطاع غزة، مشيراً إلى أن الخطة تهدف للتدخل السريع بمشاركة آليات مختصة وصلت من مصر للتعامل مع الأمطار الغزيرة، وأن الفرق الميدانية باشرت تحركاتها في محافظات القطاع المختلفة، وتعمل على مدار الساعة للاستجابة للنداءات الإنسانية بعد تلقي آلاف الاستغاثات.

مساعدات مصرية تتدفق إلى غزة لإنقاذ الوضع الإنساني (اللجنة المصرية)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن «القطاع يفتقر إلى أدنى مقاومات الحياة والوضع أصبح مأساوياً، ونناشد العالم والمؤسسات الأممية والإنسانية لتكثيف جهود توفير الاحتياجات، وهناك 480 ألف عائلة في القطاع بحاجة إلى المساعدات العاجلة، وأن القطاع ينقصه الشوادر (المظلات) وبحاجة إلى بطانيّات وأحذية وملايس للأطفال».

وأشار إلى أن «اللجنة المصرية» قامت خلال الفترة الماضية بتجديد الخيام وبناء مخيمات كاملة لكن غزارة الأمطار واختلاطها بمياه الصرف الصحي جعلاها متهالكة وغير صالحة بعد أن غمرت أماكن سكن النازحين، موضحاً أن غزة بحاجة إلى إدخال معدات للتعامل مع الوضع القائم مع ضرورة تكاتف الجهود الإغاثية، وأن يلبي العالم النداء سريعاً بإيصال المساعدات إلى غزة.

وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، يُقدّر عدد الخيام التي تؤوي العائلات النازحة في مختلف أنحاء قطاع غزة بنحو 270 ألف خيمة. وقالت الوكالة إن هذه الخيام المؤقتة «مصنوعة من النايلون والقماش الرقيق»، وتفتقر إلى «أبسط مقومات الحماية من الأمطار والرياح والبرد القارس».

وأشار التقرير إلى أن أكثر من 400 ألف نازح يعيشون في «مواقع شديدة الخطورة، معرضة للفيضانات وتجمع مياه الأمطار، أو بالقرب من شاطئ البحر؛ ما يزيد من احتمالات تعرضهم لمخاطر المنخفضات الجوية والعواصف الشتوية»، في ظل «غياب الوقود وشح وسائل التدفئة».

بينما كشف تحالف «منظمات المجتمع المدني الفلسطيني» عن أن «مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة يستقبلون فصل الشتاء بلا مأوى في ظل الدمار الواسع ونقص مقومات الحماية»، موضحاً أن «الخيام التالفة وغياب وسائل التدفئة ونقص والملابس الشتوية يهدد حياة النازحين في غزة».

وحذر تحالف «منظمات المجتمع المدني الفلسطيني» من أن «مخاطر الغرق وانتشار الأمراض والأوبئة تتفاقم مع المنخفضات الجوية وضعف تصريف مياه الأمطار في غزة»، مشدداً على أن «ترك النازحين في غزة لمواجهة البرد والأمطار دون توفير احتياجات الإيواء والحماية يفاقم الأزمة الإنسانية».

وطالب التحالف بتوفير خيام مقاومة للأمطار والرياح واستبدال الخيام التالفة في قطاع غزة، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار وتهيئة مراكز الإيواء ومواقع النزوح في غزة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة في توفير المساعدات الشتوية.


الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.