امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

لجأ المؤلف إلى تقنية الأحلام والكوابيس والاستعادات الذهنية

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص
TT

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

نادرا ما تنجو الرواية العراقية من سطوة السياسة على أجوائها وفضاءاتها السردية، وربما تذهب أبعد من ذلك حينما تكون لسان حال شخصيتها الرئيسية التي تُخبِّئ خلفها، في الأعم الأغلب، صوت الكاتب الذي ينطوي على جوانب متعددة من رؤاه الفنية والفكرية والثقافية. ورواية «امرأة الحلم» لحمّودي عبد محسن لا تخرج عن هذا الإطار «المُسيّس» إن صحَّ التعبير، فهي رواية سياسية بامتياز لكنها لا تهمل مناحي الحياة العاطفية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على حدٍّ سواء.
تتمحور هذه الرواية برُمتها على شخصية المعلّم المتقاعد رياض رسول لكننا لم نتحسس أبعاد هذه المهنة العظيمة على مدار النص الروائي حتى ولو في استعادة ذهنية واحدة، إذ سارع الكاتب إلى تقديمه كمناضل شيوعي مخضرم قارعَ السلطة الاستبدادية من أجل تحقيق شعارٍ سياسي مقدّس يتمثل في «وطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد» لكن هذا الوطن ظلَّ مكبّلا ومحتلا منذ سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 حتى ثورة 14 يوليو (تموز) التي فجّرها عبد الكريم قاسم عام 1958 ثم تناهبتها الأنظمة العسكرية المتخلفة والأحزاب القومية والدينية المتطرفة حتى يومنا هذا.
وتمهيدا لتقديم هذه الشخصية التي تتنازعها السياسة والثقافة في آنٍ معا نرى رياض رسول في الفصل الأول من الرواية وهو عائد من ساحة الفردوس يرفع علما أحمرَ تطرزه مطرقة ومنجل بعد مشاركته في تظاهرة احتفالية بالذكرى الثانية والخمسين لثورة 14 تموز 1958. وعلى الرغم من أنه يرى صبيا مُعدما يبيع قناني الماء للمتظاهرين فإنه لا يزال مُستغرقا في الحلم الاشتراكي الذي تنتهي فيه السلطة، ويدير المجتمع نفسه بنفسه، ويكون كل حسب حاجته وقدرته!
وبما أن السجون والمعتقلات هي قدر السياسيين والمثقفين العراقيين المناوئين للسلطة أو المعارضين لها فإن رياض رسول هو سجين سياسي بالضرورة، فقد سُجن في العهد الملكي، وتعرض للتعذيب بسبب أفكاره التقدمية، وسوف يتعرض للضرب على أيدي شرطة المالكي في واحدة من المظاهرات الاحتجاجية في ساحة التحرير. فهذه الرواية لا تخرج عن ثنائية الضحية والجلاد، وأدب السجون والمعتقلات، فلا غرابة أن نراه أحد الصامدين الذين لم ينكسروا أمام وحشية الجلاد في مختلف السجون العراقية في بغداد وبعقوبة ونقرة السلمان التي أسسها العثمانيون كنقطة حراسة في بادية السماوة لكنها تحولت إلى منفى للشيوعيين ومعارضي النظام الملكي وما تبعته من أنظمة شمولية مستبدة.
تتمحور الرواية، على الرغم من عمقها التاريخي البعيد الذي يمتد إلى سومر وأكد وملحمة جلجامش، على السنوات التي أعقبت احتلال بغداد عام 2003 لكي يقدّم لنا صورة مؤسية عن الحكومات الفاشلة التي طُبعت بطابع النهب العلني، والسرقة المنظمة من قبل اللصوص الجدد الذين سطوا على مئات المليارات من الدولارات وحولوها إلى أرصدتهم الشخصية من دون أن يرف لهم جفن أو ترتعد لهم فريصة.
اختار الروائي حمودي عبد محسن منطقة البتّاويين في قلب بغداد كبؤرة مركزية تدور فيها أحداث الرواية. واستطاع من خلال تقنية الأحلام، والكوابيس، والاستعادات الذهنية، وقراءة المخطوطات، والخُطب الملكية وما إلى ذلك أن يأخذنا إلى دلمون واليمن السعيد وبغداد التي سلّمها المستعصم بالله للجنود المغول الذين أشبعوه رفسا حتى فارق الحياة من دون أن تُراق منه قطرة دمٍ واحدة كما اشترط هولاكو!
ثمة أحداث فرعية تُسهم في تعزيز البنية الروائية وتعمّق أنساقها السردية الحقيقية والحُلمية في آنٍ معا مثل الحملة التي تشنّها القوى الأمنية ضد الكلاب السائبة بدلا عن الإرهاب المستشري في مختلف أرجاء العاصمة وما يترتب عليها من تداعيات مؤثرة على نفسية الأطفال على وجه الخصوص. ثم ينعطف بنا الروائي إلى العالم الذي يتداخل فيه الحُلم بالحقيقة. فمقهى الحجي الذي تحوّل في لحظة من الزمن المعاصر إلى مجمّع «العراقي الأصيل» وتحدث فيه عن تموز، ثم أخرج حمورابي مجموعة أوراق من جيبه وبدأ يقرأ ما كتبه ابنه سنحاريب في سجون الظلم ودهاليز الاستبداد حيث يقتاده الجلاوزة إثر وشاية كاذبة من مخبر سرّي إلى محاجر السود ومنها إلى وحدة الجرائم الكبرى كي ينال قسطا من التعذيب، والصعق الكهربائي، والحرمان من متطلبات الحياة اليومية. لعل أبرز ما في هذه الأحداث الفرعية هو العثور على طفل رضيع في قُمامة الحي يُطلق عليه رياض اسم «وليد العراق»، وحينما تتعهّد «أم خولة» بتربيته ورعايته أسوة بأولادها يوافق رياض أن يمنحه لها شرط أن تسمّيه «تموز».
ينوء رياض بثقل الماضي العراقي، ويسترجع العديد من أحداثه المؤسية وربما يكون احتلال هولاكو لبغداد هو الحدث الأبرز الذي تتداعى تفاصيله وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا فانتازيا، فالخليفة المستعصم بالله كان سادرا في غيّه ومجونه حتى أن سهما من سهام العدو قد أصاب جاريته «عرفة» دون أن يكلّف نفسه عناء الدفاع عن محظياته في الأقل. ثم تتوالى سلسلة الاحتلالات من تيمورلنك إلى السلطان أحمد، ومن دولة الخروف الأبيض إلى الخروف الأسود، ومنها إلى إسماعيل الصفوي الذي ترك أثرا سيئا في نفوس العراقيين. ولكي يتخلص رياض من هذه المتاعب الذهنية قرر أن يمارس عزلته المشدّدة مكتفيا بقراءة الكتب والمراجع التاريخية التي تكتظ بها مكتبته المنزلية.
يعود رياض إلى عام 1978 حينما اختطف أزلام الديكتاتور زوجته وحشروها في سجن مظلم حيث تعرضت فيه إلى مختلف أشكال التعذيب قبل أن تفارق الحياة، وقرر ألا يتزوج بعدها على الإطلاق لأنها تمثل بالنسبة إليه الجمال والكمال والرُقي ولذلك سماها «امرأة الحُلم» وكتب لها ست رسائل مليئة بالحُب واللوعة والاشتياق. ثم يستغرق السارد في الحديث عن الملك السومري زيوسدرا الذي أنقذ الجنس البشري من الطوفان، كما يعرِّج في الحديث عن جلجامش الباحث عن الخلود له ولشعبه.
يشكِّل الفصل الخامس منعطفا أساسيا في الرواية حينما ينتبه رياض إلى المطعم الذي يشوي صاحبه العصافير والزرازير والحمام الفاخت، وتهتز مشاعره كثيرا حينما يشاهد كيسا مكتظا بالطيور حيث يُطلقها في الهواء ويرقص رقصة التمرد في منتصف الشارع التي تُوحي للآخرين أنه قد أُصيب بمسٍ من الجنون وحينما يستنفد قواه يُغمى عليه فيأخذنا خلال إغماءته معه إلى اليمن السعيد ليقتل الذئب الإنسان ثم يموت ويُدفن في موضع «حُب الغريب»، وحينما يستفيق يجد نفسه في بيت أم محمد في حي البتاويين حيث تراوده بائعة هوى عن نفسه لكنه يخرج من البيت مستاءً مشوّش الذهن.
لا تقدّم الفصول الثلاثة التالية سوى معلومات مبتسرة عن الفيضان الذي اجتاح بغداد وأخذ رياض يطوف مثل سفينة نوح، كما حلُم بذي القرنين الذي مزّق حُليّهُ، ونزع تاج عرشه في مقاربة واضحة لما قام به رياض في رقصة التمرد التي مزّق فيها ثيابه أيضا. وبحث أيضا عن امرأة الحلم التي زارته في اليمن وكسرت جدران عزلته، ثم تلاشت وكأنها صعدت إلى السماء ولم يبقَ منها سوى بقع الدم ورموز الإخصاب على الملاءات البيض.
الفصل التاسع قد يكون من أهم فصول الرواية التي تتكثّف زبدتها في جمعات الغضب، والكرامة، والقصاص ومحاكمة المالكي، وارحل قبل فوات الأوان وشعاراتها التي توزعت على 3 محاور وهي: «إيران برّة برّة بغداد تبقى حرّة» و«يا أميركي اسمع زين، اطلع من بلد النهرين» والشعار الثالث الذي يمس اللصوص الجدد «نفط الشعب للشعب مو للحرامية». ثم يصعّد رياض موقفه حينما يطالب بإسقاط النظام فتتعرض المظاهرة برمتها إلى الاعتداء من قبل أزلام ما يسمى «دولة القانون» فيسقط رياض مغشيا عليه وحينما يستفيق يجد نفسه مستلقيا في مقهى الحجي، ويزداد قناعة بأن البطش لا ينتهي في بغداد وكأنه مثل لعنة أبدية حلّت بدُرّة النهرين.
لم يخرق حمودي عبد محسن الإيهام السردي، ولم يحطّم البنية الكلاسيكية المتعارف عليها، وكانت فرصته كبيرة في الفصل العاشر تحديدا فبدلا من أن يقرأ المخطوطة التي تتحدث عن أرض دلمون وقصة حُب أنكي لننبرساج وزواجه منها بغية ديمومة الوجود البشري كان عليه أن يتناص مع هذه المخطوطة أو يشتبك مع أحداثها وشخصياتها على حد سواء. وهذا الأمر ينطبق على قراءته لملحمة جلجامش بوصفها جزءا حيويا من سفر أرض دلمون وما انطوت عليه من معانٍ عديدة لعل أبرزها البحث عن هاجس الخلود له ولشعبه لكن هذه العملية لم تخرج عن إطاره القراءة السردية العادية التي أبقت هذه القصص والملاحم السومرية على طبيعتها ولم يتناص معها الروائي، أو يستفد من أنساقها الفنية عبر التقنية الميتاسردية التي عرفناها عند عبد الخالق الركابي، حازم كمال الدين، أحمد خلف، لطفية الدليمي، علي بدر، وآخرين. وعلى الرغم من القراءة التقليدية لرياض فإنه يستنبط في خاتمة المطاف بأن الحرية من أجمل الكلمات، ولكنها ستكون أجمل بكثير إذا ما اشتبكت في بنية ميتاروائية لا تتكئ على الرؤية التقليدية ولا تكتفي بها.
ولكي يلملم حمودي عبد محسن معطيات الرواية المبعثرة بين الوقائع الحقيقية التي تدور في حي البتاويين، وساحة التحرير، والسجون المبثوثة في بغداد وبقية المدن العراقية، وبين الأحلام والأوهام والكوابيس العديدة التي انتابت رياض على مدى النص الروائي الذي يختمه بجلاء المحتل والتقاط العراقيين لأنفاسهم بعد سنوات الاحتلال المريرة، وحضور امرأة الحلم مع رجل دين بارع في تزوير الأنساب، وامرأة ساحرة تدّعي أنها تطرد الجن والأرواح الشريرة من أجساد المسحورين والمصابين بالأعين الشريرة الحاسدة حيث يعقد قرانهما ويغادر المكان تاركا رياض مع امرأة الحلم التي بكت على مصير العراق المجهول على الرغم من الوعد الذي قطعته على نفسها بأنها سوف تنجب له تموز العراقي، فيتذكر ما قاله الحموي عن بغداد بأنها «سيدة الدنيا» التي ستنتفض مثل العنقاء من تحت الرماد مثلما ستنجب امرأة الحلم تموز الذي سوف ينبثق إلى الوجود حيا سواء من غشاوة الحلم أم من تضاعيف الواقع الأسيان.
نخلص إلى القول بأن «امرأة الحلم» هي رواية مثقلة بالعديد من الوقائع والأحداث التاريخية المُقحمة على بنية النص الروائي وكان على الكاتب أن يكتفي ببعض الإحالات التاريخية المهمة ويشتبك معها عبر تقنية التناص التي تجعل من المادة التاريخية جزءا من لحمة النص وسداته لا أن تظل مادة طارئة تشكِّل عبئا على الرواية بدل أن تتماهى مع أحداثها وتصبح جزءا حيويا من المعطيات المكوِّنة لنسيجها السردي.
إن منْ يجرّب قراءة هذه الرواية من دون الإحالات التاريخية سيجد نفسه أمام نص روائي مكثفٍ رشيق يُذكِّرنا بالأعمال الروائية الناجحة التي أنجزها الكاتب الدؤوب حمودي عبد محسن لعل أبرزها «الدفّان والغجرية» و«المزمار» و«حكاية من النجف» التي قال فيها أشياءَ كثيرة حتى وإن جاءت ضمن أنساق سردية تقليدية لم تكلّف نفسها عناء الخوض في مجازفة التجريب أو الحداثة الفنية غير مضمونة العواقب.



جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.


«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، -دار خطوط وظلال، عمان- يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان.

إن قراءة نصوص السلطاني تشبه النظر في مرآة صافية، نرى فيها وجوهنا، ووجوه عصرنا، بلا رتوش أو أقنعة، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في منع «البربرية» من اقتحام أبوابنا المشرعة.

إنه كتاب يقرأ ليبقى، ولعل أهميته تزداد مع مرور الوقت، بوصفه شهادة حية من عين يقظة على زمن التحولات الكبرى، وزمن الأسئلة التي لم تعد تقبل الانفعالات العابرة.


مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».