أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

الروائي الفلسطيني صاحب «مجانين بيت لحم» الفائزة بجائزة الشيخ زايد يراها انحيازًا للمهمشين

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
TT

أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز

بروايته «مجانين بيت لحم»، استطاع الفلسطيني أسامة العيسة، تكريس نفسه كاسم له حضوره الخاص، خصوصا بعد فوز الرواية الذي مرّ بـ«مراحل مطوَّلة من الدراسات الموضوعية والدقيقة والمراجعة المستفيضة، من جانب (لجنة الفرز والقراءة)، و(لجان التحكيم)، و(الهيئة العلمية) للجائزة، ومجلس أمنائها، التي تم خلالها فرز الأعمال المشاركة من 31 دولة عربية وأجنبية، ضمن قائمة طويلة وأخرى قصيرة»، كما قال مدير عام الجائزة. «الشرق الأوسط» تحدثت إلى العيسة، وكان لها هذا الحوار:
* نبدأ الحوار بالسؤال التقليدي حول شعورك بفوز رواية «مجانين بيت لحم» بجائزة الشيخ زايد، وما تضيفه للأدب الفلسطيني عموما، والرواية الفلسطينية على وجه الخصوص؟
- الفوز بجائزة بمثل هذه الأهمية، أشعرني بأن في عالمنا العربي وفي أوساطه الثقافية، مَن فهمني وقدر ما أردت إيصاله، من رواية أردتها جديدة كل الجدة في الشكل والمضمون، خصوصا عندما اطلعت على ما نُشر من تقرير لجنة التحكيم، وما علمته من آراء المحكمين في الرواية.
أعتقد أن وصول الرواية، هو أولا مهم بالنسبة لي شخصيا لمواصلة مشروعي الروائي بثقة أكبر. وما فاجأني، كان الاهتمام «الجماهيري» في فلسطين، إن جاز التعبير بفوزي بالجائزة، وهو ما يجعلني أسمح لنفسي، بأن أعتبر الفوز فلسطينيا أيضا.
بالنسبة للأدب الفلسطيني، أنا لدي وجهة نظر، أؤكد أنها شخصية، تتعلق بالحالة التي عاشها هذا الأدب، خاصة في الأراضي المحتلة بعد اتفاق أوسلو، حيث ما حدث ليس تراجعا وحسب، ولكن ما يشبه الغفوة الطويلة، وميل كثير من الأصوات الجديدة–في النماذج التي اطلعت عليها–للذهاب بعيدا في الفردانية التي أسميها «غير إبداعية». صحيح أن بعض الكتاب واصلوا الكتابة، ولكن هؤلاء الذين تركوا بصمة في الماضي، لم يتمكنوا من فعل ذلك في المرحلة الجديدة التي كانت مرحلة جزر ثقافية، على الأقل.
الجوائز العربية التي تتمتع بمقدار من المصداقية، أظنها تمكنت من وضع الأدب الفلسطيني الجديد، على المحطة التي كانت يجب أن يكون عليها هذا الأدب عربيا وربما عالميا، وهو ما رأيناه في تجارب إبراهيم نصر الله، وربعي المدهون، وأنور حامد، وغيرهم ممن وصلت أعمالهم إلى قوائم هذه الجوائز.. أنا أرى وصول روايتي إلى جائزة الشيخ زايد، في هذا الإطار.

* مسؤولية كبيرة

* ماذا تضيف الجائزة لأسامة العيسة الذي نقش اسمه بعمق في عالم الرواية العربية، وقد يصبح كذلك على مستوى عالمي، وقبلهما المحلية بطبيعة الحال؟
- منذ الآن، أشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، من خلال ما غمرني به القراء والأصدقاء وجهات مختلفة، من دفء وحب وفرح. أنا أكتب بانتظام منذ سنوات، كل نشاطاتي الحياتية الأخرى، مسخّرة لخدمة الكتابة، سأواصل على هذا النهج. أزعم بأن لدي مشروعي الروائي، ومن الجيد أن هناك من يقدره، ولكنني سأكون أكثر حرصا عند دفع أي عمل جديد للنشر.

* شركاء في الجائزة

* هل توقعت وصول روايتك إلى الجائزة، في مواجهة روائي مصري عريق كإبراهيم عبد المجيد، وغسان زقطان الشاعر الفلسطيني الذي بات الأبرز محليا وعربيا وعالميا؟
- عندما ظهرت روايتي في القائمة الطويلة بين أسماء عربية بارزة، تتلمذ جيلي أدبيا على نتاج بعضها، شعرت بأني أسير في الطريق الصحيح إبداعيا. وعندما فوجئت بالرواية في القائمة القصيرة، سعدت بالروائي إبراهيم عبد المجيد الذي قرأت معظم أعماله وأعجبتني، والصديق الشاعر غسان زقطان الذي يراكم تجارب ويواصل مشواره الإبداعي بثقة. وكان ذلك كافيا لأن أشعر بالفوز، بغض النظر إذا ما كانت الرواية ستحتل المرتبة الأولى. أعتقد أننا جميعا فزنا. نحن شركاء في الجائزة، ولسنا متنافسين.

* آراء ونقد في الرواية

* هناك من يقول إن فوز روايتك كان لفكرتها، وإنها لا تندرج في إطار الرواية إلا في القسم الأخير منها، سفر مشمشي.. ما تعليقك؟
- أنا احترم كل الآراء بخصوص روايتي وسعيد بها، وأشعر دائما بضرورة ترسيخ المناخ الليبرالي في مجتمعاتنا. منذ أن خرجت الرواية من المطبعة لم تعد لي، بل للقراء والنقاد، ولذلك من حق كل منهم أن يكوّن رأيه فيها، وأعتقد أنه بمثل هذه الآراء يمكن إثراء المشهد الأدبي، وليس بسماع الصوت الواحد والرأي الواحد، وأحيانا يحلو للواحد منّا أن يسمع صوته فقط.
* هناك من عاب على الرواية وقوعها في فخ الصحافة والتاريخ على حساب الرواية؟
- في كتابة هذه الرواية، استفدت من أساليب فنية مختلفة، منها البحث التاريخي، والتحقيق الصحافي الاستقصائي. وكان ذلك مقصودا، بل أنا فخور بذلك. لم يكن التعامل مع الأمر سهلا. أعتقد بأن ذلك لم يغنِ الرواية وحسب، ولكنه كان تطبيقا عمليا لما أُريده من هذا الفن العظيم والمبهر الذي أسميه رواية. ولكي أثبت أن لا شكل ثابتا لهذا الفن، بل إن تقوقعه في شكل محدد هو ما يضر به. أنا أكتب رواية بطريقة جديدة. هذا المهم، ولن أكرر كتابة «الرواية» مرتين، بمعنى أنني في كل عمل، أخوض مغامرة محسوبة ومتعبة في الشكل والمضمون، والمسألة ليست سهلة. أنا لن أكتب رواية قائمة على اجترار ذكريات، أو شذرات سيرية، أو تهويمات سياسية وفكرية وآيديولوجية، أنا أكتب رواية عربية جديدة وحداثية، تنهل من مواعين كثيرة.
* كتب أحدهم يقول: «أصر كاتب هذا الكتاب، تصنيفه تحت بند الأعمال الروائية، مع أنه لا يمتّ لها بصِلة. والعجيب أنه لم يكلّف نفسه عناء اصطناع أي شيء يجعل هذا عملا روئيًّا».. ما رأيك فيما قيل؟
- أحترم هذا الرأي، ربما استند صاحبه على حيثيات معينة جعلته يستنتج هذا الاستنتاج.

* قصص متفرقة

* كاتب هذا العمل صحافي وباحث في التراث. في هذا العمل يقدّم بحثا وتحقيقات صحافيّة سيرية اجتماعية، ومذكرات متفرقة حول مدينة بيت لحم ومخيّم الدهيشة، مسقط رأسه، وعن البلدة وناسها، ما سمعه عنها وما قرأه.. قصص متفرفة لأناس لا يجمعهم رابط سوى مدينة بيت لحم، بعضها يعود لما قبل قرنين من الزمن، وأكثرها يتركّز حول فترة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 وما تلاها.. هل توافق على هذا التحليل؟
- أنا قدمت المكان الفلسطيني، بارتكاز على بقعة جغرافية معينة في مدينة بيت لحم، اسمها الدهيشة. وتتبعت من خلال ذلك العصف بالمكان، من خلال توالي سلطات تبدو أنها لا نهاية لها، وفي ظرف زمني ليس طويلا: العثمانيون، والبريطانيون، والمصريون، والأردنيون، والإسرائيليون، الحكم الذاتي المحدود جدا.. إذا وجد من رآها أنها حكايات متفرقة، فمن الجيد أنه وجد رابطا واحدا جمع بينها.

* المهمشون والفقراء

* لطالما ركزت على انحيازك للمهمشين والفقراء في كتاباتك كصحافي، والآن كروائي.. كيف انعكس هذا التوجه في «مجانين بيت لحم»؟
- الرواية انحياز كامل للمهمشين، الذين تنظر إليهم السلطات التي توالت على حكم ناسنا وقهرهم، كخزان للحروب، وقطيع يدر ضرائب. أنا منحاز لهؤلاء، لأنني واحد منهم، الراوية محاولة لتقديم أكثر الفئات تهميشا، وهم نزلاء مشفى الأمراض النفسية في بيت لحم، وهو المشفى الرئيسي لمثل هؤلاء في حدود فلسطين الانتدابية لفترات طويلة من الزمن. هؤلاء ساهموا بطريقتهم في الانتفاضات الفلسطينية، ودفعوا ثمن عسف السلطات والاحتلالات المتعاقبة، ووجدوا أنفسهم في الواقع الجديد بعد اتفاق أوسلو، هدفا للسلطة الجديدة لتشييد أي مبنى حكومي على أرضهم، إضافة إلى حضور دول كبرى مثل روسيا، وألمانيا، أرادت حصتها من وطنهم المعنوي، وفي الوقت ذاته هم لا يستطيعون رفع الصوت، ولم تهرع إليهم الأحزاب أو الفصائل أو مؤسسات حقوق الإنسان، الجميع نظر «للغزو» الذي هدد مكانهم، على أنهم شيء طبيعي.. أيوجد أكثر تهميشا من هؤلاء؟

* إعادة تركيب الرواية

* البعض قال بأنك أعدت تركيب الرواية الفلسطينية في «مجانين بيت لحم»؟
- أنا حاولت، وطمحت لذلك، وهو ما جعلني أؤجل نشر هذه الرواية، كما هو حال بقية أعمالي، لسنوات، وآمل أن أكون قد حققت نجاحا ولو نسبيا.
على جيلنا الأدبي، لكي يكتسب مشروعية، أن يسعى دائما لحلحلة ما هو موجود، والعمل على إعادة التركيب، والتجديد، والمسألة ليست سهلة، ولكنها تشكل تحديا لهذا الجيل.
* هناك من وصفها بأنها رواية فلسطين المواربة؟
- نعم هي كذلك. لقد تناولت الواقع الفلسطيني ضمن فضاءات تاريخية وغرائبية، أردت أن يكون القارئ مشاركا في الدخول إلى فلسطين، ليس من بوابة الجنة المفقودة والمناجاة الشعرية الغنائية، بل بمغافلة الندابين، ومناقضا إرثا أدبيا طويلا، ليدخلها من بوابة مواربة بين الواقع الفج والأسطورة الشعبية.

* ماذا بعد؟

* ماذا بعد «مجانين بيت لحم»؟ وهل من ترجمات للغات أخرى؟
- آمل أن يكون وصول الرواية إلى الجائزة فرصة لنقلها إلى لغات أخرى. أرغب بشدة أن يسمع كل الناس على هذه الكرة صوت المجانين في فلسطين، حيث تغيب، في معظم الأحيان، الخطوط التي يمكن أن يضعها الناس أنفسهم للفصل بين عالمي «المجانين» و«العقلاء».
في فلسطين، نستعين على الاحتلالات التي لا تنتهي بالجنون. ولولا مجانينها ربما ما صمدت قضيتها. ولدت وأعيش في مخيم الدهيشة للاجئين، لأبوين هُجرا من قريتهما ومنزلها. منذ 67 عاما ونحن نحلم بالعودة. أمي عمرها مائة عام، وتتعامل مع الأمور وكأنها ستعود غدا إلى منزلها، وقن الدجاج. أي جنون نحتاجه لتحمل كل ذلك؟



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».