بدء إدخال المساعدات الإغاثية إلى «اليرموك» تطبيقا لاتفاق يقضي بتحييد المخيم

التسوية بين المعارضة والنظام تتسع جنوب دمشق.. والأولوية «للحالات الصعبة»

بدء إدخال المساعدات الإغاثية إلى «اليرموك» تطبيقا لاتفاق يقضي بتحييد المخيم
TT

بدء إدخال المساعدات الإغاثية إلى «اليرموك» تطبيقا لاتفاق يقضي بتحييد المخيم

بدء إدخال المساعدات الإغاثية إلى «اليرموك» تطبيقا لاتفاق يقضي بتحييد المخيم

دخل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين أمس، مرحلة التسوية بين المعارضة والنظام، بإدخال قافلة من المساعدات الغذائية وإخراج نحو 50 مصابا جراء النقص بالغذاء والمرض، على أن يبدأ اليوم تنفيذ الاتفاق بين جميع الأطراف، القاضي بتحييد المخيم، وتسليم إدارة شؤونه للجنة الأهلية الوطنية الفلسطينية.
ودخلت قافلة مساعدات غذائية تتضمن 900 حصة تموينية إلى مخيم اليرموك في جنوب دمشق أمس، غداة إعلان المرصد السوري لحقوق الإنسان ارتفاع عدد القتلى جوعا فيه إلى 85 شخصا، نتيجة للحصار الخانق الذي فرضته القوات النظامية منذ 200 يوم. وأعلن المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كريس غونيس لوكالة الصحافة الفرنسية أن 900 حصة غذائية أدخلت أمس إلى اليرموك، مشيرا إلى أنه «وسط فوضى لا توصف، وزعت في الساعة الأولى من بعد الظهر 600 حصة».
وأفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) بـ«إدخال دفعة جديدة من المساعدات الغذائية إلى مخيم اليرموك في دمشق، تنفيذا للمبادرة السلمية الشعبية بدعم من الحكومة السورية للتخفيف من معاناة الأهالي المحاصرين في المخيم المختطفين من المجموعات الإرهابية المسلحة»، في إشارة إلى مقاتلي المعارضة الذين يسيطرون على غالبية أحياء المخيم.
وكانت «الأونروا» حمّلت السلطات المسؤولية عن منع قافلة الإمدادات التابعة لها من الوصول إلى المنطقة الأحد الماضي. وقبلها بأسبوعين عادت بعض قوافل الإغاثة من دون أن تتمكن من دخول المنطقة بعد تعرض القوة الحكومية المرافقة لإطلاق النار.
وأشار غونيس إلى أن هذه المساعدات تأتي بعد قافلة أولى دخلت المخيم في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، وتضمنت 139 حصة غذائية، مؤكدا أن هذا التوزيع «يشجعنا، أكان من المساعدات أو تعاون الأطراف على الأرض». وآمل أن «نتمكن من متابعة وزيادة مقدار المساعدات»، موضحا أن عدد الأشخاص المحتاجين لهذه المساعدات «يقدر بعشرات الآلاف، منهم 18 ألف فلسطيني بينهم نساء وأطفال».
ويستفيد من الحصص الغذائية التي دخلت إلى المخيم، 20 ألف فلسطيني من أصل 150 ألفا كانوا يسكنون المخيم قبل وصول المعارك العسكرية إليه في صيف 2012. ويفوق عدد السوريين المحاصرين في المخيم، عدد الفلسطينيين تقريبا، حيث يُرجح أن يكون عدد السوريين المحاصرين في الداخل، أكثر من 20 ألف سوري.
ولن تقتصر الإغاثة على هذه الدفعة من المواد الغذائية، إذ أكد أمين سر حركة فتح في لبنان فتحي أبو العردات لـ«الشرق الأوسط»، أن المواد التموينية «سيتواصل إدخالها إلى المخيم». ولفت إلى «التنسيق مع الأونروا والحكومة السورية لإدخال المزيد منها»، مشيرا إلى أن اللجان الفلسطينية «أعدت سيارات إسعاف لإجلاء 50 مريضا يعانون من مضاعفات نقص الغذاء»، لافتا إلى أن الحالات الصعبة «كان لها أولوية».
ويأتي إدخال المواد الإغاثية وإجلاء المصابين على دفعات من المخيم، تنفيذا لاتفاق عقد بين السلطات السورية والمعارضة والفصائل الفلسطينية لتحييد المخيم، يشبه إلى حد كبير الاتفاق الذي عقد بين المعارضة والنظام السوري في المعضمية (جنوب دمشق) وبرزة (شرق دمشق) خلال الشهرين الماضيين.
وقال أبو العردات إن الاتفاق «أنجز مع كل الأطراف، ويقضي بإدخال المواد التموينية إلى المخيم، فيما تتولى إدارة شؤونه لجنة أهلية وطنية تتألف من لجنة شعبية وفصائل فلسطينية ووجهاء المخيم»، مشيرا إلى أن الاتفاق يقضي أيضا «بتأمين خروج المسلحين الأجانب من المخيم، وتسوية أوضاع المسلحين السوريين بالاتفاق مع السلطات السورية، فيما يتولى المسلحون الفلسطينيون في أول مرحلة حراسة مداخل المخيم لمنع دخول مسلحين إليه».
ويجبر الاتفاق القوات الحكومية على تسهيل الإجراءات الأمنية على مداخل المخيم، وتسهيل حركة دخول وخروج السكان، وإتاحة المجال للقوات المولجة حماية مداخل المخيم، بتسهيل عبور المواد الغذائية.
وكان المخيم تحول إلى ساحة حرب، وانتقل إليه العديد من السوريين الذين حملوا السلاح ضد القوات النظامية. وشارك مسلحون فلسطينيون في القتال، بعضهم إلى جانب المعارضين، وآخرون إلى جانب القوات النظامية، لا سيما منهم عناصر الفصائل الموالية للنظام، أبرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة.
وتشبه هذا التسوية، إلى حد بعيد، الاتفاقات التي توصل إليه المعارضون والنظام السوري في منطقة المعضمية القريبة من مخيم اليرموك، والتي حيدت إلى حد كبير من المعارك العسكرية بعد تنفيذ الاتفاق. غير أن التسوية في اليرموك، لها وجه آخر، وسط إصرار الفصائل الفلسطينية على «تحييد المخيم عن الصراعات القائمة في البلاد»، كما قال أبو العردات: «إننا لمسنا خلال التواصل مع المسؤولين الفلسطينيين في اليرموك، ارتياحا لدى السكان، وإرادة على تحييد المخيم، لأن الناس ترغب في أن تمارس الحياة المدنية بعيدا عن الحصار والجوع».
وكان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، زكريا الآغا ترأس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وفدا التقى في سوريا نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، ومسؤول الأجهزة الأمنية اللواء علي مملوك، وحاز موافقة النظام السوري على «فتح ممر آمن للسكان لإدخال ما يحتاجه المخيم من مواد غذائية وأدوية بصفة عاجلة»، إضافة إلى «وضع آلية لتنفيذ مبادرة فلسطينية بخصوص إخلاء المخيم من السلاح والمسلحين تمهيدا لعودة النازحين إليه وإعماره».
وتسعى السلطات السورية، من خلال الحصار الذي تفرضه على المناطق المحيطة بدمشق، إلى الضغط على المعارضة لإبعاد المعارك عن محيط العاصمة. ونجحت دمشق في تحييد جنوب دمشق إلى حد كبير عن القتال، بعد توصلها إلى اتفاق مع المعارضة في المعضمية على إخراج المقاتلين منها، وإكمال محاصرتها لمنطقة داريا وبساتينها، ومواصلة قصفها بالبراميل المتفجرة، علما أن مصادر معارضة بارزة في داريا، أبلغت «الشرق الأوسط» أن فعاليات المدينة ترفض التوصل إلى اتفاق مع النظام، شبيه باتفاق المعضمية.
وتستكمل القوات الحكومية تصعيدها العسكري في أحياء القدم والتضامن وأطراف الحجر الأسود في جنوب دمشق، بموازاة حصارها، بهدف تأمين جنوب العاصمة من القصف، في حين تسعى لتنفيذ السيناريو نفسه في شرق العاصمة في الغوطة الشرقية، حيث استطاعت أن تتوصل إلى اتفاق مع المعارضة في حي برزة، يشيه اتفاق المعضمية، فيما تواصل حصارها لحي القابون، وتصعد عملياتها الحربية في جوبر الواقعة على الخط نفسه في محيط دمشق من الشمال.
وفي سياق أبرز التطورات الميدانية أمس، دارت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام ومقاتلي الكتائب الإسلامية والمقاتلة في محيط بلدة كفر حمرة بمدينة حلب شمال سوريا، في محاولة من الكتائب المناوئة لـ«داعش» للسيطرة على البلدة. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن سيارة مفخخة انفجرت منتصف الليلة قبل الماضية في حي بستان القصر بمدينة حلب، مما أدى لسقوط جرحى، بالتزامن مع قصف. وتجدد أمس القصف على الأحياء السكنية الخاضعة لسيطرة المعارضة من قبل الجيش النظامي باستخدام البراميل المتفجرة، وذلك استمرارا لحملة البراميل المتفجرة العنيفة التي بدأها الجيش النظامي منذ نحو شهر. وأودى القصف على ساحة حي قاضي عسكر بحياة 16 شخصا بينهم امرأة، إضافة إلى إصابة 30 آخرين بجروح متفاوتة، وفق ما ذكر مكتب «أخبار سوريا». وقُتل 10 أشخاص في حي طريق الباب إثر استهدافه بأحد البراميل، فضلا عن حدوث دمارٍ كبيرٍ في الأبنية السكنية والمحلات التجارية في المنطقتين. وطال القصف أمس كلا من حيي القاطرجي وكرم الطراب وطريق المطار الدولي.
وفي دير الزور، شنّ الطيران النظامي غارات جويّة استهدفت إحداها المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلّحة في المدينة، فيما استهدفت الغارتان الباقيتان ريف المدينة الشرقي. وتعرّضت كل من أحياء الحميدية والعرضي والشيخ ياسين إلى قصفٍ عنيف، بالتزامن مع اندلاع معارك عنيفة بين كتائب المعارضة والقوّات النظامية في حي الجبيلة. وأفاد مكتب «أخبار سوريا» عن تمكّن مقاتلي المعارضة من تفجير أربعة مقرّات نظامية في الحي، واستهداف مطار دير الزور العسكري بعدّة قذائف هاون.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.