أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

الروائي الفلسطيني صاحب «مجانين بيت لحم» الفائزة بجائزة الشيخ زايد يراها انحيازًا للمهمشين

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
TT

أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز

بروايته «مجانين بيت لحم»، استطاع الفلسطيني أسامة العيسة، تكريس نفسه كاسم له حضوره الخاص، خصوصا بعد فوز الرواية الذي مرّ بـ«مراحل مطوَّلة من الدراسات الموضوعية والدقيقة والمراجعة المستفيضة، من جانب (لجنة الفرز والقراءة)، و(لجان التحكيم)، و(الهيئة العلمية) للجائزة، ومجلس أمنائها، التي تم خلالها فرز الأعمال المشاركة من 31 دولة عربية وأجنبية، ضمن قائمة طويلة وأخرى قصيرة»، كما قال مدير عام الجائزة. «الشرق الأوسط» تحدثت إلى العيسة، وكان لها هذا الحوار:
* نبدأ الحوار بالسؤال التقليدي حول شعورك بفوز رواية «مجانين بيت لحم» بجائزة الشيخ زايد، وما تضيفه للأدب الفلسطيني عموما، والرواية الفلسطينية على وجه الخصوص؟
- الفوز بجائزة بمثل هذه الأهمية، أشعرني بأن في عالمنا العربي وفي أوساطه الثقافية، مَن فهمني وقدر ما أردت إيصاله، من رواية أردتها جديدة كل الجدة في الشكل والمضمون، خصوصا عندما اطلعت على ما نُشر من تقرير لجنة التحكيم، وما علمته من آراء المحكمين في الرواية.
أعتقد أن وصول الرواية، هو أولا مهم بالنسبة لي شخصيا لمواصلة مشروعي الروائي بثقة أكبر. وما فاجأني، كان الاهتمام «الجماهيري» في فلسطين، إن جاز التعبير بفوزي بالجائزة، وهو ما يجعلني أسمح لنفسي، بأن أعتبر الفوز فلسطينيا أيضا.
بالنسبة للأدب الفلسطيني، أنا لدي وجهة نظر، أؤكد أنها شخصية، تتعلق بالحالة التي عاشها هذا الأدب، خاصة في الأراضي المحتلة بعد اتفاق أوسلو، حيث ما حدث ليس تراجعا وحسب، ولكن ما يشبه الغفوة الطويلة، وميل كثير من الأصوات الجديدة–في النماذج التي اطلعت عليها–للذهاب بعيدا في الفردانية التي أسميها «غير إبداعية». صحيح أن بعض الكتاب واصلوا الكتابة، ولكن هؤلاء الذين تركوا بصمة في الماضي، لم يتمكنوا من فعل ذلك في المرحلة الجديدة التي كانت مرحلة جزر ثقافية، على الأقل.
الجوائز العربية التي تتمتع بمقدار من المصداقية، أظنها تمكنت من وضع الأدب الفلسطيني الجديد، على المحطة التي كانت يجب أن يكون عليها هذا الأدب عربيا وربما عالميا، وهو ما رأيناه في تجارب إبراهيم نصر الله، وربعي المدهون، وأنور حامد، وغيرهم ممن وصلت أعمالهم إلى قوائم هذه الجوائز.. أنا أرى وصول روايتي إلى جائزة الشيخ زايد، في هذا الإطار.

* مسؤولية كبيرة

* ماذا تضيف الجائزة لأسامة العيسة الذي نقش اسمه بعمق في عالم الرواية العربية، وقد يصبح كذلك على مستوى عالمي، وقبلهما المحلية بطبيعة الحال؟
- منذ الآن، أشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، من خلال ما غمرني به القراء والأصدقاء وجهات مختلفة، من دفء وحب وفرح. أنا أكتب بانتظام منذ سنوات، كل نشاطاتي الحياتية الأخرى، مسخّرة لخدمة الكتابة، سأواصل على هذا النهج. أزعم بأن لدي مشروعي الروائي، ومن الجيد أن هناك من يقدره، ولكنني سأكون أكثر حرصا عند دفع أي عمل جديد للنشر.

* شركاء في الجائزة

* هل توقعت وصول روايتك إلى الجائزة، في مواجهة روائي مصري عريق كإبراهيم عبد المجيد، وغسان زقطان الشاعر الفلسطيني الذي بات الأبرز محليا وعربيا وعالميا؟
- عندما ظهرت روايتي في القائمة الطويلة بين أسماء عربية بارزة، تتلمذ جيلي أدبيا على نتاج بعضها، شعرت بأني أسير في الطريق الصحيح إبداعيا. وعندما فوجئت بالرواية في القائمة القصيرة، سعدت بالروائي إبراهيم عبد المجيد الذي قرأت معظم أعماله وأعجبتني، والصديق الشاعر غسان زقطان الذي يراكم تجارب ويواصل مشواره الإبداعي بثقة. وكان ذلك كافيا لأن أشعر بالفوز، بغض النظر إذا ما كانت الرواية ستحتل المرتبة الأولى. أعتقد أننا جميعا فزنا. نحن شركاء في الجائزة، ولسنا متنافسين.

* آراء ونقد في الرواية

* هناك من يقول إن فوز روايتك كان لفكرتها، وإنها لا تندرج في إطار الرواية إلا في القسم الأخير منها، سفر مشمشي.. ما تعليقك؟
- أنا احترم كل الآراء بخصوص روايتي وسعيد بها، وأشعر دائما بضرورة ترسيخ المناخ الليبرالي في مجتمعاتنا. منذ أن خرجت الرواية من المطبعة لم تعد لي، بل للقراء والنقاد، ولذلك من حق كل منهم أن يكوّن رأيه فيها، وأعتقد أنه بمثل هذه الآراء يمكن إثراء المشهد الأدبي، وليس بسماع الصوت الواحد والرأي الواحد، وأحيانا يحلو للواحد منّا أن يسمع صوته فقط.
* هناك من عاب على الرواية وقوعها في فخ الصحافة والتاريخ على حساب الرواية؟
- في كتابة هذه الرواية، استفدت من أساليب فنية مختلفة، منها البحث التاريخي، والتحقيق الصحافي الاستقصائي. وكان ذلك مقصودا، بل أنا فخور بذلك. لم يكن التعامل مع الأمر سهلا. أعتقد بأن ذلك لم يغنِ الرواية وحسب، ولكنه كان تطبيقا عمليا لما أُريده من هذا الفن العظيم والمبهر الذي أسميه رواية. ولكي أثبت أن لا شكل ثابتا لهذا الفن، بل إن تقوقعه في شكل محدد هو ما يضر به. أنا أكتب رواية بطريقة جديدة. هذا المهم، ولن أكرر كتابة «الرواية» مرتين، بمعنى أنني في كل عمل، أخوض مغامرة محسوبة ومتعبة في الشكل والمضمون، والمسألة ليست سهلة. أنا لن أكتب رواية قائمة على اجترار ذكريات، أو شذرات سيرية، أو تهويمات سياسية وفكرية وآيديولوجية، أنا أكتب رواية عربية جديدة وحداثية، تنهل من مواعين كثيرة.
* كتب أحدهم يقول: «أصر كاتب هذا الكتاب، تصنيفه تحت بند الأعمال الروائية، مع أنه لا يمتّ لها بصِلة. والعجيب أنه لم يكلّف نفسه عناء اصطناع أي شيء يجعل هذا عملا روئيًّا».. ما رأيك فيما قيل؟
- أحترم هذا الرأي، ربما استند صاحبه على حيثيات معينة جعلته يستنتج هذا الاستنتاج.

* قصص متفرقة

* كاتب هذا العمل صحافي وباحث في التراث. في هذا العمل يقدّم بحثا وتحقيقات صحافيّة سيرية اجتماعية، ومذكرات متفرقة حول مدينة بيت لحم ومخيّم الدهيشة، مسقط رأسه، وعن البلدة وناسها، ما سمعه عنها وما قرأه.. قصص متفرفة لأناس لا يجمعهم رابط سوى مدينة بيت لحم، بعضها يعود لما قبل قرنين من الزمن، وأكثرها يتركّز حول فترة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 وما تلاها.. هل توافق على هذا التحليل؟
- أنا قدمت المكان الفلسطيني، بارتكاز على بقعة جغرافية معينة في مدينة بيت لحم، اسمها الدهيشة. وتتبعت من خلال ذلك العصف بالمكان، من خلال توالي سلطات تبدو أنها لا نهاية لها، وفي ظرف زمني ليس طويلا: العثمانيون، والبريطانيون، والمصريون، والأردنيون، والإسرائيليون، الحكم الذاتي المحدود جدا.. إذا وجد من رآها أنها حكايات متفرقة، فمن الجيد أنه وجد رابطا واحدا جمع بينها.

* المهمشون والفقراء

* لطالما ركزت على انحيازك للمهمشين والفقراء في كتاباتك كصحافي، والآن كروائي.. كيف انعكس هذا التوجه في «مجانين بيت لحم»؟
- الرواية انحياز كامل للمهمشين، الذين تنظر إليهم السلطات التي توالت على حكم ناسنا وقهرهم، كخزان للحروب، وقطيع يدر ضرائب. أنا منحاز لهؤلاء، لأنني واحد منهم، الراوية محاولة لتقديم أكثر الفئات تهميشا، وهم نزلاء مشفى الأمراض النفسية في بيت لحم، وهو المشفى الرئيسي لمثل هؤلاء في حدود فلسطين الانتدابية لفترات طويلة من الزمن. هؤلاء ساهموا بطريقتهم في الانتفاضات الفلسطينية، ودفعوا ثمن عسف السلطات والاحتلالات المتعاقبة، ووجدوا أنفسهم في الواقع الجديد بعد اتفاق أوسلو، هدفا للسلطة الجديدة لتشييد أي مبنى حكومي على أرضهم، إضافة إلى حضور دول كبرى مثل روسيا، وألمانيا، أرادت حصتها من وطنهم المعنوي، وفي الوقت ذاته هم لا يستطيعون رفع الصوت، ولم تهرع إليهم الأحزاب أو الفصائل أو مؤسسات حقوق الإنسان، الجميع نظر «للغزو» الذي هدد مكانهم، على أنهم شيء طبيعي.. أيوجد أكثر تهميشا من هؤلاء؟

* إعادة تركيب الرواية

* البعض قال بأنك أعدت تركيب الرواية الفلسطينية في «مجانين بيت لحم»؟
- أنا حاولت، وطمحت لذلك، وهو ما جعلني أؤجل نشر هذه الرواية، كما هو حال بقية أعمالي، لسنوات، وآمل أن أكون قد حققت نجاحا ولو نسبيا.
على جيلنا الأدبي، لكي يكتسب مشروعية، أن يسعى دائما لحلحلة ما هو موجود، والعمل على إعادة التركيب، والتجديد، والمسألة ليست سهلة، ولكنها تشكل تحديا لهذا الجيل.
* هناك من وصفها بأنها رواية فلسطين المواربة؟
- نعم هي كذلك. لقد تناولت الواقع الفلسطيني ضمن فضاءات تاريخية وغرائبية، أردت أن يكون القارئ مشاركا في الدخول إلى فلسطين، ليس من بوابة الجنة المفقودة والمناجاة الشعرية الغنائية، بل بمغافلة الندابين، ومناقضا إرثا أدبيا طويلا، ليدخلها من بوابة مواربة بين الواقع الفج والأسطورة الشعبية.

* ماذا بعد؟

* ماذا بعد «مجانين بيت لحم»؟ وهل من ترجمات للغات أخرى؟
- آمل أن يكون وصول الرواية إلى الجائزة فرصة لنقلها إلى لغات أخرى. أرغب بشدة أن يسمع كل الناس على هذه الكرة صوت المجانين في فلسطين، حيث تغيب، في معظم الأحيان، الخطوط التي يمكن أن يضعها الناس أنفسهم للفصل بين عالمي «المجانين» و«العقلاء».
في فلسطين، نستعين على الاحتلالات التي لا تنتهي بالجنون. ولولا مجانينها ربما ما صمدت قضيتها. ولدت وأعيش في مخيم الدهيشة للاجئين، لأبوين هُجرا من قريتهما ومنزلها. منذ 67 عاما ونحن نحلم بالعودة. أمي عمرها مائة عام، وتتعامل مع الأمور وكأنها ستعود غدا إلى منزلها، وقن الدجاج. أي جنون نحتاجه لتحمل كل ذلك؟



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.