في عالم التصميم.. الموهبة مهمة لكن صقلها بالدراسة أهم

صناع الموضة يتسلحون بالعلم أولا وأخيرا

من تصاميم إيلي صعب و من تصاميم إيلي صعب و العارضة إيدي كامبل تدرس تاريخ الفن في جامعة لندن
من تصاميم إيلي صعب و من تصاميم إيلي صعب و العارضة إيدي كامبل تدرس تاريخ الفن في جامعة لندن
TT

في عالم التصميم.. الموهبة مهمة لكن صقلها بالدراسة أهم

من تصاميم إيلي صعب و من تصاميم إيلي صعب و العارضة إيدي كامبل تدرس تاريخ الفن في جامعة لندن
من تصاميم إيلي صعب و من تصاميم إيلي صعب و العارضة إيدي كامبل تدرس تاريخ الفن في جامعة لندن

لو سألت أغلبية الناس، من جيل الأجداد تحديدا، عن أي شيء يتعلق بالموضة، ومن يمتهنها، سيكون رده مفاجئا وصادما: «من لا مهنة له، أو على الأصح من لم يتمكن من إكمال تعليمه». فهذا المجال بكل فروعه، من الحلاقة إلى خياطة الأزياء ووضع الماكياج، لم يكن يحتاج في البلدان الشرقية، وحتى عهد قريب، إلى شهادة أو دبلوم لممارستها، كما لم يكن يحتاج إلى وساطات بقدر ما يحتاج إلى قابلية للتعلم والقليل من الخبرة، وحتى هذه يمكن تعلمها خلال بضع أشهر بالممارسة.
هذا على الأقل ما كان البعض يعتقده، وما يمكن القول إن العمل به كان ساريا في بعض الأوساط الاجتماعية، وعلى رأسها المناطق الشعبية. منذ قرابة عقدين بدأت النظرة تتغير، وبدأت هذه المجالات الإبداعية تؤخذ بشكل جدي، مما شجع على افتتاح مدارس ومعاهد للتخصص فيها، شهدت إقبالا متزايدا من قبل شباب يتطلع إلى أن يحقق النجاح أو يحلق إلى العالمية بالموهبة والدراسة في الوقت ذاته. ما أدركه هؤلاء، والجيل التالي من الآباء، أن هذه المجالات يمكن أن تغني من جوع، في حال تمتع صاحبها بالموهبة وتفانى فيها، بدليل أن أسماء كثيرة بزغت وأصبحت لها سمعة طيبة فيها، مثل إيلي صعب، من دون حصر أسماء المصممين الغربيين، بحكم أن تاريخهم في هذا المجال أطول.
فقد عرف الغرب، منذ أكثر من قرن، أن أي مهنة تتعلق بالموضة، من عرض الأزياء إلى تصفيف الشعر ووضع الماكياج وغيرها، تتطلب ثقافة معينة وشخصية منفتحة على العالم حتى تستطيع أن تغرف من كل التأثيرات. وإذا كانت هذه الشخصية تتمتع بإحساس فني فطري، وتستطيع أن تلتقط التغيرات المحيطة بها وترجمتها، فهذا هو المنى، لأنها في هذه الحالة تحول الموضة إلى كتاب يوفر قراءة اجتماعية واقتصادية وحضارية للمجتمعات التي يعيشون فيها. ما لا يختلف عليه اثنان أن العديد من المصممين الكبار توجهوا إلى مجال الموضة من باب حبهم له، عازفين عن ممارسة وظائف أخرى، قد تكون مضمونة لكنها لا تشبع ذاتهم أو تنفس عن طاقاتهم الإبداعية، بينما توجه إليها البعض الآخر لحسهم التجاري مثل كوكو شانيل، أو لأن الظروف العائلية حتمت عليهم ذلك مثل ميوتشا برادا، التي ورثت الشركة عن أجدادها من دون أن ينتقص كل هذا لا من شانيل أو برادا، بل العكس، فقد برهنتا على قدرة فنية وتجارية تحسدان عليها.
وهذا يعني أن عدم الحصول على شهادة عالية لا يعني نهاية المطاف أو عدم القدرة على الإبداع، فهناك مصممون تعلموا من الخبرة، وحققوا النجاح بفضل الموهبة أولا، والتفاني والقدرة على التفاعل مع عصرهم ثانيا، وليس أدل على هذا من إيلي صعب. ففي بداية الثمانينات عندما قدم أول عرض أزياء رسمي له، لم تكن ظروف لبنان تسمح له بالدراسة والتخصص، كما يقول. كان عليه أن يعول على قدراته وموهبته لشد الاهتمام. لا يختلف اثنان على أنه أصبح ملهما للعديد من شباب العالم، بأسلوبه وعصاميته. ورغم ذلك يقدر إيلي صعب الدراسة ويشجع عليها، لأنها كما يقول مهمة في هذا العصر وجزء لا يتجزأ من الموهبة. إيلي صعب ذهب إلى أبعد من هذا بدعمه القوي للجامعة الأميركية اللبنانية (LAU) التي افتتحت قسما خاصا بتصميم الأزياء، وكل ما يتعلق بالموضة من قريب أو بعيد، بمعايير عالمية تغني من يريد التخصص في هذا المجال عن السفر إلى الخارج.
ما يعرفه إيلي صعب وأي متابع للموضة أن إيقاع الحياة أثر على اهتمامات الناس وميولهم وتطلعاتهم، وهو ما تعكسه تغيرات الموضة. فما كان يتم التعامل معه على أنه من الكماليات أصبح من الأساسيات في عصر يحتفل بالشكل والمظهر، ويعتبره عنصرا من عناصر النجاح في الحياة المهنية والشخصية على حد سواء. الآن لم تعد الموضة مهنة من لا مهنة له أو من لم يحقق مجموعا كافيا يؤهله لدخول الجامعات، بل هي صناعة تقدر بالمليارات في الغرب، وتوازي من حيث قيمتها صناعة السيارات في بريطانيا، مثلا. كل هذا يجعلها قطاعا اقتصاديا مهما لم يعد بالإمكان تجاهله أو تهميشه، وبالتالي يتطلب الاهتمام بالعاملين به وتثقيفهم للارتقاء به. فالموهبة تنفع صاحبها وتساعده على فرض نفسه في البداية، لكنها لا تلغي ضرورة صقلها بالعلم، أيا كان التخصص للاستمرار.
تقول زووي دراكيولي، وهي خبيرة أزياء وصاحبة شركة للعلاقات العامة، إن ما يعطي الانطباع الخاطئ عن العاملين في هذا المجال، تلك الصورة التي يعكسها بعضهم. صورة قد تكون سريالية وفانتازية في الظاهر، مع أنها في الواقع مجرد لعبة أقنعة، يحاول المصمم من خلالها «خلق صورة معينة في المخيلة وإقناع الناس بها لبيع اسمه ومن ثم منتجاته». وتشير إلى أن هذه الصورة مختلفة عندما لا تكون هناك كاميرات، فهي أكثر جدية لأن أغلب هؤلاء باتوا يعرفون أن المنافسة أصبحت أكثر شراسة، وأن البقاء لم يعد ممكنا سوى للأقوى. والقوي هنا هو الذي يتسلح بالثقافة والعلم، لأنهما يساعدانه على تلميع هذه الصورة من جهة، والتحضير للمستقبل من جهة ثانية في حال تغيرت الأوضاع في عالم يقوم أساسا على التغيير، ولا يرحم من يصيبه الوهن والضعف. هذا أمر طال العديد من العارضات أيضا من اللواتي اكتشفن أن أي شهادة علمية ضرورية لأنها تسندهن في المستقبل وتفتح لهن الأبواب لدخول مجالات أخرى، سواء كانت تجارية أو إبداعية، عندما تنتهي مدة صلاحيتهن فوق منصات العروض.
ونظرة سريعة إلى عالم الموضة في الغرب تشير إلى أن معظم المصممين، بمن فيهم مصممو الجيل السابق، لم يدخلوا المهنة من باب قلة الحيلة، إذ إن بعضهم إما ينحدرون من عائلات كبيرة، أو حصلوا على شهادات عالية، مثل ميوتشا برادا، ودايان فورتنسبورغ، وغيرهما، من الذين لم يكن أحد يتوقع منهم أكثر من الموهبة وحب المهنة، إلا أن خلفيتهم الثقافية ساعدتهم على ترسيخ أسمائهم أكثر. فهذه الثقافة تعكس، بشكل أو بآخر، فلسفتهم في التصميم، ومن ثم كيفية تعاملهم مع الأزياء كثقافة وفن وتجارة وليس كمجرد رغبة في مهنة تسلط عليها الأضواء، أو كما يتهيأ للبعض، طريق سريع لتحقيق الشهرة والمال ليتفاجأوا بأنها محفوفة بالصعاب كأي مهنة أخرى وربما أكثر، لأن قانون الغاب، أو البقاء للأقوى، هو الغالب فيها.
الطريف أن نظرة إلى تخصصات العديد من المصممين والعاملين في عالم الأزياء، تشير إلى أنها تخصصات ليست لها علاقة مباشرة بالموضة، إلا في حالات نادرة. فدايان فورتنسبورغ مثلا درست الاقتصاد في جنيف، وميوتشا برادا العلوم السياسية في جامعة ميلانو، وحصلت منها على شهادة الدكتوراه في عام 1970. المصممة اليوغوسلافية روكساندا إلينشيك درست الهندسة المعمارية والفنون التطبيقية في بلغراد، قبل أن تنتقل إلى لندن في عام 1999 لدراسة الموضة في معهد سنترال سان مارتن. توم فورد وماريا كاترانزو أيضا درسا الهندسة المعمارية، واعترفت هذه الأخيرة بأن ما دفعها للانخراط في هذا التخصص كان أنها سمعت أنه الأصعب ولا يتم قبول أي كان، فيه. كان هذا قبل أن تتوجه إلى لندن لدراسة التصميم في معهد سنترال سان مارتن وتتألق فيه. أما بالنسبة للعارضات، فنذكر إيما واتسون، وهي أيضا ممثلة ناجحة تخرجت مؤخرا في جامعة براون قسم الأدب الإنجليزي، والعارضة لورا بايلي التي درست وتعمقت في دهاليز اللغة الإنجليزية. أما العارضة البريطانية إيدي كامبل (23 عاما) التي تظهر في عروض مهمة مثل فالنتينو، شانيل، وسان لوران، فلا تزال تحاول الموازنة بين عروض الأزياء وبين دراستها لتاريخ الفن بجامعة لندن، وكأنها تقتدي بالعارضة ليلي كول التي تخرجت في جامعة كمبردج بشرف في التخصص نفسه.
في المقابل كانت العارضة أنوك ليبير تدرس الهندسة المعمارية في أنتويرب البلجيكية، قبل أن يقنعها كل من المصممين دريز فان نوتن وأوليفييه ثيسكينز بدخول مجال عرض الأزياء. وإذا كانت الدراسة سلاحا للمستقبل بالنسبة لبعض العارضات، فإنها، بالنسبة للعارضة السلوفاكية كينغا رازاق، التي تدرس حاليا العلوم الاجتماعية والسياسية بلندن «وسيلة أخرى للتنفيس عن طاقاتها الدفينة». فمهما اختلفت الأسباب والتخصصات تبقى الدراسة قاسما مشتركا بين معظم العاملين في صناعة الموضة.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.