الحكومة اللبنانية تتماسك أمام «لغم» شبعا.. و«حزب الله» يؤكد أنه غير معني بالتصعيد

رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في إيران من بيروت: نؤدي أدوارا استشارية في المنطقة

جنود إسرائيليون على جدار في الطرف الإسرائيلي من الحدود مع لبنان حيث بدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي (رويترز)
جنود إسرائيليون على جدار في الطرف الإسرائيلي من الحدود مع لبنان حيث بدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي (رويترز)
TT

الحكومة اللبنانية تتماسك أمام «لغم» شبعا.. و«حزب الله» يؤكد أنه غير معني بالتصعيد

جنود إسرائيليون على جدار في الطرف الإسرائيلي من الحدود مع لبنان حيث بدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي (رويترز)
جنود إسرائيليون على جدار في الطرف الإسرائيلي من الحدود مع لبنان حيث بدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي (رويترز)

يبدو أن الطرفين اللبناني والإسرائيلي نجحا حتى الساعة في استيعاب تداعيات العملية التي نفذها «حزب الله» في مزارع شبعا المحتلة وأدّت لمقتل جنديين إسرائيليين. ففيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون إن «حزب الله» بعث برسالة لإسرائيل عبر قوة الأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) تقول بأن الحزب غير معني بالتصعيد، تجنبت الحكومة اللبنانية الخوض في نقاش يهدد بتفجيرها حول الجهة التي تمتلك قرار الحرب والسلم في لبنان، مؤكدة الالتزام بالقرار الدولي 1701 الذي وضع حدا لحرب يوليو (تموز) 2006.
وعاد الهدوء إلى طول الحدود بين إسرائيل ولبنان بعد هجوم نفذه «حزب الله» يوم أول من أمس الأربعاء، مستهدفا دورية إسرائيلية في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، أدّى إلى مقتل إسرائيليين، أحدهما ضابط يقود سرية من لواء «عفعاتي». ورصدت وكالة الصحافة الفرنسية حالة تأهب في صفوف الجيش الإسرائيلي في المنطقة الحدودية، بينما أعيد فتح المدارس ومنتجع جبل الشيخ للتزلج بعد إغلاقه. ومن جهة لبنان، تمادى الطيران الإسرائيلي في خرق الأجواء اللبنانية خاصة في مناطق الجنوب.
وقال يعالون للإذاعة العامة الإسرائيلية إن «حزب الله» بعث برسالة لإسرائيل عبر قوة الأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) تقول إن الحزب غير معني بالتصعيد، وتابع «من وجهة نظرهم فإن الحادث انتهى». ولم يصدر أي تعليق من «حزب الله» على تصريحات يعالون باعتبار أنه ستكون هناك إطلالة وحديث مطوّل لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله اليوم في احتفال جماهيري في معقل «حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت «تكريما للشهداء الذين سقطوا في القنيطرة».
ونجح مجلس الوزراء اللبناني في جلسته يوم أمس في القفز فوق لغم جديد يهدد بتفجيره، فتفادى وزراء قوى 14 آذار الدخول في نقاش مع وزيري «حزب الله» بشأن عملية شبعا التي لم يعد فيها الحزب إلى الحكومة أو الأجهزة الأمنية المختصة قبل تنفيذها، مما يعيد طرح تساؤل كبير حول الجهة اللبنانية التي تمتلك قرار الحرب والسلم.
وقال وزير الإعلام رمزي جريج، في مؤتمر صحافي بعد انتهاء الجلسة الحكومية، إن «بعض الوزراء عرضوا مواقفهم من عملية شبعا في إطار نقاش هادئ حرصا على البلاد، وبعد استعراض المواقف نددت الحكومة بالاعتداءات الإسرائيلية، ودعت الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها».
وأكد المجلس الوزاري «حرصه على استتباب الأمن والاستقرار في الجنوب، وضرورة تفويت فرصة إسرائيل لجرّ لبنان إلى حرب»، مشددا على «موقف لبنان الملتزم بالقرار 1701 بكل مندرجاته، وتمسكه بدور اليونيفيل»، مقدما «التعازي إلى القيادة ومملكة إسبانيا في الجندي الذي قتل نتيجة القصف الإسرائيلي». وشدد جريج على «أهمية رص الصف الداخلي والابتعاد عما يسبب الفرقة، والتصدي للعدوان يتم بوحدة اللبنانيين».
وأشار وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس إلى أن كل الوزراء حاولوا خلال الجلسة الأخيرة تلافي احتدام الخلاف، لافتا إلى أن الكلام الأساسي كان لرئيس الحكومة الذي أكّد التزام لبنان بالقرار 1701 وبضرورة النأي بالبلاد عن أن تكون ساحة حرب. وأوضح درباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن سلام شدد على أن العملية التي نفذها «حزب الله» تمت في أرض محتلة، معتبرا أنه سبب كاف لضبط النفس، وقال «لقد أبلغنا رئيس الحكومة بأنه تباحث في الموضوع مع جهات دولية وعربية وداخلية لمنع توسيع نطاق الحادث». وأشار درباس إلى أن وزيري «حزب الله» قالا إنهما يتبنيان المواقف التي أطلقها سلام ولم يصدر عنهما أي تبرير. وشدّد درباس على وجوب تجنب جر لبنان إلى حقل الرماية السوري، وفي الوقت نفسه عدم التعويل على حسن النوايا الإسرائيلية.
وقال وزير شارك في الجلسة، لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثل حزب الكتائب وزير العمل سجعان قزي كان وحده من خرق الصمت حول العملية من الوزراء، قائلا إنه ما كان يجب الرد من لبنان، ولا يجب إدخاله في لعبة المحاور، ومشددا على أن لبنان لا يمكن أن يذهب إلى حرب من دون إرادة أبنائه، لكن وزيري الحزب التزما الصمت ولم يردا عليه، فلم يستجلب التعليق أي أخذ ورد، خصوصا أنه أدلى بموقفه هذا بهدوء ومن دون انفعال أو اتهام.
وقال قزي لوكالة الصحافة الفرنسية إن الحكومة اللبنانية «تلقت تطمينات من دول كبرى بأن إسرائيل لن تصعد الوضع العسكري في الجنوب وستكتفي على الأقل حاليا بالرد الذي حصل». لكنه أكد أنها «ليست ضمانات بالنسبة لنا، لأنه لا يمكن الركون إلى الوعود الإسرائيلية ولا حتى إلى وعود الدول الكبرى».
ومن جهته، قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق ياكوف أميدرور، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «مخاطر التصعيد ضعيفة إن لم تكن شبه معدومة». وبحسب أميدرور فإن «الطرفين غير معنيين بعملية كبيرة»، موضحا أنه من «الأكثر إلحاحا» لـ«حزب الله» مواصلة القتال في سوريا بجانب جيش الرئيس بشار الأسد من أجل الحفاظ على «قاعدة خلفية» في سوريا. وأضاف «كل ما يأتي من إيران يمر عبر سوريا» بما في ذلك الصواريخ التي استخدمت في هجوم الأربعاء.
في هذا الوقت، وصل رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في إيران علاء الدين بروجردي إلى بيروت مترئسا وفدا إيرانيا سيشارك في «احتفالات تكريم شهداء القنيطرة»، الذين قضوا في هجوم إسرائيلي استهدف إحدى مجموعات «حزب الله» الأسبوع الماضي في القنيطرة السورية. وقال بروجردي في مؤتمر صحافي من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، إن إيران قد «آلت على نفسها الوقوف دائما إلى جانب خط المقاومة، وهي تولي أهمية كبيرة لحفظ الأمن والهدوء والاستقرار والسيادة في الجمهورية اللبنانية الشقيقة، ولاستتباب الأمن والهدوء في ربوع المنطقة بشكل عام». وأشار إلى أن «العدوان الأخير على منطقة القنيطرة يدل على أن الكيان الصهيوني لا يقف عند خط أحمر في إجرامه واعتداءاته»، لافتا إلى أن «إيران شعرت بالأسف والحزن تجاه سقوط هؤلاء الشهداء». وذكر أن «الشهيد الإيراني العميد دادي قد قضى في سبيل الله»، مشيرا إلى أن إيران «تؤدي أدوارا استشارية في المنطقة من خلال حضور هؤلاء الشهداء، لأن إيران تنتمي إلى مدرسة تجل وتكرم الشهادة».
وقالت الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ إن المعنيين في الأمم المتحدة يتواصلون مع جميع الأطراف لـ«تهدئة الوضع ولتأكيد أهمية الاستقرار والأمن وترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان». وأضافت كاغ خلال زيارتها النائب بهية الحريري «هناك عدد من التحديات التي تواجه لبنان وتهدد استقراره والتي يجب معالجتها، والأزمة الإقليمية لا ينبغي أن تؤثر أكثر على لبنان».
ومع هدوء الجبهات، ارتفعت أصوات قوى 14 آذار المستنكرة لإمساك «حزب الله» بقرار الحرب والسلم، وهو ما عبّرت عنه الأمانة العامة لهذه القوى في اجتماع استثنائي عقدته يوم أمس، مشددة على أن «لبنان لا يحكم عبر موازين قوى تفرضها دوائر القرار الإقليمية والسلاح غير الشرعي، إنما يحكم بالقانون والدستور والمؤسسات الشرعية وعكس ذلك لن يكون لبنان».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.