تفاصيل جديدة عن المفاعل النووي «لافيزان3» وسط مخاوف دولية من نيات إيران

لم تتطرق إليه المفاوضات.. أقامته شركتا «كالاي» و«حراء» أسفل قاعدة عسكرية قرب طهران.. ويستخدم أجهزة حديثة لتخصيب اليورانيوم

عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
TT

تفاصيل جديدة عن المفاعل النووي «لافيزان3» وسط مخاوف دولية من نيات إيران

عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)

وسط مخاوف دولية من نيات إيران الوصول إلى تصنيع القنبلة النووية، تكشف تفاصيل جديدة بشأن مفاعلها النووي «لافيزان3» أنه أقيم أسفل قاعدة عسكرية قرب طهران بواسطة شركات محلية منها «كالاي» و«حراء»، ويستخدم أجهزة حديثة لتخصيب اليورانيوم، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر شبكة أنفاق تقع تحت مجمع لسكن ضباط بالجيش يطل على شارع «شاهمرادي». وبينما كانت المفاوضات تدور بين إيران التي تعاني صعوبات اقتصادية والدول الكبرى المتشككة حيال طموحها في التصنيع العسكري النووي، من أجل التوصل لاتفاق بهذا الخصوص بين الطرفين، جرى التحذير للمرة الأولى، في أواخر فبراير (شباط) الماضي، من وجود مفاعل سري لم تتطرق إليه المفاوضات، يحمل اسم «لافيزان3»، وذلك حين أعلنت مجموعة إيرانية معارضة، في واشنطن، وجود هذا الموقع «السري»، قائلة إنه يعد انتهاكا للمفاوضات الحالية مع الدول العظمى.

وجرى في الأيام الأخيرة تسريب تقرير يقع في 11 صفحة لمسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية وعدة بلدان أوروبية يتضمن تفاصيل جديدة عن المفاعل السري المشار إليه، بالتزامن مع الاتفاق السياسي الذي توصلت إليه طهران مطلع الشهر الحالي مع مجموعة الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن إضافة لألمانيا، بشأن برنامجها النووي، تمهيدا للتوصل لاتفاق شامل ونهائي، قبل يوليو (تموز) المقبل.
وينظر الكثير من المراقبين الغربيين بتشكك إلى نيات طهران وطموحاتها في استخدام برنامجها النووي في أغراض عسكرية لفرض الهيمنة بمنطقة الشرق الأوسط الملتهبة أصلا، بينما يرى معارضون إيرانيون أن نظام طهران لم يعد لديه خيارات كثيرة بعد أن تورط في تمويل الحروب ونشر الفوضى في عدة بلدان عربية، وأصبح يسعى لإنقاذ نفسه من شبح الأزمة الاقتصادية التي تخنق قطاعات واسعة من فئات الشعب.
على خلفية مثل هذه التفاصيل التي تخص الأنشطة السرية النووية في إيران ووقوفها وراء الحروب في بعض بلاد المنطقة، يقول ستروان إستيونسن، الرئيس السابق لوفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع العراق، لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا ينبغي الوثوق في سياسات طهران في ما يتعلق ببرنامجها النووي.. «النظام الإيراني خدع العالم على مدى أربعة عقود في ما يتعلق بسياساته الدولية أو في المنطقة».
وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أيضا يؤكد النائب الاشتراكي السابق في البرلمان الفرنسي، فرنسوا كلكومبه، أن حصول إيران على السلاح النووي، حتى ولو كان في الأمد البعيد، يعد من أكثر الأمور مبعثا للقلق خلال الأعوام المقبلة، واصفا سياسات كل من روسيا والصين والولايات المتحدة (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن) تجاه هذه القضية بأنها الأسوأ.. «لا توجد ضمانة للحيلولة دون سعي إيران لامتلاك القنبلة الذرية».
ومن بين محاولاتها لصرف الأنظار عن مشاريعها المقلقة للمنطقة والمجتمع الدولي، يقول معارضون إيرانيون وساسة غربيون، إن طهران تعمل على خلق بؤر توتر وحروب بالوكالة بعيدا عن أراضيها، مثلما يجري في العراق وسوريا واليمن. وتشير دولت نوروزي، وهي معارضة إيرانية تقيم في بريطانيا، خلال إجابتها عن أسئلة «الشرق الأوسط» بهذا الخصوص، إلى أن نظام طهران لم يجلب طوال سنوات حكمه (منذ 1979) سوى «البلاء والمصائب للشعب ولدول المنطقة، وللأسف يستغل الدين في ذلك».
التقرير الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه يشير إلى أنه رغم ادعاءات طهران بأن جميع الأنشطة الخاصة بتخصيب اليورانيوم، شفافة وتجري تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن النظام، في واقع الأمر، اضطلع بجهود البحث والتطوير لأجهزة الطرد المركزية المتقدمة في المنشأة النووية السرية التي تحمل اسم «لافيزان3».
تمكن معارضون إيرانيون ينشطون في الولايات المتحدة وأوروبا، بالتعاون مع زملاء لهم في الداخل الإيراني، من جمع كمية من المعلومات التفصيلية عن المفاعل الجديد. ورغم أنه لم يجر التحقق من مصدر محايد بعد، بشأن ما ورد في التقرير، فإن مصادر غربية تشير إلى أن المجموعة التي أعدته تتمتع، على ما يبدو بمصداقية، من خلال تعاملاتهم، عبر سنوات، مع أسرار تتعلق بالبرنامج النووي في بلادهم.
على مدار العشرين سنة الماضية تمكن قادة مما أصبح يعرف بـ«المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، من تأسيس مكاتب في أوروبا وأميركا تمثل قطاعات من المعارضة التاريخية لنظام رجال الدين في طهران. أحد فروع هذه المكاتب يقع في مبنى يحمل رقم 1747 في بنسلفانيا قرب العاصمة الأميركية. وفي يوم 24 فبراير عرض مساعد مدير الفرع، علي رضا جعفر زادة، ولأول مرة، صورا ملتقطة بالأقمار الصناعية، لموقع «لافيزان3»، لكن التفاصيل الدقيقة لهذه المنشأة، وفقا للتقرير، تبدو أكثر أهمية وإثارة للقلق.
لماذا؟ يجيب أحد النواب الأوروبيين، قائلا إن نفس الجهة التي قدمت هذه المعلومات، سبق وكشفت عن تفاصيل سرية خطيرة أصابت النظام الإيراني بالغضب، عن أنشطته النووية المثيرة للريبة في مواقع «ناتانز» و«أراك» عام 2002، وعن شركة «كالاي» وموقع «لافيزان شيان» في 2003، وغيرها، ولذلك حين نجد حديثا عن موقع نووي جديد فلا بد من الانتباه.. لقد ثبت على سبيل المثال أن «كالاي»، وهي شركة كهرباء بالأساس لها مقر في طهران، تسهم في تجارب على أجهزة الطرد المركزي والبحوث النووية.
السيد إستيونسن الذي يشغل أيضا رئاسة الرابطة الأوروبية لحرية العراق (EIFA)، يقول في إجابته عن أسئلة «الشرق الأوسط» عما إذا كانت إيران تسعى لمراوغة الغرب حول أنشطتها النووية: «بالتأكيد.. إنهم كانوا يخدعون ويراوغون الغرب في مجال برنامجهم النووي طيلة 30 بل 40 عاما. يبدو الأمر اليوم وكأنهم نجحوا في ذلك، إلا إذا استيقظنا أمام هذا الخطر الداهم للسلاح النووي الذي يتسلح به النظام الإيراني».
منشأة «لافيزان3» تقع بالقرب من موقع النشاط القديم لشركة «كالاي» التي تشرف عليها أيضا، وهي واحدة من ثلاث شركات إيرانية جمدت وزارة الخزانة الأميركية أصولها المالية منذ نحو سبع سنوات للاشتباه في دعمها لانتشار أسلحة الدمار الشامل‏ في هذا البلد الواقع على الخليج.‏ حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من هذه الشركة التي تتبع في الأساس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، لكن لم يتسن إجراء اتصال مباشر بها، في حين ينفي المسؤولون الإيرانيون توجيه «البرنامج النووي السلمي لأغراض عسكرية».
ويشبه أحد السياسيين الغربيين الأمر بلعبة عض الأصابع. فإيران تريد أن تفلت من العقوبات الاقتصادية الدولية التي أرهقت كاهلها، بالتوصل إلى الاتفاق النووي، لكن الدول الكبرى تخشى أيضا من أن تترك هذا البلد الذي تشتبه في تمويله لحركات التطرف في المنطقة لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
يعرب السيد إستيونسن عن مخاوفه من «تركيبة نظام الحكم في إيران»، ويقول صراحة: «إنني أرى أن النظام المتطرف الذي أسسه آية الله الخميني أصر على أن يصوغ الدستور الجديد لنظامه بحيث يتضمن الخلافة.. ما فعله النظام الإيراني من الناحية السياسية لم يكن خارج إطار إقامة مثل هذه الخلافة تماما كما يدعي ذلك حاليا تنظيم داعش.. نحن جميعنا في الغرب نتحسس لذلك».
ويضيف: «نحن نشاهد كيف أن حكام طهران يوسعون نزعتهم الطائفية في أرجاء منطقة الشرق الأوسط.. نحن نرى كيف وصلت أذرعهم إلى داخل العراق وكيف أنهم يدعمون الطاغية بشار الأسد وكذلك حماس وحزب الله اللبناني والآن المتمردون الحوثيون في اليمن، ثم يلومون المملكة العربية السعودية لأنها نظمت تحالفا للوقف بوجههم».
ويشدد إستيونسن على أن التحالف الذي تقوده السعودية، و«للمرة الأولى، استطاع أن يوحد الدول العربية لمواجهة النظام الإيراني ليقول لهذا النظام كفى.. كفى. هذه الخطوة أخافت الملالي (رجال الدين الحكام في طهران)، حيث يشاهدون لأول مرة معارضة جادة حقيقية بوجههم وليس من جانب الغرب، بل من قبل دول الجوار العربي في الشرق الأوسط». وبينما تحاول إيران الإفلات من المراقبة على منشآتها النووية، يبدو أنه لم يعد أمامها خيار سوى محاولة «اللف والدوران» للوصول لاتفاق بأي وسيلة يخرجها من منظومة العقوبات الدولية. في منتصف هذا الشهر، وبعد مماطلة من جانب طهران، وصل مفتشون من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقيق في موقع يشتبه في استخدامه في تطوير أسلحة نووية، لكن بهروز كمال، المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية صرح بأن مفتشي الوكالة جاءوا لمناقشة موضوع يتعلق بموقع عسكري في مدينة مريوان في غرب البلاد.
بحسب المصادر فقد بدأت الولايات المتحدة الأميركية في وضع «تفاصيل» تتعلق بالاتفاق مع إيران، أسرع من باقي البلدان الشريكة في المفاوضات، خاصة فرنسا وروسيا. التفاصيل الأميركية حتى الآن تتعلق بمفاعل «أراك» النووي الموجود كذلك قرب طهران. تعد البنود حول هذا المفاعل من القضايا الحساسة في محادثات إيران مع الدول الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
مع ذلك لا أحد يعرف إن كانت منشأة «لافيزان3» ستدخل في بنود الاتفاق من عدمه، خصوصا أن الكشف عنها وتمرير المعلومات التفصيلية الخاصة بها، تعد حديثة العهد ولاحقة لعملية بدء التفاوض. يقول التقرير عن هذه المنشأة، إن المهندس الذي يتولى إدارة جانب منها، يدعى مرتضى بهزاد، وهو مسؤول نووي بارز لعب دورا رئيسيا من قبل في تشغيل موقع «فوردو» المهم، لتخصيب اليورانيوم، والذي يقع تحت الأرض أيضا، أسفل جبل قرب «قم» على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب طهران.
المهندس بهزاد، وفقا للتقرير، يعد همزة الوصل بين هيئة الطاقة الذرية الإيرانية ووزارة الدفاع، وكان من بين مديري موقع (لافيزان 3)، مشيرا إلى أن إقامة هذه المنشأة، ضمن عدة مجمعات بالمنطقة، جرت بناء على أوامر من العميد في الحرس الثوري الإيراني، سيد علي حسينيتاش، الذي تولى فيما بعد منصب نائب وزير الدفاع في البلاد.. «مهمة حسينيتاش كانت تكمن في متابعة بناء وصناعة الأسلحة النووية، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي».
يجري تخصيب اليورانيوم في «لافيزان3»، وبصورة سرية، باستخدام أجهزة الطرد المركزية الحديثة من طراز (IR - 2m)، و(IR - 3)، و(IR - 4). يبدو من التقرير أن الموقع يحظى باهتمام كبير من جانب الدولة. تشرف على مسؤولية حمايته بشكل مباشر وزارة الاستخبارات والأمن الوطني. ووفرت هذه الجهات «تمويها» بحيث يجري التعامل مع المنشأة على أنها «مركز تابع لوزارة الاستخبارات، وغير معني بالأنشطة النووية».
يمكن تحديد موقع «لافيزان3» ضمن الأحياء السكنية الخاصة بقادة الجيش التي تستلزم تصريحا خاصا للدخول إليها، وهي منطقة عسكرية تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن طريق الجيش (الذي كان يسمى في السابق «طريق لاشكاراك السريع)، شمال شرقي العاصمة. تبلغ مساحة المنطقة العسكرية هناك نحو ستين فدانا، يحدها من الشرق شارع «شاهمرادي»، ومن الغرب شارع «غامار بني هاشم»، أما في الجنوب فتقع شقق العاملين بالموقع وتسمى «خوشرو»، وهناك أيضا موقع يضم مجمعين هما «مجمع جمال»، و«شركة ماتيران». يخضع الموقع بالكامل لإشراف مديرية الشؤون الفنية التابعة للاستخبارات الإيرانية.
ونظرا لحساسية شارع «شاهمرادي»، جرى وضع بوابة كبيرة مغلقة دائما، ما حوله لشارع مسدود لا يسمح بعبوره إلا للأفراد العاملين في المراكز العسكرية، أو المدنيين القاطنين في نفس الشارع. يوجد بجوار منشأة «لافيزان3» المجمع السكني العسكري المعروف باسم «الوحدة 64»، وهناك أيضا حامية «باهارفار» التابعة للجيش، إلى جانب مصنع لقطع غيار الصناعات الإلكترونية تابع لوزارة الدفاع. وإلى الجنوب الشرقي من موقع «لافيزان3» نفسه يوجد مجمع مستقل، كما يقول التقرير، تبلغ مساحته 170 مترا في 170 مترا. في داخل هذا المجمع هناك مبنى آخر مكون من طابقين بمساحة 70 مترا في 70 مترا مشيد في المنتصف. يوجد في هذا المبنى أحد أبواب النفق الذي يؤدي إلى الموقع النووي الرئيسي تحت سطح الأرض في منظومة من الأنفاق والمنشآت التي تشغل مساحة تقدر بألفي متر مربع.
«للوصول إلى الموقع تحت سطح الأرض، عليك استقلال المصعد الذي ينزل إلى عدة طوابق في عمق الأرض، وينفتح باب المصعد على نفق بطول 200 متر. يؤدي النفق إلى أربع قاعات متوازية. ونظرا لأن طبيعة الأرض منحدرة، فإن تلك القاعات تغوص في عمق الأرض حتى مسافة 50 مترا تقريبا»، كما يقول التقرير.
تبلغ أبعاد كل قاعة من القاعات الموجودة تحت الأرض 40 مترا في 10 أمتار، أي بمساحة 400 متر مربع. وتبعد كل قاعة عن مثيلتها بمسافة 50 مترا. يبلغ سمك أبواب القاعات 3 أمتار في 3 أمتار، إضافة إلى 40 سنتيمترا من مادة الرصاص الواقية من الإشعاع. كما أن المنشآت تحت الأرض مزدوجة الطبقات للحيلولة دون تشرب الإشعاع والصوت.
«مجمع جمال» يتكون من عدة مبانٍ ومجمعات كبيرة. المبنى الرئيسي فيه عبارة عن بناية من ستة طوابق تقع إلى الشمال الشرقي من المنطقة. يتولى رجل اسمه «ثابتي» ويشغل موقع مدير وزارة الاستخبارات، مسؤولية الإشراف على المجمع. أما رئيس الأمن فيه فهو مسؤول يدعى «معظم». وتحتل شركة «ماتيران» الجزء الثاني من المجمع، وتقع إلى القسم الجنوبي من الموقع، وتستقل عن بقية المناطق بجدار فاصل.
يقول التقرير، إن «ماتيران» تعد جزءا من المديرية الفنية بوزارة الاستخبارات، وتعمل على إنتاج بطاقات الهوية الرقمية، وشهادات الميلاد الإلكترونية، وغير ذلك من البطاقات ذات الاستخدامات الأمنية. ويترأس هذه الشركة، المدعو حامد شعيبي، الذي يترأس أيضا «هيئة الوثائق الأمنية الوطنية»، أحد فروع الاستخبارات.
من بين الخبراء العاملين في «ماتيران»، هناك عدة أسماء وردت في التقرير من بينهم ماجد شافعي، مدير الإنتاج، ومسعود تاغيبور، من قسم التصميمات، وعباس خودافيردي، المسؤول الفني. ويبدو من التفاصيل أن السلطات الإيرانية أنفقت أموالا طائلة من أجل إنجاز موقع «لافيزان3» وملحقاته، حيث توجد بالمنشآت تحت الأرض نظم خاصة للتهوية التي تحول دون انبعاث الإشعاعات إلى الخارج، إضافة إلى توفير أنفاق محصنة وقادرة على دخول وخروج الروافع الشوكية، سواء لجلب المعدات الثقيلة أو تحريكها داخل السراديب.
شركة «حراء» الإيرانية لها نشاط في بناء المشروعات الدفاعية السرية، وهي جزء من حامية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، تعرف باسم «خاتم الأنبياء» وأشرفت على بناء أنفاق «لافيزان3» في الفترة من عام 2004 حتى عام 2008، حين كانت تحت مسؤولية العميد في الحرس الثوري، مهدي اعتصام. ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أصبح كريم غانجي، هو مسؤول إدارة «حراء».
يدعو التقرير الولايات المتحدة الأميركية التزام الجدية حيال منع النظام الإيراني من امتلاك الأسلحة النووية، وأنه «يتعين عليها إسناد مواصلة المحادثات على شرط التفتيش الفوري من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على موقع لافيزان3 السري»، مشيرا إلى أنه بينما كان النظام الإيراني يخوض في جدل ومشاحنات مطولة مع مجموعة دول (5+1) حول عدد من أجهزة الطرد المركزية، كان في نفس الوقت يجري التجارب والاختبارات سرا على طرز حديثة من ذات الأجهزة لمواصلة جهود تخصيب اليورانيوم.
ومع تزايد المخاوف من تلاعب إيران مع الغرب والاستمرار في أنشطتها النووية، وبالتزامن مع الأزمة الداخلية التي يواجهها نظام طهران، يضغط معارضون إيرانيون وساسة غربيون من أجل دق ناقوس الخطر قبل توقيع الاتفاق النووي. جرى في هذا السياق مواصلة عقد عدد من المؤتمرات الصحافية عبر الإنترنت، شارك فيها متابعون من بلدان مختلفة. وفي سؤال حول طهران والاتفاق النووي، يجيب السيد إستيونسن، من مقره في المملكة المتحدة، محذرا إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بقوله إن سياسته للتهدئة ألحقت الضرر بشدة بقدرة الغرب على السيطرة على طهران.
ويتخوف مراقبون غربيون من بينهم ستيفنسون، من موافقة الدول الكبرى على طلب إيران بأن تكون مواقعها العسكرية خارج حدود المفتشين الدوليين «ما يخلق عائقا خطيرا في ضمان الامتثال (لشروط المراقبة)، لأن معظم مختبرات الأبحاث النووية الإيرانية كانت موجودة في منشآت عسكرية».
وتمثل نوروزي، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في المملكة المتحدة. وأجابت عبر الإنترنت عن عدد من أسئلة «الشرق الأوسط» في ما يتعلق بالقضية الإيرانية الراهنة، سواء في الداخل أو ما يتعلق بالبرنامج النووي. وترى أن «النظام الديکتاتوري الديني» في طهران، ومن أجل تغطية أزماته التي تحاصره، يقوم بالتحرکات المطردة من أجل تصدير التطرف والإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.
تضيف أن النظام الإيراني «جلب البلاء والمصائب على الشعب الإيراني»، وقام أيضا بـ«تصدير المصائب والبلاء لبلدان مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها»، ولهذا تمثل «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية، اتحادا من الدول العربية للوقوف بوجه تدخلات النظام في اليمن، مشيرة إلى أن انحسار الدور الإيراني في اليمن سيترك آثاره المباشرة في العراق وسوريا وحتى في لبنان أيضا.
ومن جانبه، يقول النائب الفرنسي السابق كلكومبه، وهو قاض، ويرأس حاليا مؤسسة دراسات الشرق الأوسط المعروفة باسم «FEMO»، إن النظام الإيراني لم يكن صادقا مع المجتمع الدولي بشأن البرنامج النووي، و«النظام الإيراني يمتلك إمكانيات الحصول على القنبلة الذرية، والبلدان العربية من حقها أن تشعر بالقلق لأن إيران تفصلها مسافة قصيرة عن هذه القنبلة ويجب أن يطالبوا باتفاق يطمئنهم».
وحمل السيد كلكومبه، وهو أيضا مؤسس اللجنة الفرنسية لـ«إيران ديمقراطية»، النظام الإيراني مسؤولية انتشار التطرف والإرهاب وحالة عدم الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، ودعا بلاده إلى المساعدة في تشكيل «حكومة ثورية» في سوريا، و«يجب أن تعمل إلى جانب الدول العربية لمواجهة تطلعات النظام الإيراني للحصول على القنبلة الذرية».



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».