مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الوضع في ليبيا ونهر النيل والإرهاب.. أزمات دفعت القاهرة للتوجه جنوبًا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
TT

مصر تكرس عودتها القوية لأفريقيا بلقاء قمة مع «آخر معارضي ثورة 30 يونيو»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدى استقباله نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة أمس (إ.ب.أ)

أدارت مصر مؤخرا بوصلتها الدبلوماسية جنوبا إلى القارة الأفريقية، التي تنتمي إليها جغرافيا، وتسبب تجاهلها لها في السنوات الماضية في أزمات كبيرة أثرت عليها بشكل مباشر في قضايا تتعلق بالوضع الأمني والاقتصادي، إضافة لتهديد مباشر لحصتها من مياه نهر النيل، الذي تتشارك فيه مع 10 دولة أفريقية أخرى. وأمس التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الجنوب الأفريقي جاكوب زوما في القاهرة، تكريسا للنشاط الأفريقي البارز للرئيس السيسي، الذي بات أمرا لافتا منذ توليه الحكم في يونيو (حزيران) العام الماضي.
وتعد زيارة زوما تغيرا نوعيا هاما بالنسبة للعلاقات الخارجية لمصر في مرحلة ما بعد ثورة «30 يونيو»، التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت جنوب أفريقيا آخر دول القارة التي أقرت بشرعية النظام الحالي، وتسببت معارضتها السابقة في تجميد عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي لنحو عام. وجمد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي عضوية مصر وعلق مشاركتها في جميع أنشطة الاتحاد في يوليو (تموز) 2013 لحين استعادة النظام الدستوري، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، قبل أن تستأنف العضوية في يونيو 2014 بعد إجراء مصر لانتخابات رئاسية شارك الاتحاد في الإشراف عليها.
وقالت السفيرة منى عمر مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن السياسية الخارجية المصرية التي يتبناها السيسي، انتقلت حاليا من مرحلة البحث عن شرعية ثورة 30 يونيو ونظامها الحالي، إلى مرحلة توطيد العلاقات، خاصة مع الدول الأفريقية، مشيرة إلى أن السيسي لديه نظرة شمولية لمفهوم لأمن القومي المصري الذي يمتد لجنوب القارة.
وخلال لقائه زوما أمس عرض السيسي مجمل الأوضاع التي شهدتها مصر وتطوراتها على مدار العامين الماضيين وثورة 30 يونيو، مؤكدا أنها «جاءت انعكاسا لإرادة المصريين الحرة ورغبتهم في الحفاظ على هويتهم وتحقيق آمالهم وطموحاتهم». وقال السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن «اللقاء تناول أيضا تطورات المنطقة وانتشار الفكر المتطرف والإرهاب، وما لهما من تداعيات مدمرة على الدول ومستقبل الشعوب». من جانبه، أعرب زوما عن تقديره للحوار مع السيسي وما أتاحه من إيضاحٍ إضافي مهم لحقيقة تطورات الأوضاع في مصر، فضلا عما تمر به المنطقة والقارة الأفريقية من تحديات يفرضها التطرف والإرهاب، ووصف اللقاء بـ«الصفحة الجديدة» في العلاقات بين البلدين، كما وجه دعوة للسيسي لزيارة جنوب أفريقيا وحضور القمة الأفريقية المقبلة، وهو الأمر الذي رحب به الرئيس، ووجه بدوره دعوة للرئيس الجنوب أفريقي لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة.
وتعد جنوب أفريقيا قوة مؤثرة في المنطقة، وواحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارا في القارة، حيث تحتل المركز السادس والعشرين في قائمة الدول ذات الاقتصاد المتقدم في العالم، وبحسب صندوق النقد الدولي فإن اقتصادها هو ثاني أقوى اقتصاد في القارة الأفريقية، ويتميز بالتنوع وبالاستثمارات الهائلة.
وقالت السفيرة عمر إن أفريقيا هي الباب الجنوبي للأمن القومي المصري، خاصة إذا علمنا أن الكثير من الحركات الإرهابية التي تنشط في مصر حاليا لها أصول أفريقية، وأن كثير من الحركات الإرهابية في أفريقيا على اتصال بالحركات الموجودة في مصر، إضافة إلى تجارة تهريب البشر والسلاح والمخدرات، التي تعد كلها وافدة من أفريقيا وتؤثر بشكل مباشر على أمن مصر.
وأضافت مساعدة وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، أن الوضع في ليبيا أيضا يشكل خطرا كبيرا على الأمن المصري، وحل ذلك لن يتم إلا عبر التنسيق مع الدول الأفريقية المجاورة، وأبرزها مالي وتشاد والسودان، وبالطبع دول المغرب العربي، مع ضرورة عدم تجاهل ما يحدث في جنوب السودان من نزاعات.
وتابعت: «هناك أيضا أمن غذائي واقتصادي، حيث تشكل أفريقيا سوقا كبيرة للاستثمارات المصرية، مع وجود أهمية سياسية، فالقارة تحتوي على 53 دولة يشكلون قوة كبيرة يعتد بها ودعما لمصر في المحافل الدولية، إذا ما قررت القاهرة أن تعمل وتنسق مواقفها معهم».
وسعت مصر إلى تأكيد عودتها القوية لقارة أفريقيا، عبر مشاركتها عالية المستوى في جميع الفعاليات والقمم التي جرت مؤخرا، بعد تجاهل دام عدة سنوات عاشت فيها البلاد حالة من الاضطرابات السياسية والأمنية. وقالت مساعدة وزير الخارجية الأسبق إن «تمثيل مصر العالي في كل الفاعليات، وآخرها قمة الكوميسا في أديس أبابا عبر رئيس الوزراء وغيرها، أزال انطباعا سيئا لدى الأفارقة عن مصر.. حيث كان يفسر غيابها بأنه تعال وتجاهل».
وقام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارات إلى عدة دول أفريقية منذ توليه لحكم، منها الجزائر والسودان وغينيا، وآخرها زيارته التي وصفت بـ«التاريخية» إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي ألقى خلالها خطابا في البرلمان الإثيوبي تناول سبل الحل الودي للأزمة بين البلدين والمتعلقة بسد النهضة، الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل وتقول مصر إنه يهدد حصتها من مصدرها الوحيد في المياه بنحو 10 في المائة.
وجاءت زيارة أديس أبابا عقب توقيع زعماء مصر والسودان وإثيوبيا قبل أسابيع وثيقة اتفاق مبادئ بشأن سد النهضة، تشمل مبادئ تحكم التعاون بين الدول الثلاث للاستفادة من مياه النيل الشرقي وسد النهضة الإثيوبي، وعدم الإضرار بأي دولة.
كما رأس رئيس الوزراء إبراهيم محلب الأسبوع الماضي وفد بلاده في قمة الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا)، في أديس أبابا، بمشاركة 19 دولة أفريقية، وقال محلب على هامش القمة إن «ما نشهده حاليا من حرص جميع الدول الأفريقية على الالتقاء بالمسؤولين المصريين يؤكد أن مصر استعادت دورها في المقدمة بالقارة السمراء»، واصفا استعادة بلاده لنشاطها في أفريقيا بأنها «انتقلت من مرحلة الخمول إلى الفاعلية في المؤسسات الأفريقية المختلفة». وأوضح محلب أن الحكومة تدعم القطاع الخاص للاستثمار في أفريقيا، خاصة مع وجود فرص استثمارية كبيرة في القارة، منوها بأن هناك مناخا سياسيا واقتصاديا يساعد على المضي قدما نحو الاستثمار في أفريقيا ووجود اتفاقيات ثنائية لتسهيل مناخ الاستثمار المشترك. وفسرت السفيرة عمر التوجه المصري الجديد بأن «مصر أدركت أن الأسلوب الودي والدبلوماسي الذي تتبعه مصر في سياستها حاليا، خاصة مع إثيوبيا في نزاعها على نهر النيل، لا بديل عنه وهو السبيل الوحيدة للحصول على المكاسب وتجنب نزاعات هي في غنى عنها حاليا».
وأشارت إلى أن «مصر حاليا تعمل على بناء الثقة المفقودة في أفريقيا، حيث تراجعت مصداقيتها سابقا مع تراكم الوعود التي لم يتم تنفيذها، لكن هذه المرة مصر تعمل وفق توجه جديد لكسب هذه المصداقية». وتابعت: «الوجود في المؤتمرات على مستوى تمثيل عال أعطى إشارة على اهتمام مصر بدول أفريقيا وهو ما كنا نحتاج إليه، علما بأن العامل النفسي مهم في علاقتنا الأفريقية، فكثير من الدول كانت تفسر غياب مصر في الماضي على أنه إشارة على التجاهل وعدم اهتمام وتعال». وتأمل مصر أن يحقق تعاونها مع دول القارة مزيدا من التنمية الاقتصادية لديها، إذ تسعى لجلب الاستثمارات. وتعتزم مصر استضافة قمة التكتلات الاقتصادية الثلاثة في أفريقيا (الكوميسا - تجمع شرق أفريقيا - السادك) في مدينة شرم الشيخ في 10 يونيو 2015، لإعلان اندماج التكتلات الاقتصادية الثلاثة لتكون خطوة مهمة نحو إنشاء منطقة التجارة الأفريقية الحرة.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.