اجتماعات باريس لبحث النووي الإيراني.. الأميركيون يُرخون الحبل والفرنسيون يتشددون

كيري سعى لطمأنة باريس وثنيها عن عرقلة اتفاق يفترض أن يحصل قبل نهاية الشهر الحالي

وزير الخارجية الأميركي  وإلى يساره نظيره الفرنسي والثالثة (من اليسار) وزيرة الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، يقابلهم وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير، وإلى جانبه نظيره البريطاني هاموند، في باريس أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي وإلى يساره نظيره الفرنسي والثالثة (من اليسار) وزيرة الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، يقابلهم وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير، وإلى جانبه نظيره البريطاني هاموند، في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

اجتماعات باريس لبحث النووي الإيراني.. الأميركيون يُرخون الحبل والفرنسيون يتشددون

وزير الخارجية الأميركي  وإلى يساره نظيره الفرنسي والثالثة (من اليسار) وزيرة الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، يقابلهم وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير، وإلى جانبه نظيره البريطاني هاموند، في باريس أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي وإلى يساره نظيره الفرنسي والثالثة (من اليسار) وزيرة الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، يقابلهم وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير، وإلى جانبه نظيره البريطاني هاموند، في باريس أمس (إ.ب.أ)

في حين يُنتظر أن تُستأنف المحادثات النووية بين إيران ومجموعة «5 + 1» في جنيف يوم 15 الشهر الحالي، من أجل التوصل إلى «اتفاق سياسي» مع نهاية مارس (آذار)، يسعى وزير الخارجية الأميركي جون كيري لـ«تلافي المفاجآت»، التي قد تبرز آخر لحظة عن طريق اعتراض أحد الـ«5+1»، على ما سيتم الاتفاق عليه مع طهران.
وتتخوف واشنطن بشكل خاص من باريس التي تلتزم بالموقف الأكثر تشددا من بين مجموعة «5+1» في الملف النووي الإيراني، الأمر الذي يعكس أهمية الاجتماع الذي استضافته الخارجية الفرنسية، بعد ظهر أمس، بين الوزيرين لوران فابيوس وجون كيري، ثم الاجتماع الموسع الذي ضم إليهما نظيريهما البريطاني والألماني وكذلك «وزيرة» الشؤون الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني.
للوزير كيري تجربة «صعبة» مع فابيوس، إذ الكل يتذكر أن الأخير «نسف»، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013 اتفاقا «مرحليا» كان تم التوصل إليه بين الطرفين الأميركي والإيراني في جنيف بحجة أنه «لا يوفر كافة الضمانات» المطلوبة لجهة التزام إيران بتجميد جزئي لبرنامجها النووي، مقابل رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها.
لذلك، وبالنظر لقاعدة العمل غير المكتوبة للـ«5+1» التي تقوم على مبدأ الإجماع، فقد اضطرت الأطراف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والعمل مجددا على مشروع الاتفاق الذي أقر في نهاية المطاف في 23 نوفمبر (تشرين الثاني). لذا، كان الغرض من اجتماعات باريس «توحيد المواقف» بين الأطراف الغربية الأربعة، وخصوصا طمأنة باريس التي أبدت دائما بعض «الحساسية» إزاء المفاوضات المنفصلة التي يجريها كيري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، التي يطلب من الآخرين المصادقة على نتائجها.
الواقع أن فابيوس لم يشذ هذه المرة عن القاعدة إذ استبق اجتماعات باريس بتصريحات أدلى بها على هامش اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في ريغا، عاصمة ليتوانيا، أول من أمس، حيث اعتبر أن هناك «تقدما إضافيا» يجب أن يتحقق لجهة «تحديد» حجم وأمد الرقابة على الالتزامات التي ستقدمها إيران شأن برنامجها النووي.
وبحسب الوزير الفرنسي، الذي كان يعلق على ما آلت إليه 4 أيام من المفاوضات بين كيري وظريف في مدينة مونترو السويسرية، فإن «الوضع ليس مرضيا بعد، وبالتالي هناك عمل إضافي يجب أن يُنجز». وردا على الذين يتمسكون بضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي مع نهاية الشهر الحالي، قال فابيوس إن باريس تريد «اتفاقا راسخا ليس فقط لنا بل لمجمل المنطقة وأمنها ولمصلحة الإيرانيين كذلك». لذلك، لمح الوزير الفرنسي إلى أن باريس لا ترى مانعا في تأخير ساعة الاستحقاق، نهاية مارس (آذار)، مما يعني عمليا أنه إذا لم ينجح الـ«5+1» وإيران في التوصل إلى اتفاق مرضٍ، فلا شيء يمنع من التفاوض بعد هذا التاريخ الذي لا يمكن استخدامه حجة لتمرير اتفاق غير كاف.
وما يجعل باريس أكثر تشددا أن ما تدور المفاوضات بشأنه هو اتفاق نهائي يفترض أن يوفر الضمانات الكافية لمنع إيران من «عسكرة» برنامجها النووي. ويسعى الغربيون لتحقيق هذا الهدف، من جهة، عن طريق «تحجيم» البرنامج (خفض عدد الطاردات المركزية التي سيسمح لإيران بالإبقاء عليها ودرجة تخصيب اليورانيوم). ومن جهة أخرى عبر فرض رقابة مشددة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية.
ويريد الغربيون، بشكل خاص، أمرين: إطالة أمد الاتفاق من جهة، ربما لعشر سنوات أو أكثر، والثاني إطالة المدة التي ستحتاجها إيران لتخصيب كميات وافية من اليورانيوم لإنتاج القنبلة النووية في حال قررت عدم احترام التزاماتها، وهو ما يسمى بالإنجليزية (Breakout Time).
وقال الرئيس الأميركي أوباما أخيرا إن هذه المدة لا يجب أن تقل عن العام بحيث يتاح لـ«5+1» الرد على إيران. وفي الجانب المقابل، تريد إيران رفعا كاملا للعقوبات المفروضة عليها، بعد التوصل إلى الاتفاق مباشرة، الأمر الذي يرفضه الغربيون ويقترحون رفعا تدريجيا للعقوبات.
هذه الخلفية تفسر مسارعة كيري عقب اجتماعه مع فابيوس إلى التأكيد على أن لباريس وواشنطن «المقاربة نفسها» بشأن المفاوضات الجارية مع إيران. وبحسب كيري، فإن المفاوضات «حققت تقدما، لكن تبقى هناك خلافات.. والهدف للأيام والأسابيع المقبلة هو التغلب عليها»، ورمى كيري الكرة في الملعب الإيراني، بتأكيده أن الغرض هو التوصل إلى «اتفاق راسخ» وأنه «يعود (لإيران) أن تثبت للعالم أن برنامجها النووي سلمي»، ممتنعا عن الخوض في تفاصيل ما يعنيه.
ومن جانبه، حرص فابيوس الذي تحدث للصحافة عقب الاجتماع وإلى جانبه كيري، على استخدام العبارات نفسها التي استخدمها نظيره الأميركي بقوله: «هناك تقدم حصل في بعض المجالات، لكن هناك أيضا خلافات يتعين التغلب عليها.. وهناك أيضا عمل يجب أن يُنجز».
ومنذ عودة المفاوضات مع إيران في عام 2013، حرص الجانب الفرنسي، رسميا، على التأكيد على وحدة «5+1» في مواجهة إيران، وعلى «التماهي» بين المواقف الأميركية والفرنسية.
وقبل وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، وانطلاق المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، كانت باريس تلعب دور صلة الوصل. إلا أن المفاوضات السرية التي حصلت في العاصمة العمانية، من وراء ظهر الأوروبيين، ربيع عام 2013 بين الوفدين الإيراني والأميركي، أثارت ريبة فرنسية، إذ تخوفت باريس من أن تكون إدارة الرئيس أوباما تريد اتفاقا «بأي ثمن» من أجل تحقيق إنجاز دبلوماسي، أو للتوصل إلى «صفقة» مع إيران، ليس فقط بالنسبة للملف النووي، بل أيضا بالنسبة لموقع إيران وحجمها ومصالحها في الخليج والمنطقة بأسرها، بما تعتمل به من حروب ونزاعات.
من جهته، أعرب وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف عن تفاؤله باحتمال نجاح المفاوضات النووية، ورجح بأن يكون«نجاحها أقوى من فشلها». وحول التقارير التي نشرتها الصحف الأميرکية بشأن اتفاق الجانبين حول أجهزة الطرد المرکزي، أوضح ظريف في تصريحات صحافية بطهران، أمس، أن «هذا الاتفاق مرکب من عدة أجزاء لا بد أن تجتمع جميعها لتعطي المعني الحقيقي».
وأضاف ظريف في التصريحات التي أوردتها وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) أن «قضية تخصيب اليورانيوم تشمل عددا من الإجراءات، ولا يمكن الحديث عن تفاصيلها إلا بعد الاتفاق عليها». وعما إذا كان سيتم اعتماد الاتفاق النهائي کمعاهدة دولية للحيلولة دون انتهاكه من قبل الجانب الغربي، قال ظريف إن رفع عقوبات مجلس الأمن ليس قضية معقدة بل إنه بحاجة إلى إرادة سياسية».
وعن إمكانية التوصل إلى اتفاق حتى نهاية الشهر الحالي، أوضح ظريف أن «المفاوضات مستمرة، وطالما لم نصل إلى اتفاق بشأن مجمل التفاصيل فهناك احتمال للفشل أيضا».
وتابع: «في الوقت نفسه، فإن احتمال نجاح المفاوضات يتجاوز الـ50 في المائة، وهو أقوى من فشلها»، وقال: «الجانبان يدركان أن التوصل إلى اتفاق أحسن من فشل المفاوضات».
وتعتبر باريس أن موقفها المتشدد يعكس مخاوف البلدان الخليجية من أن يمكّن اتفاق غير راسخ إيران من التوصل إلى السلاح النووي أو إلى «الحافة النووية»، مما سيعني انطلاق سباق تسلح غير تقليدي في منطقة بالغة الحساسية، وفقدان الثقة باتفاقية منع انتشار السلاح النووي وبالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وأولها الوكالة الدولية للطاقة النووية. لكن مصادر فرنسية سياسية ترجح أن باريس «لن تذهب إلى حد المواجهة مع واشنطن»، لمنع التوصل إلى اتفاق رغم قاعدة الإجماع المعمول بها في إطار مجموعة الـ«5+1» وفي داخل الاتحاد الأوروبي، ورغم حق النقض (الفيتو) الذي تمتلكه فرنسا وتستطيع، نظريا، استخدامه في مجلس الأمن، حينما يصل إليه الملف الإيراني ورفع العقوبات المفروضة على طهران الذي لا يمكن أن يتم إلا بقرار جديد من المجلس.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.