العربي خلال اجتماعات الجامعة بالقاهرة: المطلوب وبإلحاح النظر في إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة

وزير الخارجية المصري: العالم العربي يواجه ظروفًا استثنائية وتحديات غير مسبوقة

الجلسة الافتتاحية للدورة العادية الـ 143 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري (إ.ب.أ)
الجلسة الافتتاحية للدورة العادية الـ 143 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري (إ.ب.أ)
TT

العربي خلال اجتماعات الجامعة بالقاهرة: المطلوب وبإلحاح النظر في إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة

الجلسة الافتتاحية للدورة العادية الـ 143 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري (إ.ب.أ)
الجلسة الافتتاحية للدورة العادية الـ 143 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري (إ.ب.أ)

خيمت قضايا فلسطين والأمن القومي العربي والأوضاع في سوريا وليبيا واليمن والأعمال التخريبية التي يقوم بها تنظيم داعش ومشتقاته من التنظيمات الضلالية، على جلسات وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعات الدورة الحالية والإعداد للقمة العربية التي سوف تستضيفها مصر قبل نهاية الشهر الحالي. وانعكست هذه القضايا على نحو خاص في حديث وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري الذي شارك للمرة الأولى في هذه الاجتماعات، كما شدد الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي على أن المطلوب الآن، وبإلحاح، هو النظر في إنشاء قوة عسكرية أمنية عربية مشتركة تكون متعددة الوظائف قادرة على الاضطلاع بما يعهد إليها من مهام في مجالات التدخل السريع لمكافحة الإرهاب وأنشطة المنظمات الإرهابية، والمساعدة في عمليات حفظ السلام، وتأمين عمليات الإغاثة والمساعدات الإنسانية وتوفير الحماية للمدنيين، إضافة إلى التعاون في المجالات ذات الصلة بحفظ الأمن وتبادل المعلومات بين الدول العربية التي أصبح عدد منها في حاجة ماسة لمثل هذه الآلية لمساعدة حكوماتها على صيانة الأمن والاستقرار وإعادة بناء قدراتها ومؤسساتها الوطنية.
وأكد العربي، في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية للدورة العادية 143 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري برئاسة الأردن، أن اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق ذلك مناط بالدول الأعضاء صاحبة الحق السيادي الذي لا نزاع فيه باستخدام القوة المسلحة للدفاع عن أمنها وسلامتها الإقليمية بالطريقة التي تتفق ورؤيتها لمصلحتها وواجباتها الوطنية والقومية، في إطار أحكام وقواعد القانون الدولي.
وأشار إلى أن القرار السياسي باللجوء إلى استخدام تلك الآلية العسكرية والأمنية المشتركة المشار إليها، يتعين أن يكون وفقاً لأحكام ميثاق الجامعة والمعاهدات والاتفاقيات والقرارات العربية، وبما يتسق أيضا مع أحكام ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة وقواعد القانون الدولي، كما أن مثل هذا القرار لا بد وأن يتضمن تصورًا واضحًا للحالات التي يتم فيها اللجوء إلى استخدام مثل هذه الآلية المشتركة، وبما يضمن الحفاظ على سيادة الدول الأعضاء واستقلالها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلا في الحالات التي تتطلب ذلك وبناءً على موافقة الدولة أو الدول المعنية والتي يكون أمنها واستقرارها يتعرض للمخاطر وتطلب حكوماتها مساعدة أشقائها العرب. ويحدوني الأمل في أن يحتل هذا الموضوع الهام الصدارة في مداولاتنا في المرحلة القادمة..
وقال العربي: «إنه بانطلاق أعمال هذه الدورة الهامة، يباشر المجلس الوزاري أعمال التحضير الفعلية للقمة العربية المقبلة المقرر عقدها في 28 من مارس (آذار) الحالي برئاسة جمهورية مصر العربية في شرم الشيخ»، مشيرا إلى أن الرأي العام العربي والرأي العام الدولي ودوائر صنع القرار في مختلف الدول يتطلع إلى ما سوف يصدر عن هذه القمة من قرارات عربية جماعية تتناسب مع التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها ما يتعلق بتطوير آليات العمل العربي المشترك، وتفعيلها للانتقال بجامعة الدول العربية من مصاف الجيل الأول من المنظمات إلى مصاف الجيل المعاصر من المنظمات الإقليمية والدولية في أنظمتها التأسيسية وأساليب وآليات عملها.
وأكد العربي على موقف الجامعة الداعم دائمًا للقيادة الفلسطينية وخياراتها الاستراتيجية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وضرورة تبني قرار نوعي جديد في مضمونه وينص بوضوح على آلية تنفيذية، وجدول زمني مُحدّد لعملية المفاوضات ومرجعياتها المتفق عليها، وتحت إشراف مباشر من مجلس الأمن، وذلك حتى تكون تلك المفاوضات مُجدية وذات مغزى وتؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وإقرار اتفاق نهائي حول جميع القضايا العالقة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
فيما أكد وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن الأخطار المحدقة بالوطن العربي وشعوبه تتطلب العمل الفوري والجاد لمواجهتها ودرء مخاطرها بهدف اجتثاثها وفي مقدمتها التنامي الخطير والمقلق لظاهرة الإرهاب والفكر المتطرف.
وأكد جودة في كلمة له عقب تسلمه رئاسة الدورة العادية 143 على أهمية العمل الجماعي والفوري في إطار جامعة الدول العربية ووفق جهود منهجية عاجلة ومنسقة وشاملة عسكرية وأمنية وفكرية لمواجهة الجماعات الإرهابية وفقا للأطر القانونية التي يتيحها ميثاق جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع العربي المشترك، معتبرا أن بلاده كانت وستبقى في طليعة الصفوف في كل جهد يواجه الإرهاب.
وتحدث جودة في هذا الصدد عن الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعانيها اللاجئون السوريون جراء هذا الاقتتال، موضحا أن بلاده تحتضن مليونا ونصف المليون لأجيء سوري، موجها الشكر للدول التي تقدم مساعدات من أجل توفير الاحتياجات الرئيسية لهؤلاء اللاجئين ومن بينها دولة الكويت التي احتضنت مؤتمرين للمانحين وتستعد لاستضافة الثالث قريبا.
كما تحدث عن الأوضاع في العراق، مؤكدا ضرورة دعم الحكومة العراقية في التصدي للإرهاب وعلى رأسه تنظيم داعش، وكذلك في ليبيا، مؤكدا أهمية تعزيز الحوار بين مختلف الأطراف مع استبعاد من يلجأ منها للعنف والإرهاب.
وأكد رفض التدخل الخارجي في الملف اليمني والعمل على دعم مسيرة الحوار الوطني تحت رعاية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والمبادرة الخليجية ومضامين قرار مجلس الأمن الأخير حول اليمن والدعوة لتطبيقه.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية حذر جودة من أن غياب حل للقضية الفلسطينية التي هي جوهر وأساس كل التوترات في المنطقة تشكل عاملا قويا في ظهور الإرهاب والتطرف، وقال إن الأردن يعتبر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية هو تحقيق لمصلحة حيوية أردنية عليا، مؤكدا ضرورة التوصل إلى حل يعالج قضايا القدس واللاجئين والحدود والأمن وفقا للمرجعيات الدولية.
ومن جانبها استعرضت فاطمة فال بنت الصوينع وزيرة خارجية موريتانيا نتائج رئاسة بلادها لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري للدورة 142 السابقة والظروف والتحديات التي تميز بها العمل العربي المشترك خلال هذه الفترة.
وأكدت الوزيرة الموريتانية على ضرورة تضافر الجهود لمواجهة التحديات والأخطار التي تمر بها المنطقة العربية.
وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن العالم العربي يواجه ظروفا استثنائية وتحديات غير مسبوقة، مؤكدا على ضرورة التعامل بقوة مع أخطر ظاهرة تهدد العالم العربي بصفة خاصة ألا وهي (الإرهاب)، وطالب بوحدة الصف وبذل الجهود للقضاء على الجهل، والفقر، وتفشي الأفكار الظلامية، «وكذلك العمل بشتى الطرق لترسيخ مفهوم الدولة المدنية وقيم المواطنة في مجتمعاتنا العربية».
وأكد شكري ضرورة رفع الحصار عن قطاع غزة الذي يعاني من أزمة إنسانية طاحنة ينذر استمرارها باحتمالات تفجر الوضع مرة أخرى، مجددا دعوة مصر للمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لتتحمل مسؤولياتها تجاه الوضع الإنساني المتأزم في قطاع غزة باعتبارها السلطة القائمة بالاحتلال.
كما جدد شكري الدعوة إلى الدول المانحة إلى الوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها خلال مؤتمر «إعادة إعمار غزة» الذي عقد بالقاهرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأكد وزير الخارجية أنه لم يعد القبول بوتيرة التعاطي الدولي أو الإقليمي مع ما يدور في سوريا منطقيا، مشددا على أن الحاجة مُلحة للتعاون والتنسيق ولاعتماد تصور عربي يفضي إلى إجراءات جدية لإنقاذ سوريا وصون أمن المنطقة. وإقامة نظام ديمقراطي تعددي يكون وقاية من سيطرة الإرهاب والتطرف في سوريا والمنطقة.
وقال شكري إن «انعكاس ما يجري في ليبيا على مصر وأمنها لا يخفى على أحد، وقد شاهدتم جميعا ما لقاه عدد من المواطنين المصريين من مصير مأساوي على الأراضي الليبية مؤخرا، فما يحدث في هذا البلد الجار لا يمكن السكوت عليه بأي حال من الأحوال».
وأعاد شكري التأكيد على موقف مصر، والذي كان واضحا لا لبس فيه في بياننا أمام مجلس الأمن خلال الجلسة المنعقدة مؤخرا بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا.
وأضاف شكري: «في الوقت ذاته ندعم بكل قوة الحلول السياسية المطروحة من قبل الأمم المتحدة بين القوى السياسية الرافضة للعنف والإرهاب».
كما أكد على موقف بلاده من ضرورة تقديم كل أشكال الدعم للحفاظ على وحدة وأمن واستقرار اليمن.
وأكد شكري أن «نجاح العراق الشقيق في إتمام الاستحقاقات الدستورية والتي تم تتويجها بتأليف الحكومة الجديدة يستدعي منا تقديم المساندة للخطوات الإيجابية التي شرعت هذه الحكومة في تبنيها بغية ترميم علاقاتها مع دول الجوار العربي».
وقال شكري إنه لا يمكن الحديث عن التحديات التي تواجه الأمن القومي الجماعي دون التأكيد مجددا وبقوة على ثوابت الموقف العربي حيال موضوع إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل، مشيرا إلى أن إسرائيل ما زالت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي ترفض الانضمام لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، دون توافر مبررات منطقية لهذا الموقف الغريب الذي لا يمكن القبول به.
كما تحدث الوزير المنتدب للشؤون الخارجية الجزائري عن خطورة تأثير انتشار الجماعات الإرهابية على السلم والأمن الدوليين وطالب المجتمع الدولي بتحمل المسؤولية وجدد دعم بلاده لقضايا فلسطين واليمن وليبيا.
أما وزير خارجية لبنان فقد اشتكى من مخاطر النزوح إلى بلاده الأول للفلسطينيين بسبب إسرائيل والثاني من سوريا بسبب «داعش» وقال إن الضربات العسكرية الجوية للإرهاب غير كافية وطالب بتقديم الدعم العسكري والمادي لبلاده، مشيرا إلى أن هناك مواجهة أخرى مع الإرهاب منها الإنسانية والاجتماعية، وقال إن الإرهاب ساهم في تحويل ملايين العرب إلى لاجئين ونازحين من العراق وسوريا وفلسطين، وأكد وجود أكثر من مليوني لاجئ في لبنان. وانتقد إسرائيل، مشيرا إلى أنها دولة عدوانية لا تؤمن بمبادرات السلام، ودعا إلى وحدة الصف العربي ودعم الشرعية لمواجهة الإرهاب.
وبدورها تحدثت الوزير المغربية عن تأكيد التزام العاهل المغربي بصفته رئيس لجنة القدس الحفاظ على المقدسات، كما أكدت دعم بلادها للحل السياسي في اليمن وسوريا وتنفيذ قرارات جامعة الدول العربية في هذا الصدد، وأيضا دعم جهود العراق للقضاء على الإرهاب ورفض التدخل في شؤونه ورحبت بالحوار الأممي لوضع حد لظاهرة الإرهاب في ليبيا وأكدت على دعم المغرب للجهود العربية لمواجهة الإرهاب.
أما وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري فقد انتقد الإعلام في تعاطيه مع الشأن العراقي وكذلك الجماعات الإرهابية التي تتخذ من الإسلام غطاء لها، وقال إن العراق دولة تباشر كل أنواع التوافق بين المكونات السياسية للمضي قدما بالعملية السياسية وطالب بأن يتم قراءة الشعوب من خلال رموزها وليس عبر نتوءات تنال من صورة ومكانة الدول العربية. وأضاف أن بلاده تحارب الإرهاب نيابة ودفاعا عن الدول العربية على جبهتين منذ عام 2004، وأشار إلى تمكن العراق من نزع فتيل الطائفية وأن الجميع عازم على فتح صفحة جديدة مع كل الدول.
أما وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي فقد طالب بأن يعتمد الاجتماع القرارات التي توافق حولها اجتماع المندوبين بشأن فلسطين كما انتقد ليبيرمان القائل بأن الدول التي لا تقف مع إسرائيل يجب أن تقطع رؤوسها أسوة بـ«داعش»، وكذلك في اعتبار إسرائيل الرئيس محمود عباس بأنه ليس شريكا وأنه يقود إرهابا دبلوماسيا.
ومن جانه طالب وزير الخارجية الليبي محمد الدايري بضرورة دعم مؤسسة الجيش والشرعية الممثلة في الحكومة والبرلمان والامتناع عن مساواة الشرعية بالميليشيات حتى تتمكن الدولة الليبية من إعادة البناء وجعل ليبيا مقبرة لـ«داعش» وانتقد المجتمع الدولي في تركه لليبيا بعد التخلص من النظام السابق وطالب بوقف تدفق السلاح للميليشيات برا وبحرا وجوا، كما أبدى تضامنه مع قضايا فلسطين واليمن وسوريا بضرورة الحل السياسي.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.