«داعش» يتداعى من الداخل

مع تصاعد الانشقاقات في ميادين القتال وتنامي التوترات بين مقاتلين أجانب ومحليين

التحدي الأكبر أمام «داعش» الآن داخلي أكثر منه خارجيا («الشرق الأوسط»)
التحدي الأكبر أمام «داعش» الآن داخلي أكثر منه خارجيا («الشرق الأوسط»)
TT

«داعش» يتداعى من الداخل

التحدي الأكبر أمام «داعش» الآن داخلي أكثر منه خارجيا («الشرق الأوسط»)
التحدي الأكبر أمام «داعش» الآن داخلي أكثر منه خارجيا («الشرق الأوسط»)

على ما يبدو، يمر «داعش» بحالة تداع داخلي مع تصاعد الانشقاقات والانتكاسات داخل ميادين القتال على نحو يؤثر سلبا على قوة التنظيم ويحد من هالة القوة التي رسمها حول نفسه في أعين من يعيشون في ظل حكمه المستبد.
وتوحي تقارير حول تنامي التوترات بين مقاتلين أجانب ومحليين، وبذل محاولات حثيثة وفاشلة بصورة متزايدة لتجنيد عناصر جديدة من المواطنين المحليين للدفع بهم في الخطوط الأمامية، وازدياد حوادث هجمات العصابات المسلحة ضد أهدف تخص «داعش»، بأن مسلحي التنظيم يناضلون للحفاظ على صورتهم التي يحرصون عليها باعتبارهم قوة مقاتلة مخيفة قادرة على توحيد صفوف المسلمين تحت مظلة حلم دولة «داعش» الفاضلة.
إلا أن تقارير شفهية، تخص نشطاء وسكان بمناطق خاضعة لحكم «داعش»، لا توفر أي مؤشرات توحي بأن التنظيم يجابه أي تحديات حالية لسيطرته على الأقاليم التي تقطنها أغلبية سنية شرق سوريا وغرب العراق والتي تمثل العمود الفقري لدولة الخلافة المزعومة. الملاحظ أن معظم الانتكاسات في ميادين القتال التي مني بها «داعش» وقعت على أطراف المناطق الخاضعة لسيطرته، بينما تبقى مسألة ظهور معارضة منظمة ضده أمرا غير محتمل مع استمرار غياب بدائل مستدامة والمخاوف من التعرض للانتقام، حسبما أوضح سوريون وعراقيون ومحللون.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر لقدرة «داعش» على الاستمرار، قد ينبع من الداخل مع تصادم وعوده الضخمة مع الواقع على الأرض، حسبما قالت لينا خاطب، مديرة مركز «كارنيغي للشرق الأوسط» في بيروت.
وأضافت: «التحدي الأكبر أمام (داعش) الآن داخلي أكثر منه خارجيا. إننا نعاين بصورة أساسية إخفاقا للعمود الأساسي لآيديولوجية (داعش) الرامية لتوحيد شعوب من أصول مختلفة في ظل دولتهم. إلا أن هذا الأمر لا يتحقق على الأرض. ويؤثر هذا بالسلب على فاعلية قدرة التنظيم على ممارسة الحكم وشن عمليات عسكرية».
أما أكثر ما يلفت الانتباه على هذا الصعيد، فهو تنامي مؤشرات الانقسام بين الأجانب الذين أغوتهم تجربة بناء الدولة والمجندين المحليين الذين تنامى سخطهم حيال المعاملة التمييزية التي يحظى بها الأجانب، بما في ذلك حصولهم على رواتب أعلى وظروف معيشية أفضل.
ويعيش المقاتلون الأجانب في المدن، حيث تعد الضربات الجوية لقوات التحالف نادرة نسبيا بسبب مخاطرة سقوط ضحايا مدنيين، بينما يتعين على المقاتلين السوريين العمل بمناطق ريفية أكثر عرضة للهجوم، حسبما أوضح ناشط معارض لـ«داعش» يعيش في مدينة البوكمال على الحدود السورية مع العراق. وقد رفض الكشف عن هويته.
وقد اندلعت تبادلات لإطلاق النار في عدة مناسبات في شوارع المدينة، منها حادثة وقعت الأسبوع الماضي بين مقاتلين أجانب وآخرين سوريين رفضوا أوامر من قائد كويتي بالانتشار في الخطوط الأمامية في العراق، حسبما ذكر الناشط. ولا يزال الفصيل السوري، الذي يعمل تحت إمرة صدام جمالي، القائد السابق بالجيش السوري الحر، داخل المدينة، ويبقي الفصيل على مسافة حذرة من الفصيل الذي يقوده الكويتي.
وفي حادثة وقعت بمدينة الرمادي العراقية في يناير (كانون الثاني) الماضي، دخل حلفاء محليون في معركة مع مجموعة مؤلفة في معظمها من مقاتلين شيشانيين بعدما قرر الأجانب العودة لسوريا، تبعا لما أفاد به حسن الدليمي، وهو لواء شرطة متقاعد يعمل مع المقاتلين القبليين المتحالفين ضد «داعش». وأضاف: «خشي العراقيون من أن يتم التخلي عنهم».
كما ظهرت مؤشرات على أن بعض المقاتلين الأجانب بدأوا يشعرون بالصدمة حيال حقيقة الأوضاع، حيث وصف نشطاء بمنطقتي دير الزور والرقة السوريتين كثيرا من الحوادث التي سعى خلالها أجانب لنيل مساعدة سكان محليين في الهرب عبر الحدود إلى تركيا. وقد عثر الشهر الماضي على جثث ما بين 30 و40 رجلا تبدو ملامح كثير منهم آسيوية في مدينة الطبقة في الرقة. ومن المعتقد أن هذه الجثث تخص مجموعة من المقاتلين حاولوا الفرار لكن تم ضبطهم، تبعا لما ذكرته مجموعة ناشطة تدعى «الرقة تذبح في صمت»، التي تتولى مراقبة نشاطات «داعش».
يذكر أن قيودا جديدة جرى فرضها على السفر إلى ومن المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش» خلال الأسابيع الأخيرة، منها حظر نقل الشاحنات رجالا من دون تصريح، حسبما أضافت الجماعة الناشطة. وقد طالت عمليات الإعدام العلنية، التي تشكل عنصرا محوريا في المنظومة العقابية لدى «داعش»، قرابة 120 من أعضاء الجماعة ذاتها، طبقا لما أفاده «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، ومقره بريطانيا.
وواجه المقتولون اتهامات بالتجسس، وواحد منهم اتهم بالتدخين، لكن تنتشر شكوك بأنهم في الحقيقة مقاتلون حاولوا الفرار.
وفي تلك الأثناء، تزيد الخسائر الميدانية في شمال سوريا ومناطق أخرى من العراق من الشعور بأن الجماعة التي صدمت العالم باكتساحها عبر العراق وسوريا الصيف الماضي، تحولت الآن ليس لموقف الدفاع فحسب، وإنما أيضا أصبحت تناضل لإيجاد استراتيجية متناغمة لمواجهة القوى المتعددة التي تقف في وجهها.
ويخوض «داعش» معارك كبرى على 3 جبهات على الأقل؛ حيث يواجه الأكراد في شمال سوريا، والأكراد في شمال العراق، وقوة موحدة من الجيش العراقي وميليشيا شيعية تتقدم نحو مدينة تكريت وسط العراق. كما تقدم مقاتلو «داعش» في شرق سوريا، تحديدا منطقتي حمص ودمشق، لكن هذا التقدم لم يكن على المستوى المذهل الذي حققه التنظيم العام الماضي.
والملاحظ أن معظم الانتكاسات التي مني بها التنظيم وقعت بمناطق غير سنية، مثل الجيب الكردي حول كوباني أو منطقة ديالى المختلطة في شرق العراق، التي ربما أخفق التنظيم في تحقيق طموحاته بها جراء عدم وجود حلفاء له على الأرض.
أما الاختبار الأكبر لقدرات «داعش» العسكرية، فيكمن في المعركة الدائرة للسيطرة على تكريت، وهي الموطن السني لصدام حسين.
ومع تصاعد حدة المشاعر العرقية والطائفية التي تدفع أعمال القتال حول المناطق بمختلف أرجاء سوريا والعراق، فإن انتصار القوات التي يهيمن عليها الشيعة سيمثل اختبارا لقدرة المجموعات غير السنية في الحفاظ على سيطرتها على المناطق السنية التي غزوها، حسبما أوضح محللون.
الواضح أن خسائر «داعش» بالنسبة للأراضي والدماء كانت كبيرة نسبيا، بما في ذلك خسارة مئات القرى حول مدينة كوباني الكردية في سوريا، قرب مدينة سنجار العراقية، وداخل إقليم ديالى بشرق العراق.
ويبدو أن هذه المعارك كبدت التنظيم خسائر فادحة، تقدر بنحو 20.000 مقاتل أجنبي، علاوة على عدد غير معروف من المقاتلين السوريين والعراقيين.
من جهته، ادعى البنتاغون الأسبوع الماضي أن الضربات الجوية للتحالف أسفرت عن مقتل 8.500 مقاتل، وإن كان من المتعذر التأكد من صحة الرقم.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».