خطط طموحة للتنقيب عن المعادن على سطح القمر

بهدف استخراج أنواع نادرة على الأرض ووقود نظيف

خطط طموحة للتنقيب عن المعادن على سطح القمر
TT

خطط طموحة للتنقيب عن المعادن على سطح القمر

خطط طموحة للتنقيب عن المعادن على سطح القمر

بنهاية عام 2016، من المقرر أن تبدأ مركبة فضائية آلية صغيرة بحجم طاولة القهوة في غرفة الاستقبال، بمحاولة للهبوط برفق على سطح القمر. وحال نجاح هذه المهمة فإن المركبة «إم إكس - 1» الجديدة من شركة «مون إكسبريس» لن تفوز بجائزة «غوغل لونار إكس برايز» البالغ قيمتها 30 مليون دولار فحسب، وإنما ستسهم أيضا في تدشين حقبة جديدة في مجال استكشاف الفضاء لأغراض تجارية.
ويعد الهبوط على سطح القمر إنجازا لم تنل شرف تحقيقه حتى الآن سوى ثلاثة قوى عظمى: الولايات المتحدة وروسيا والصين. ولا شك أن فكرة تمكن شركة ناشئة تضم قرابة 40 موظفا في «سيليكون فالي» تأسست في أغسطس (آب) 2010 من تحقيق الإنجاز ذاته، تنطوي على قدر كبير من الطموح.
وبفضل شراكة عامة - خاصة فريدة من نوعها مع وكالة «ناسا»، نجحت «مون إكسبريس» في الاستفادة من الخبرة الهندسية للوكالة، وكذلك منشآت الإطلاق داخل مركز كينيدي للفضاء.

* معادن القمر

* بيد أن الطموح الحقيقي يكمن في الخطوة التالية والمتعلقة بالاستراتيجية التي أقرتها «مون إكسبريس» للتنقيب عن المعادن على سطح القمر. وحسبما أخبرني نافين جين، أحد مؤسسي «مون إكسبريس» ورئيسها، عبر محادثة هاتفية، أنه بفضل مبادرات مثل مبادرة «ناسا» لرسم خرائط للتعدين على سطح القمر: «تمكنا من رسم خرائط لكل بوصة على سطح القمر، من المنظورين الطوبوغرافي والتعديني». وعليه، نجحت «مون إكسبريس» في تحديد أربع فئات من الموارد بالفعل يمكن التنقيب عنها لاستخراجها في المستقبل، وهي: مجموعة معادن البلاتين، والعناصر الأرضية النادرة، والهليوم - 3. وصخور القمر.
ومن بين هذه الفئات تكمن الإمكانات الأكبر وراء الهليوم - 3 الذي يوجد في الأرض بكميات بالغة الضآلة. أما على القمر، فالوضع مختلف تماما، نظرا لأن الهليوم - 3 ينشأ عن الإشعاع الشمسي. ولا يوجد بالقمر غلاف جوي على غرار ما تتسم به الأرض يعوق هذا الإشعاع. لذا، فإنه من المعتقد توافر هيليوم - 3 بغزارة على القمر.
ومثلما أوضح جين، فإن القدرة على استخراج هيليوم - 3 يمكن أن يترك تأثيرا هائلا في المستقبل على الأرض وبيئتها، حيث يعد هيليوم - 3 من مصادر الطاقة النظيفة وغير المشعة التي يمكنها توفير الطاقة للمفاعلات النووية القائمة على تقنية الاندماج النووي.
نظريا، يمكن لكمية صغيرة نسبيا من الهيليوم - 3 إنتاج قدر من الوقود النظيف يكفي لتوفير الطاقة اللازمة لصناعات بأكملها، إن لم يكن الكوكب بأسره. ولهذا، أعلن الصينيون أيضا عن خطط للاستخراج تتعلق بالهيليوم - 3 من على سطح القمر.

* القارة الثامنة للأرض

* من بين الفرص الكبرى الأخرى المتاحة على سطح القمر الماء الذي يصفه جين بأنه «نفط اقتصاديات الفضاء»، مهمة العثور على ماء على سطح القمر الذي سيعد كشفا كبيرا، وذلك ليس للأسباب المألوفة فحسب، حيث إن وجود الماء يعني وجود الهيدروجين والأوكسجين، مما يعني توافر مصدر لوقود الهيدروجين للصواريخ والأوكسجين للتنفس. كما أن ذلك يعزز احتمالية تحول القمر نهاية الأمر إلى محطة لرحلات استكشاف أخرى للكواكب حول الأرض، أو ربما «محطة وقود» ضخمة في الفضاء الخارجي.
في خضم تفكيرها بخصوص السبيل المُثلى لاستغلال القمر تجاريا، تعتمد «مون إكسبريس» على تصور القمر باعتباره «القارة الثامنة في الأرض». وبمجرد أن تشرع في التفكير في القمر باعتباره جزءا من المنظومة البيئية للأرض، وليس ككيان يقف وحده في الفضاء الخارجي، يتغير أسلوب التفكير برمته.
وفيما يلي مثال لهذا التغيير في أسلوب التفكير: ماذا ترى عندما تتطلع نحو القمر ليلا؟ إن معظم الناس لا يرون سوى سطح مقفر مليء بالثقوب لا يحمل أي إمكانات اقتصادية واضحة. إلا أن جين يرى القمر باعتباره «مجمع للكويكبات»، أي باعتباره مصدرا لمعادن نادرة حملتها كويكبات عابرة للكواكب إلى سطح القمر.
وبمجرد أن نهبط على سطح القمر مجددا، سيكون من الأسهل القيام بذلك مرة أخرى. من جانبه، يعتمد جين على مثال قطع مسافة الميل في أربع دقائق ـ وهو إنجاز رياضي كان يُعد في حكم المستحيل في وقت مضى. إلا أنه بمجرد تحطيم هذا الرقم من جانب روجر بانيستر عام 1954. استغرق الأمر 46 يوما فقط كي يحطم عداء آخر هذا الرقم.
وبالمثل، فإنه بمجرد إثبات أن بإمكان شركة صغيرة الهبوط على سطح القمر من دون حاجة لتمويل حكومي بمئات الملايين من الدولارات، فإن هذا قد يفتح الباب أمام شركات أخرى - بما في ذلك شركات أخرى مشاركة في منافسة «غوغل لونار إكس برايز» - للسعي للهبوط على سطح القمر. ومثلما أخبرني جين، فإنه: «نحن على القمة الآن بالفعل، وسيصبح من الممكن ارتياد الفضاء بسهولة للمرة الأولى. وتجتمع جميع التقنيات الكومبيوترية مع بعضها البعض الآن».
ولتوضيح كيف تسهم التغييرات في تقنيات الفضاء في إضفاء روح ديمقراطية على صناعة استكشاف الفضاء، أشار جين لخلفيته كرجل أعمال ناجح معني بمجال الإنترنت. وشبّه جين الصعود للقمر والعودة منه بمهمة وضع ألياف بصرية لشبكة الإنترنت كي يتمكن الجميع من الاتصال بالشبكة. وقد وصف «مون إكسبريس» باعتبارها تضطلع بحل «مشكلة الميل الأخير»، بمعنى الهبوط الفعلي على سطح القمر.
وهنا، عاود جين استخدام تشبيهات ترتبط بالإنترنت لشرح ما يمكن فعله لاحقا، حيث أوضح أن «مون إكسبريس» تشير لنفسها باعتبارها «آيفون الفضاء»، بمعنى أن الشركة ستفتتح منظومة «تطبيق الفضاء» بأكملها بمجرد هبوطها على سطح القمر، وذلك بصورة رمزية، وليس حرفية بالطبع.
من بين الأمثلة على ذلك صناعة الدواء التي يمكن أن تطور مركبات جديدة (أي «تطبيقات» دوائية) من المواد المعدنية الموجودة على سطح القمر. ولا يتطلب تحقيق ذلك التقنيات المتطورة والشراكات المناسبة فحسب، وإنما أيضا إطار العمل القانوني والتنظيمي الملائم. وجدير بالذكر أن معاهدة الفضاء الخارجي للأمم المتحدة الموقعة عام 1967 جرى إقرارها بهدف منع الدول والشركات من الاستغلال التجاري للكيانات الفضائية.

* تدخلات في الطبيعة

* ومع ذلك، قال جين إن حكما صدر أخيرا عن إدارة الطيران الفيدرالية حول «عدم التدخل التجاري» بخصوص التنقيب في الفضاء الخارجي باعتباره فتحا محتملا بمجال التعدين التجاري على سطح القمر. وأشار إلى أن معاهدة الفضاء الخارجي للأمم المتحدة لم تحظر تحديدا قط النشاطات التجارية، مشيرا لنموذج قانون البحر باعتباره إطارا أفضل لكيفية تنظيم النشاطات التجارية على سطح القمر.
وأضاف أن «قاعدة عدم التدخل التجاري»، حسبما تناولتها إدارة الطيران الفيدرالية يمكنها تمهيد الطريق أمام الشركات لتحديد مناطق عملها على سطح القمر، حتى وإن لم يكن لها ملكية فعلية لمساحات على سطح القمر.
ومع ذلك، فإنه حتى حال تناول القضايا التنظيمية، سيبقى هناك خلاف واسع النطاق داخل المجتمع العلمي حول الإمكانات الاقتصادية المحددة التي يوفرها القمر. مثلا، عند النظر إلى الهيليوم - 3، فإن القمر ربما يحوي كمية كافية منه لتوفير طاقة لكوكب الأرض لمدة 10 آلاف عام. أو قد لا يحوي كمية كافية لجعل التعدين التجاري على سطح القمر مربحا، حتى لو جرى التنقيب على سطح القمر بأكمله. ويمكن طرح الحجج ذاتها بخصوص أي مواد معدنية أخرى نادرة تمثل دافعا لدى البعض للسعي لإجراء أعمال تنقيب على سطح القمر.
ومع أن الاختبارات الأولى التي أجرتها «مون إكسبريس» أثمرت نتائج مثيرة للأمل، فإن الطريق لا يزال أمامها طويلا. وخلال مقطع فيديو على موقع «يوتيوب»، يظهر النموذج الأولي لـ«إم إكس - 1» أثناء استعداده لإجراء اختبار في ديسمبر (كانون الأول) 2014 أقرب لجهاز يشارك في تجربة علمية جامعية وليس جهازا يدشن حقبة جديدة من التعدين بالفضاء لأغراض تجارية.
إلا أنه حاليا تبقى «مون إكسبريس» واحدة من المتنافسين للفوز بجائزة «غوغل لونار إكس برايز» البالغ قيمتها 30 مليون دولار، وذلك بحلول نهاية 2016. وحال تحقيقها ذلك، فإنها قد تصبح شركة رائدة بمجال الاستغلال التجاري للقمر.

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ {الشرق الأوسط}



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»