شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

تفاصيل الرسائل النصية بين «أبو هريرة الليبي» و«أبو إخلاص المغربي»

TT

شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

بدأ «أبو هريرة الليبي»، بعد نحو عام من القتال والعمل في صفوف «داعش»، يبحث عن مخرج. وبعد أشهر من الجدل وتراجع قناعاته بسلامة الطريق الذي تسير فيه دولة «الخلافة» المزعومة، أدرك أن ما يقوم به لا يتوافق مع صحيح الدين في أبسط صوره. لقد أمضى أسابيع عصيبة من المرابطة والحرب والكر والفر.. مرة في سوريا ومرة في العراق، دون أن يكون أمامه أفق واضح لما يريده «الخليفة» ومساعدوه وفقهاؤه.

تنشر «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة، الرابعة والأخيرة، من شهادات عدد من المنشقين عن هذا التنظيم الدموي، تفاصيل جديدة عن الأيام الأخيرة لكل من «أبو هريرة» و«أبو شعيب السوري»، وثلاثة تونسيين آخرين، وكيف تمكنوا في نهاية الأمر من الفرار مع العشرات الآخرين، خشية أن يزج بهم التنظيم في السجون أو يطلق النار على رؤوسهم، كما يفعل مع خصومه.
من أصعب ما يمكن أن تمر به في حياتك، أن تضطر لاتخاذ قرارات وأنت في معمعة المعارك. كانت عملية تحول القناعات الفكرية في أوساط هذه الشريحة من الدواعش، تجري وسط قذائف المدفعية وتكتكة الرصاص.. «وسط أيام من الحصار والجوع والاقتراب من الموت»، كما يقول أحد التونسيين ممن تمكنوا من العودة من العراق والاستقرار في جنوب تونس.
من الجانب الآخر كان يمكن لقادة التنظيم ملاحظة أمارات التمرد على شاب مثل «أبو هريرة» ومجموعته، و«أبو شعيب» ومجموعته، والعشرات الآخرين ممن كان يجري إعدادهم كقيادات مستقبلية للتنظيم في الأماكن التي سيفتتحها ويضمها لـ«الخلافة» ومنها مناطق في العراق والشام بالإضافة إلى ليبيا وغيرها. كان «أبو شعيب» يبتعد هو الآخر عن الاشتراك في العمليات بحجج مختلفة. بينما كان «أبو هريرة» قد فتح قلبه وعقله للمسؤول عن العلوم الشرعية في معهد الرِّقة، وكان هذا خطأ كبيرا كما يقول.
لقد انتهى الأمر وجرى وضعه في خانة المتمردين، وأصبح الزج به في غيابات السجون والأقبية الرهيبة لـ«داعش»، أو قتله، مسألة وقت. ومع ذلك كان لديه بصيص أمل في أن يجد بين قيادات التنظيم من لديه رؤية واضحة وقدرة على الرد على التساؤلات المعلقة بلا أجوبة منذ شهور. كان طيران التحالف الدولي يدك مواقع «داعش» والضغوط تتزايد مع صعوبة التحرك بين قواعد التنظيم سواء في العراق أو سوريا. ويقول «أبو هريرة» إن هذه التطورات، حيث لا تعرف من قتل ممن ما زال يقاتل على الجبهات، ساعدته للبقاء في مدينة الرِّقة دون أن يضطر لحمل السلاح.
ويضيف أنه في يوم من أيام يناير (كانون الثاني) الماضي، حين قرر الاستقرار في المعهد الشرعي التابع للخلافة، أرسل له القيادي في «داعش» «أبو محمد العدناني»، مندوبا عنه إلى الرِّقة، لكي يبلغه بتهديده له ولمن يتشكك مثله في «الدولة» بالسجن وشر العقاب، خاصة في ظروف الغارات الحربية التي ينفذها التحالف الدولي، إلا أن «أبو هريرة» أعطى ردودا بدت، لدى قادة التنظيم، أنها تدلل على أنه يحمل نفس الأفكار التي جرى تداولها في مناظرة مدينة الدانا.
كان «العدناني» يشغل موقع المتحدث الرسمي باسم التنظيم، وظل «أبو هريرة»، لأكثر من شهرين، يسمع عن أنه أصبح غير قادر على الحركة لإصابته في غارة جوية، وأنه يقيم قرب مقر للخليفة في منطقة الأنبار بالعراق، رغم أنه، في الأصل، من مدينة إدلب السورية. وربما لهذا السبب كان العدناني من القلائل الذين كانت تتجمع لديهم المعلومات، في تلك الظروف، عن المقاتلين وخريطة المجموعات ومن قتل ومن أصيب ومن يعتصم في المواقع الآمنة.
يقول «أبو هريرة» إنه كان، حتى ذلك اليوم، يتطلع لمقابلة «العدناني»: كنت أسمع كلاما طيبا عنه من الإخوة السوريين الذين يحاربون معنا. كانوا فخورين بقربه من «البغدادي». وبعد ذلك أخذت أستمع لتسجيلاته الصوتية وهو يدافع عن الدولة وعن «الخليفة». رجل صارم. وظننت أنه سيريحني ويريح مجموعتي، إذا تحدثت معه في المسائل الشرعية. كنت أظن، مثل كثيرين غيري، أن هناك خطوطا مقطوعة بين ما يجري على الأرض وبين توجيهات «الخليفة». كنت أظن، رغم كل ما رأيت، أن القيادات لن توافق على ترك أمراء المناطق للتنكيل بالمقاتلين. وانتظرت أن يطلبني.
ما حدث هو العكس.. يوضح «أبو هريرة»، قائلا إنه «في هذه الأثناء أتاني تهديد جديد من أحد مساعدي العدناني.. قال لي: يقول لك الشيخ أبو محمد إن أي أحد يطرح الأسئلة عن تعليمات الخليفة أو يشكك فيها أو يكفِّر الظواهري، سيسجنه ويعاقبه». وبعد عدة أسابيع عاد «أبو هريرة» إلى دير الزور مرة أخرى، وهو مشتت الفكر بسبب تغير رياح التنظيم، وانقلاب فتاويه رأسا على عقب في الكثير من التفاصيل التي ترتبط بتداعيات العمليات القتالية.
وخلافا لكل التعليمات والتوصيات والتحذيرات التي أطلقها رجال «الخليفة»، قام «أبو هريرة»، وهو في دير الزور، بتكفير اثنين مغربيين من عناصر «داعش» ممن قال: إنهم يروجون لفتاوى جديدة تتعارض مع فتاوى سبق إصدارها من «البنعلي» ومن فقهاء آخرين من التنظيم.. «كان أحد المغربيين لا يكفر عشيرة الشعيطات التي كنا نقاتلها وتقاتلنا منذ بضعة أسابيع، وكان الثاني قد نطق لفظا مكفرا، ونبهته بعدم تكرار هذا، فلم يتنبه.. كفرتهما، وعندها ذهبا وقدما شكوى ضدي عند الأمير المسؤول عني في تلك الأيام، وكان اسمه، أبو عبيدة الليبي، الذي استدعاني بدوره، وهددني بأنه سيقدمني للمحكمة».
و«أبو عبيدة الليبي» الذي يشير إليه «أبو هريرة» هنا، هو أحد قضاة المحاكم الشرعية لـ«داعش»، ويعتقد أنه قتل بعد ذلك بعدة أسابيع في قصف جوي استهدف قواعد للتنظيم في شمال الموصل، رغم أنه سبق الإعلان عن مقتله عدة مرات، إلا أنه، وبحسب شهادات الدواعش المنشقين، كان بعد الترويج لمقتله، يظهر في ثياب جديدة وهو يمسح على لحيته ويقول: أنا هنا لم أنعم بالشهادة بعد.
ويختلف «أبو عبيدة» هذا، تماما، عن رجل آخر يحمل نفس الكنية ويقود مجموعة من المتطرفين في العاصمة الليبية طرابلس. ويضيف «أبو هريرة» أن من بين من كانوا موجودين، أثناء استدعاء أبو عبيدة له، وتهديده بتقديمه للمحاكمة «أبو الأثير الحلبي»، الأمير العسكري الرهيب لدير الزور.
«الحلبي» يبدو من كلام «أبو هريرة» رجلا حادا وصارما تجاه الأسرى الذين كانوا يسقطون في أيدي «داعش»، ولديه خبرة طويلة أيضا في التنازع بشأن التكفير والمسائل الفقهية، اكتسبها حين كان مسجونا في سجون الأسد. ظل يستمع إلى ما يدور بين «أبو عبيدة» و«أبو هريرة»، وما يعتمد عليه كل منهما من حجج وفتاوى صادرة كلها، رغم تناقضها، عن «البنعلي» نفسه.
فضَّل «الحلبي»، في البداية، عدم التدخل في النزاع الدائر بين الرجلين.. استأذن للانصراف، بعد ما تلقيته من تهديدات من «أبو عبيدة»، حيث إن الحلبي قال: إن لديه ظروفا تتعلق بالعمل، لكنه عاد مرة ثانية وقال موجها حديثه لي، وكأنه حسم أمره بالانحياز الصريح ضدي، إنه سيسجنني لأنني أكفِّر تنظيم القاعدة والعاذر بالجهل بالشرك الأكبر، وأكفِّر عطية الليبي (أحد كبار قادة تنظيم القاعدة، وهو أصلا من مدينة مصراتة الليبية، وقتل في وزيرستان بباكستان عام 2011).
ويقول «أبو هريرة» بأنه كان يغوص في وحل «داعش» بمرور الأيام.. لكن بوتيرة متسارعة. مثلا.. عندما عاد «الحلبي» لمكتب «أبو عبيدة» وشارك في التهديد بسجنه، وجد أن «أبو عبيدة» قد تشجع أكثر من السابق، وبدا أنه يريد أن يتخذ إجراءات محاكمة فورية بحقه، لكنه يقول إن الله سلم، فقد حدث أمر طارئ في الخارج «لا أعرف ما هو»، إلا أنه ترتب عليه خروج «أبو عبيدة»، ليبقى هو وجها لوجه مع «أبو الأثير الحلبي».
وهنا يوضح «أبو هريرة» قائلا: «قمت باستغلال الأمر، وتكلمت مع أبو الأثير.. سألته وأنا ممتلئ بالغضب: ماذا تريدون مني؟ لماذا طلبتني؟ فقال: أنا لم أطلبك.. قلت له: إذن سأذهب». ويضيف أن هذا الحوار القصير كان الأول من نوعه مع هذا الرجل السوري المتمرس على القتال منذ ما قبل ظهور المجموعات المتطرفة التي تخوض الحروب في سوريا والعراق. ولم يكن هناك الكثير الذي كان يمكن أن يقال.
خرج ومشى عدة خطوات. يقول: وجدت أبو عبيدة عائدا لمكتبه، فأخبرته أن «الحلبي» قال لي أن أذهب.. وبهذه الطريقة نجوت منهما بفضل الله.. كانت هذه حيلة أبعدتني عنهما في تلك الليلة، إلا أنه، وبعد يومين، وصلني تهديد جديد عبر بعض الإخوة، وأخبرني أحد التونسيين أن «الحلبي» كان يريد أن يصلبني في دوار النعيم الموجود وسط مدينة الرِّقة وهو مكان معروف أن «داعش» يستخدمه في صلب مخالفيه.. المهم نجوت مرة أخرى. ثم بعدها بقيت لفترة لا أعرف ماذا أفعل.. وكلما رآني «أبو عبيدة» حذرني، حتى تيقنت من كفر الدولة (داعش)، وقررت الهروب.
في شهادته يقول: «على ما رأيناه وسمعناه من جنود (الدولة الإسلامية) وأمرائهم وشرعييهم من خلال مباشرتنا لهم ومخالطتهم وإمضاء وقت طويل معهم، أؤكد اختلافهم فيما بينهم في المنهج والعقيدة».. «فلقد وجدنا كثيرا من جنود الدولة يتضاربون في عقائدهم ويتخبطون في أصل الدين، حتى تجد كل واحد منهم يدين بدين يختلف عمن هم في صفه من زملائه الجنود، فمنهم من يقول: إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، ومنهم من يعذر بالجهل، ومنهم من لا يعذر بالجهل ولا يكفر العاذر بالجهل، ومنهم من يكفر العاذر».
ويوضح أنه في إحدى المرات حدثت فتنة كبيرة بشأن تكفير الرئيس المصري المنتمي لجماعة الإخوان، محمد مرسي، حين تجدد الجدل حول الفتاوى التي سبق وصدرت عن شرعيي التنظيم. والجديد هذه المرة أن «منهم من كفره، ومنهم من لم يكفره.. فلا يشك عاقل أنهم، بأقوالهم وتضاربهم، يكفِّرون بعضهم بعضا».
ويتطرق إلى جانب آخر يتعلق بعدم حكم «داعش» بالشرع كما تردد على الملأ. ويقول: «في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وتقديم التنازلات والتساهلات في الأحكام والحدود.. رأيت في مواطن كثيرة أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. مثلا.. ذات مرة أمسكوا بشبكة كبيرة من الشواذ في ريف إدلب الشمالي، وتحديدًا في مدينة الدانا، عندما كانوا يسيطرون على المدينة.. فماذا كان حكمهم على هذه الشبكة الخبيثة؟ قالوا: إن نحن أقمنا عليهم الحد ستثور القرية علينا ولن نعرف كيف نرضي الناس، فما كان منهم إلا أن أطلقوا سراحهم من دون أي حساب».
ويتحدث عن أنه أثناء وجوده مع قيادات وعناصر «داعش» رأى «قيامهم بتعيين قضاة من أجهل الناس في الحكم والقضاء.. والاستعانة بالطواغيت في الحكم والقضاء، كاستشارة من درس المحاماة والقوانين الوضعية في بعض القضايا والأحكام.. وفتح المحاكم التي يسمونها شرعية بجانب المحاكم التابعة للهيئات العلمانية التي تحكم بالقوانين الوضعية، فتجد محكمة (الدولة الإسلامية) وبجانبها محكمة للقوانين الوضعية، وتسمية الولايات والمناطق بأسماء كأنها أصبحت تحت حكمهم، كقولهم ولاية إدلب وهي تعلوها إما رايات الجيش الحر أو أماكن أخرى تعلوها راية نظام الأسد.. والسماح لبعض المؤسسات الكفرية التابعة للأسد بمتابعة العمل داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم كمؤسسة النفوس وبعض المحاكم التي يسميها النظام (السوري) محاكم شرعية».
وعن تذبذب «داعش» وقادته وفقهائه، يضيف بقوله إن هذا الأمر يتضح من خلال «حروبهم على أهل التوحيد ومنع التحدث في أصول الدين والبحث في العقيدة.. إن من عاشر (الدولة الإسلامية) وجنودها يعرف حق المعرفة من هم الأمنيون الذين يرسلونهم للتجسس على الجنود الذين يتدارسون العقيدة ويحاولون البحث فيها، وكأن هذا ذنب يُسجن صاحبه ويُعذب. بالإضافة إلى محاربتهم لمن يقول بكفر العاذر بالجهل وقتلهم وتصفيتهم له، ولنا خير دليل فيمن قامت (الدولة) بتصفيتهم مؤخرًا بسبب تكفيرهم للعاذر، مثل أبو عمر الكويتي، وأبو جعفر الحطاب، وكذا كثير من الجنود وكبار الشرعيين الذين يكفرون العاذر بالجهل».
ويتطرق «أبو هريرة» في شهادته عن تضارب مواقف قيادات «داعش» موضحا أنهم يدعون «تكفير الفصائل العلمانية والداعية للدولة الديمقراطية.. وعدم تكفير الفصائل العلمانية حتى تعلن عليهم الحرب وتقاتلهم، وقبولهم للتحاكم إلى الشرع مع بعض الفصائل العلمانية التي يدعون أنهم يكفرونها.. همهم الأول هو القتال فقط بغض النظر عن العقيدة.. فمهمتهم في المنطقة تنصب على القتال فقط، وتكثير العدد، مهما كانت عقيدة المنتسب لهم».
ويضيف أنه شهد مبايعة بعض الكتائب التي تخالفهم في العقيدة لهم، وقبول البيعة منهم، وانضمام عدد كبير من اللصوص والمرتزقة المعروفين عند الناس إلى صفوف «داعش» لحماية أنفسهم، وما كان منهم إلا قبول هذه البيعات.. «مهما بلغ جهل الذي يريد أن ينضم إليهم يكفي فقط أنه لا يدخن السجائر لتقبل بيعته».
كان «أبو شعيب»، ومعه التونسيون الثلاثة، قد سبقوا «أبو هريرة» في التسلل إلى الشمال. وتمكنوا من الدخول إلى الأراضي التركية مع مجموعة من اللاجئين، واستقر هو هناك. وتدبر الآخرون طريقهم للعودة إلى تونس عبر خطوط الطيران التركي التي كانت تعمل بين إسطنبول ومصراتة الليبية، بينما كانت عناصر داعش في سوريا في طريقها، تحت جنح الظلام، لتوقيف «أبو هريرة».
جرى إلقاء القبض عليه واحتجازه في أحد سجون «داعش» في مدينة الرِّقة. يقول: «سُجنت في سجن الأمنيين لمدة 20 يوما.. عاملوني فيها معاملة نسأل الله أن ينتقم منهم.. كان الحمام الذي نقضي فيه حاجتنا موجودا في نفس غرفة السجن.. كنا نتوضأ منه ونصلي بنفس الغرفة.. الطعام كان لا يؤكل. رأينا في السجن ما يشيب له الولدان». وحين سأل عن الشيخ الذي سبق احتجازه في مبنى «السفارة» قبل نقله إلى هذا السجن، علم أنه تعرض للجلد بأسلاك الكهرباء عدة أيام، ثم جرى نقله إلى سجن آخر في مكان ما في منطقة الأنبار.
يضيف: وجدت في سجن الرِّقة إخوة كثيرين من بينهم عناصر من مجموعتي ومجموعة «أبو شعيب». كنا نحو 90 من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وأفغانستان والشيشان. كلنا في ردهة في مساحة ثلاث أو أربع غرف صغيرة.. ردهة لها ثلاثة حوائط إسمنتية وواجهة مسيجة بالحديد وفيها باب صغير. عرفت وأنا في السجن أن «أبو شعيب» نجح في الهروب إلى تركيا.. وعرفت أيضا أن شيخ عشيرة العقيدات السورية، خليل الهفل، حين ألقى «داعش» القبض عليه في الصيف، احتجزه في هذا السجن أيضا، لكن الإخوة قالوا: إنه، وهذا أمر غريب، جرت معاملته أفضل معاملة، لأنه كان في السابق عضوا في مجلس الشعب السوري وله عشيرة كبيرة، بينما كان التنظيم يقول عليه مرة إنه من الكفار ومرة من المرتدين ومرة يصفونه بـ«الطاغوت».
ويواصل قائلا عن الأيام التي أمضاها في سجن «داعش» إن «شعور الإخوة المساجين كان عبارة عن صدمة من ممارسات التنظيم». فبينما كانت عمليات التنكيل على أيدي قادتهم لا تتوقف بحق هؤلاء الدواعش الذين كانوا يحاربون في صفوف التنظيم، استمع «أبو هريرة» لروايات ممن سبقوه إلى هنا عن المعاملة الحسنة التي كان يحظى بها المحتجزون رغم عدم اعترافهم بالخليفة ورغم رفضهم إعطاءه البيعة وعدم إعلان استتابتهم.. «سجنوا شيخا آخر من عشيرة العقيدات، وهو أحد الموالين لنظام الأسد، لمدة يومين.. عاملوه خير معاملة، ثم أخرجوه دون استتابة، وبينما نحن في السجن، كان هو مطلق السراح يدور في الميادين».
ويقول إنه أثناء وجوده قيد الاحتجاز، في ذلك الوقت، مر عليه في السجن أحد العناصر الأمنية المعروف أنها تعمل مع نظام الأسد.. اسمه «أبو يعقوب» من منطقة البصيرة في دير الزور.. كانت التهمة ضده تتعلق بتهريبه لأسرة ضابط سوري برتبة عميد إلى تركيا.. أسرته تتكون من زوجة وابنة. وتمكن من اجتياز الحواجز التي كان يقيمها «داعش» في مناطق واقعة بين سوريا وتركيا، وتوصيلهما بأمان.
ويضيف: كان «أبو يعقوب» يقول لنا في السجن إنه مظلوم، وإنه ماذا عليه لو أنه أوصل الزوجة والبنت، فأخبرته أنه كافر، لأنها زوجة الطاغوت وابنته ابنة الطاغوت، لأنه يعمل مع بشار الأسد.. المهم هو اقتنع بكلامي. وفي اليوم الثاني جاء قاضي الأمنيين في كل الولايات ليقضي بمسألته، فقال له: حتى لو أنت أوصلتهم إلى تركيا فليس عليك شيء، ولا يحق لأحد أن يوقفك ويتكلم معك، فهذا الأمر ليس محظورا، ولا شيء عليك بأنك جعلتهما تمُرَّان، فنحن نريد الزوج ولا نريدهما، لا الزوجة هي ولا ابنتها، وصدر الحكم بخروجه من السجن وإطلاق سراحه.. هكذا، ونحن بقينا في الحبس.
الأسوأ من كل ذلك أن بعضا من الإخوة الذين كانوا معي في السجن - كما يقول: «أبو هريرة» - لم يكن لهم أي رأي أو حديث في شؤون الفتاوى.. ولم يكن عليهم أي تهمة ولا قرينة من أي نوع يمكن أن تؤخذ عليهم. ومع ذلك كان القاضي الشرعي يأتي ويقول لمثل هؤلاء: ماذا تحب أن نسجل لك تهمة.
ويسترجع ذكريات مدة سجنه القصيرة في سجن الأمنيين الذي كان يديره «داعش»، ويتعجب كيف خرج من هذا الكابوس.. يقول: «سبحان الله الذي حكم لي أن أخرج بعد عشرين يوما مع بعض من مجموعتي. ماذا وجدنا؟ الفتاوى التي حاربنا بها الخصوم، أصبحت معكوسة.. وجدنا أن الدولة (داعش) أرجعت الشعيطات إلى بيوتهم، وقالت: إنهم مسلمون، وليسوا كفارا ولا مرتدين.. وأعادت لهم بيوتهم وسياراتهم، وألغت توزيع الغنائم.. وبعدها جلسنا بمكان إداري، وخلال ذلك كنا نبحث عن طريق للهروب».
وقبل خروجه من العراق وسوريا كان «أبو هريرة» على تواصل عبر الهاتف مع بعض القيادات الوسطى في التنظيم، في محاولة منه على ما يبدو لبث الطمأنينة في نفسه، ولمعرفة كيف تسير الأمور، وما إذا كان التنظيم قد أهدر دمه، وما هي الطرق الآمنة للوصول إلى الحدود التركية. كان يريد من المحادثات التي أجراها أثناء ابتعاده عن أنظار قادة التنظيم، أن يرسل رسائل بأنه يسعى للالتزام بما تتضمنه تعليمات وكتيبات «داعش» في المعسكرات وأنه لن يعود للجدل، بينما هو يواصل الابتعاد في اتجاه الحدود.
وحصلت «الشرق الأوسط» على جانب من هذه الرسائل النصية التي جرت بين «أبو هريرة» وأحد القادة الشرعيين في معسكرات «داعش»، واسمه «أبو إخلاص المغربي»، وكانت يوم 23 مارس (آذار) الماضي، أي قبل هروبه بعدة أيام. ويطلق «أبو هريرة» على نفسه في الاتصال الذي تم عن طريق برنامج «واتس آب»، لقب «التوحيد أولا»، وزعم فيه أنه موجود في العراق، بينما يظهر الطرف الآخر، وهو «أبو إخلاص» تحت رقم هاتف دولي تابع لشركة اتصالات تركية، يبدأ بـ00905. رغم وجوده في دير الزور بسوريا.
أبو هريرة: أنت شرعي معسكرات الدير صح؟
أبو إخلاص: ذكرني بارك الله فيك.. نعم أخي. أنا معك أبو إخلاص، بالضبط.. محتاج تذكرني فقط.
أبو هريرة: صح.. أنا بالعراق الآن..
أبو إخلاص: كيف العراق؟
أبو هريرة: الحمد لله. بخير..
أبو إخلاص: والإخوة؟
أبو هريرة: تمام.. عايفة حالها (أي لا جديد عن السابق). إخوتي غرباء..
أبو إخلاص: طوبى للغرباء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
أبو هريرة: كنت أريد نسخا عن الكتب التي تدرسونها..
أبو إخلاص: عندي الكتب. عندما تأتي أجيبها لك..
أبو هريرة: طيب ما أسماؤهم.. أحاول أسحبهم من الإنترنت؟ ممكن ما أجيء. ممكن استقر بالعراق..
أبو إخلاص: لن تجدهم بالإنترنت لأنها (الكتب) خاصة بالمعسكرات..
وفي نهاية المطاف تمكن «أبو هريرة» وعدد ممن كان يحارب معه في صفوف «داعش»، من الوصول إلى تركيا. ومن هناك عاد وحده إلى ليبيا، لكن «داعش» أمر الموالين له في مدينة درنة الليبية بقتله. ومنها هرب، مع أسرته، إلى إحدى دول الجوار الليبي.
في الاسفل جانب من الرسائل النصية المتبادلة بين أبو هريرة الليبي وأبو إخلاص المغربي («الشرق الأوسط»)



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.