«تحالف الخضر والحمر».. الذي أخرج السياسة السويدية من جادة الاعتدال

الأزمة مع السعودية ممتدة رغم تدخل القصر والوسطاء.. في انتظار اعتذار أو استقالة

«تحالف الخضر والحمر».. الذي أخرج السياسة السويدية من جادة الاعتدال
TT

«تحالف الخضر والحمر».. الذي أخرج السياسة السويدية من جادة الاعتدال

«تحالف الخضر والحمر».. الذي أخرج السياسة السويدية من جادة الاعتدال

في كتابه «الشعب النائم» يقول رئيس الوزراء السويدي رئيس حزب المحافظين السابق فريدريك راينفيلد الذي أدار دفة البلاد مدة 8 سنوات إن «موجة الرأي العام قد يصنعها مغفل يلقي نكتة سمجة في وجه الشرطة.. فتصنع كراهية الشرطة وإجراءاتها موجة رأي عام تصل إلى أعلى مراتب المسؤولية، لكن الأخطر أن يلقي تلك النكتة السمجة مسؤول حكومي محلف يثبت أنه يفتقد إلى اللياقة في اختيار العبارات الدبلوماسية التي تحفظ للشعب الرفعة وللبلاد المكانة».
ويبدو أن راينفيلد الذي اختار العزلة بعد 8 سنوات من إدارة شؤون السياسة السويدية، (2006 - 2014) اكتشف باكرا خطورة وأهمية التصريحات والكلمات التي يلقيها السياسيون أمام الرأي العام ووسائل الإعلام. وقد عصفت بالسويد خلال الأسابيع القليلة الماضية، أزمة دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية، جراء تصريحات أطلقتها وزيرة الخارجية السويدية ضد القضاء في السعودية، كادت تطيح بثوابت السياسة الخارجية السويدية ومشاريع العمل الصناعي والتجاري المشترك مع مجموعة الدول العربية ودول الخليج والسعودية بشكل خاص. ويواجه تحالف الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة وهو ما اصطلح عليه تحالف الخضر والحمر، مأزقا حرجا في وقت يبحث فيه عن مخرج للأزمة التي أخرج بها السياسة السويدية من جادة الاعتدال.

الخبير السياسي المختص بمتابعة تأثير اللوبي ومجموعات الضغط في السويد أردولان صميمي، قد أشار في أحد أحاديثه إلى «الخيط الرفيع الذي يمشي عليه الدبلوماسيون والمتحدثون الرسميون وهم يتحملون مسؤولية كل خطأ في الحديث أو إعلان البيانات المتعلقة بالسياسات الخارجية عند إعلانها أمام وسائل الإعلام» وشبه ذلك الخيط الرفيع بأنه «كالحبل الذي يمشي عليه مهرج السيرك.. إن اختل سقط وإن واصل توازنه عبر إلى الجهة الأخرى بسلام».
والحق هنا أن ما ذهب إليه رئيس الوزراء السويدي السابق أو الخبير السياسي، ينطبق تماما على حالة الارتجال التي مثلتها تصريحات وزيرة الخارجية السويدية «مارغوت فالستروم» ضد القضاء في المملكة العربية السعودية والتي أدت إلى أزمة دبلوماسية متواصلة لها أبعاد تجارية واقتصادية كبيرة مؤثرة في واردات السويد ونشاط شركاتها الاقتصادي.
وغمز الباحث والدبلوماسي السويدي السابق بير أندشون، من قناة، وزيرة الخارجية السويدية «فالستروم»، حين انتقد تصريحاتها ضد القضاء السعودي قائلا إنها تصريحات تفتقد إلى اللياقة الدبلوماسية لأنها أثارت أزمة دبلوماسية عارمة كادت تطيح بثوابت السياسة الخارجية السويدية ومشاريع العمل الصناعي والتجاري المشترك مع مجموعة الدول العربية ودول الخليج والسعودية بشكل خاص، وتابع يقول: «ثم جاء موقف الحكومة في إيقاف اتفاقية التعاون مع السعودية من طرف واحد وهو الأمر الذي زاد من تأزم العلاقات بين بلدينا».
لم تمض هذه الخطوات بشكل سلس، بل جوبهت بحملات مضادة قاسية، أكبرها من «مجموعة الثلاثين» والتي تعرف اختصارا باسم «كيميفيك» والمكونة من أكبر 31 شركة سويدية كبرى، حيث أصدرت بيانا على لسان «كرستينا ستينبيرك» عارضت فيه تصريحات الوزيرة فالستروم ودعت إلى أهمية احترام الاتفاقات والمواثيق التي تضمن العلاقات المشتركة مع السعودية. غير أن الحكومة السويدية تصرفت بطريقة تفتقد إلى التوازن حين ألغت الاتفاقية من جانب واحد يوم 10 مارس (آذار) 2015 مما حدا بتجمع الشركات الثلاثين إلى إصدار بيان يشير إلى خطأ الحكومة السويدية ومعارضة هذا الإجراء الذي يعرض مصالح السويد الكبرى إلى الخطر.
كانت السعودية قد وقعت في أبريل (نيسان) من عام 2005 اتفاقية ثنائية مع مملكة السويد للتعاون الفني والصناعي والتجاري أيام رئيس الوزراء الأسبق «يوران بيرشون» في شهر أبريل من نفس العام، ثم دخلت حيز التنفيذ في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته. وتضم الاتفاقية فصولا وأبوابا تنظم العمل المشترك بين البلدين الذي اعتبرت السعودية إثر تفعيله ثالث أفضل المتعاملين تجاريا مع السويد في إطار الاتفاقية.
وكانت الاتفاقية قد كرست في ديباجتها «أهمية العمل الثنائي بين السويد والسعودية من أجل إنماء فرص الإنتاج وتطوير الوسائل المستخدمة في التنمية والبناء» كما كشفت بعض الوثائق الصحافية عام 2008.
وكان الكاتبان بو غوران ودانيال أومان «قد كشفا عام 2008 بنودا مختلفة من الاتفاقية وأشارا إلى محاولات حكومة المحافظين يومذاك برئاسة (فريدريك راينفيلد) تعويق تنفيذ بعض بنود الاتفاقية والحد من فرص تنفيذ الجانب العسكري المتعلق بالتصنيع من تلك الاتفاقية مع الرياض».

* جذور الأزمة
* تعود جذور الأزمة إلى مشكلة تجديد اتفاقية التعاون المشترك التي وقعها البلدان لمدة 10 سنوات قابلة للتجديد، وتنظم التبادل التجاري والصناعي واستثمارات الشركات السويدية وتوريداتها لمشاريع التنمية السعودية. وكانت السعودية قد أبلغت الجانب السويدي عن رغبتها بمراجعة بنود الاتفاقية أكثر من مرة قبل أن تجددها حكومة المحافظين عام 2010 وأصبحت نافذة لغاية عام 2015.
وتضم الاتفاقية بنودا تخص الصناعات العسكرية إلى جانب التنصيص على مدى واسع من الميادين المدنية والفنية والتكنولوجية للاستثمارات والخبرات السويدية. وقد بلغ حجم الواردات السويدية جراء ذلك خلال السنوات العشر المنصرمة، أكثر من 13 مليار دولار سنويا، فضلا عن عمل المئات من المتخصصين والفنيين السويديين في مشاريع الإنماء والسكن والصناعة والصحة والتعليم وغيرها من ميادين العمل في السعودية. وبلغت المشتريات وفق الاتفاقية عام 2014 نحو 37 مليون يورو بحيث احتلت السعودية ثالث أكبر مشتر من السويد، وكان ماركوس لنبيري المتحدث باسم شركة ساب، قد وصف ذلك بأنه تعبير عن مستوى الثقة التي تحظى بها الصناعة السويدية لدى السعودية كدولة مهمة من دول الشرق الأوسط.
وفي أوائل مارس 2015 أبلغت الإدارة السعودية المختصة الحكومة السويدية عبر الوسائل الدبلوماسية أن للسعودية وجهات نظر فنية على بنود الاتفاقية التي ستنتهي مدتها في مايو (أيار) 2015 وطلبت إعادة النظر فيها أو إلغاءها. وإثر ذلك صرح رئيس الوزراء السويدي «ستيفان لوفين» في الرد على أسئلة وسائل الإعلام أنه هو والمختصون سيعكفون على مراجعة بنود الاتفاقية دون تأثيرات للرأي العام أو التجاذبات السياسية حرصا على مصالح السويد العليا.
ولكن من دون أية تمهيدات وقفت وزيرة الخارجية السويدية «مارغوت فالستروم» في جلسة مجلس النواب السويدي يوم 6 مارس وطالبت بإلغاء الاتفاقية ووجهت انتقادات للسعودية وألصقت التهم دون أي اعتبار لقواعد الدبلوماسية، ظنا منها أنها تحقق رصيدا لدى الرأي العام السويدي الذي كانت تشحنه وسائل إعلام وأحزاب ومجموعات عنصرية ضاغطة إلى جانب حزب البيئة الحليف في إدارة الحكومة الذي نادى بإلغاء الاتفاقية دون أي اعتبار سياسي أو دبلوماسي.
وقد واجهت المجموعة العربية في الجامعة العربية الحكومة السويدية ووزارة الخارجية باعتراضات شديدة على تصريحات الوزيرة وأبلغ الكثير من السفراء المعتمدين لدى السويد وزارة الخارجية عدم رضا البلدان العربية والإسلامية وقد تجاوزت الاعتراضات مدى جاوز المنظمات الإقليمية إلى دول حليفة وصديقة وقفت مع السعودية ضد اختراق قواعد الدبلوماسية بحجج حرية التعبير ضد السعودية.
وقد فوجئت الوزيرة خلال استضافتها في اجتماعات الجامعة العربية في القاهرة أن خطابها المقرر أمام مجلس الأمناء قد ألغي بضغط الدول الأعضاء والاكتفاء بحضورها ضيفة على الاجتماع. لكن التداعيات تجاوزت ذلك حين استدعت السعودية سفيرها المعتمد في السويد للتباحث ثم تلتها دولة الإمارات العربية، كما توافد سفراء الدول العربية المعتمدون على مقر الخارجية السويدية لإبلاغ اعتراضاتها على التصريحات غير المسؤولة التي أطلقتها الوزيرة المذكورة. والتقطت المعارضة السويدية القفاز وطالبت بسحب الثقة عن الحكومة، غير أنها فشلت في إدراك النصاب في البرلمان. وتطالب جهات الوزيرة السويدية الاعتذار، أو الاستقالة للخروج من الأزمة.
وحين ألغت السعودية عقب ذلك منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال والصناعيين والفنيين السويديين، قامت الدنيا عند مجتمع رجال الأعمال والمال السويديين، واتضحت تأثيرات الأزمة على الاقتصاد السويدي والشركات الإنتاجية والاستثمارية في السويد حتى بلغ ذلك الشركات المملوكة من قبل الأجانب المقيمين في السويد بصفتها شركات تنفيذية ميدانيا وأصبح مجموع الواردات التي سيحرم منها الاقتصاد السويدي حينئذ قرابة 15 مليار دولار سنويا فضلا عن تأثر أسواق الأسهم والمال داخل السويد بتلك النتائج السلبية الكبيرة لأخطاء الارتجال السياسي وكسر قواعد التعامل الدبلوماسي بين الشركاء.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة، بل اتسعت لتشمل المفوضية الدائمة للاتحاد الأوروبي التي حاولت الاتصال بالجامعة العربية للتدخل لدى السعودية لتليين موقفها إزاء الأزمة. كما حاولت دول صديقة التواصل مع الجهات الدبلوماسية لتوفير جو من الحوار الثنائي. وشكلت 70 شركة سويدية مجموعة اتصال بالسعودية كما أعلنت الحكومة السويدية عن اجتماعات أزمة متعددة للوصول إلى حلول ممكنة.
واستدعت قوى المعارضة في البرلمانات وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم إلى جلسة تحقيق مفتوحة حول جذور الأزمة ووجهت للوزيرة انتقادات حادة مما حدا بالوزيرة إلى محاولة تليين المواجهة البرلمانية والأزمة الدبلوماسية بالحديث عن استمرار التعاون الإيجابي مع السعودية كونها من أكبر الدول المانحة والدول التي تحارب العنف والإرهاب.

* حقائق
* يعطي المراقبون صورة واقعية لحاضر المجتمع والسياسة في السويد، وهو واقع يشكل حاضنة اجتماعية وسيكولوجية لحركة الفكر والسياسة، ويصفون المجتمع السويدي بشكل عام، بأنه مجتمع انطوائي، وربما هو مجتمع يميل إلى العزلة والفردية إلى حد ما. وقد تكرست تلك الصفة لزمن طويل بفعل الطبيعة الإسكندنافية الباردة والصعبة والمعزولة قرب القطب الشمالي وبفعل الجغرافيا القصية التي حفرت في الشخصية الإسكندنافية عميقا لأكثر من ألف عام وليس بفعل اختيار واع عام.
وتبدو الشخصية السويدية عموما غير واضحة نسبيا خلال عملية التواصل الاجتماعي مع الآخر، إما بفعل الخجل أو التردد في الوقوف أمام ثقافات أخرى كما يقولون.
ويؤكد المراقبون أن تلك العزلة الصعبة قد حولت المزاج السويدي إلى مزاج متقلب يميل إلى التغيير والتنقل والبحث عن التجديد للخروج من العزلة إلى فضاءات أخرى. وقد تجلى ذلك ليس فقط في ميل الشخصية السويدية لتغيير أماكن العمل أو عناوين السكن والهوايات ووجهات السفر في الإجازات الكثيرة التي يتمتع بها السويدي بل في الميل إلى تغيير الوجوه والصداقات والحكومات أيضا.
ولذلك كان واضحا في انتخابات سبتمبر (أيلول) عام 2014 أن الكفة تميل إلى انتخاب تحالف الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة وهو ما اصطلح عليه تحالف الخضر والحمر، بعد 8 سنوات من حكم تحالف يمين الوسط برئاسة حزب المحافظين التي امتلأت بكثير من المواجهات السياسية والفضائح والإشكالات.
وبالكاد أسفرت نتائج الانتخابات السويدية عن حكومة ذات أقلية برلمانية تتكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة، ولكنها حملت معها مفاجأة غير سارة إذ تقدم الحزب العنصري المضاد للعرب والأجانب والديانات «ديمقراطيو السويد» في الانتخابات واستطاع الحصول على 13 في المائة من مقاعد البرلمان إلى جانب الأغلبية المعارضة لتحالف يمين الوسط وهو أمر أخل بحلم الحمر والخضر في إدارة البلاد كما يشاءون.
ومنذ اليوم الأول حاول الحزب العنصري إسقاط الحكومة في البرلمان وتصدى للتصويت للميزانية التي قدمتها حكومة الحمر والخضر وأسقطها وكاد ذلك أن يعصف بالتحالف الحاكم لولا تدخل تحالف يمين الوسط التي فاز مشروع ميزانيته البديلة أو ميزانية الظل بالتصويت في البرلمان، واتفق التحالف اليميني مع الحمر والخضر، تحاشيا لفوضى سياسية تتطلب انتخابات تكميلية، قد تهدد بفوز ساحق للتيار العنصري وهكذا أصبحت حكومة الأقلية الفائزة حكومة موظفين من رئيس الوزراء ستيفان لوفين ورهط الوزراء من تيار اليسار الاشتراكي وعشاق البيئة.
وتأتي الأزمة الدبلوماسية والاقتصادية التي فجرتها تصريحات وزيرة الخارجية ضد القضاء في السعودية لترسم صورة عن هشاشة في النظر إلى الحقائق الدولية الكبرى ونقص في اللياقة الأدبية رغم دعاوى الحقوق وحرية التعبير، ولتعطي حكومة الأقلية البرلمانية درسا في التروي في تقييم علاقات البلدان الثنائية وبخاصة مع مجموعات الدول المؤثرة والسعودية كدولة محورية في الشرق الأوسط والعالم.
وقد كتب محللون من بينهم المحلل السياسي المعروف «ستيفان هايمر ستون» مقالة مهمة بعنوان «وزيرة خارجية السويد بحاجة إلى وسائل امتصاص الصدمات» قال فيها: «إن الدبلوماسية السويدية تعرضت إلى واحدة من أخطر الأزمات غير المسبوقة حين وقفت وزيرة الخارجية أمام وسائل الإعلام لتلقي بيان يشبه خطب الهواة الذين يفتقدون إلى قواعد الدبلوماسية التي تتميز بانتقائية اللغة وحيادية الخطاب لتعرض علاقات بلادنا مع السعودية إلى أزمة لسنا بحاجة إليها.. ويبدو أنها سوف تكلفنا الكثير». ويبدو أن القصر الملكي السويدي هو الملاذ الأخير الذي لجأت إليه الحكومة، لتلافي تلك الأزمة الدبلوماسية والاقتصادية الكبيرة مع السعودية، من خلال ما يتمتع به الملك كارل غوستاف السادس عشر، بحسب بيان القصر الملكي السويدي، من صلات تاريخية مع القيادة السعودية والتي تعبر عن مستوى رفيع من الترابط والعمل الثنائي المشترك مع الرياض.. لعل وعسى أن تجد طوق نجاة قبل أن تغرق في بحر مصير مجهول لا تحمد عقباه.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.