تواصل الجدل في الإعلام الروسي حول رسوم «شارلي إيبدو»

لافروف: الرسوم تفتقر إلى الذوق واللياقة.. وتخرج على المواثيق الدولية

«مليونية» جمعت ممثلي مختلف الأديان والتوجهات في العاصمة غروزني على وقع تعالي الهتافات والتكبير «الله أكبر.. الله أكبر»
«مليونية» جمعت ممثلي مختلف الأديان والتوجهات في العاصمة غروزني على وقع تعالي الهتافات والتكبير «الله أكبر.. الله أكبر»
TT

تواصل الجدل في الإعلام الروسي حول رسوم «شارلي إيبدو»

«مليونية» جمعت ممثلي مختلف الأديان والتوجهات في العاصمة غروزني على وقع تعالي الهتافات والتكبير «الله أكبر.. الله أكبر»
«مليونية» جمعت ممثلي مختلف الأديان والتوجهات في العاصمة غروزني على وقع تعالي الهتافات والتكبير «الله أكبر.. الله أكبر»

كانت موسكو ولا تزال من أشد الحريصين على عدم تكدير صفو السلم الاجتماعي والحفاظ على مشاعر ومعتقدات مواطنيها بغض النظر عن العرق أو الجنس أو اللون.
ضبطت إيقاع حركة المجتمع بعيدا عن «شطحات» مدعي الدفاع عن «حرية التعبير» و«حقوق الإنسان»، ممن يتناسون البدهية القائلة بأن حقوق أي إنسان تنتهي حيثما تبدأ حقوق الآخر.
هذا ما أوجزته موسكو الرسمية فيما صدر عنها من مواقف وتصريحات تؤكد ذلك، وإن خرجت عن «الصف» بعض القنوات الإعلامية مثل صحيفة «نوفايا غازيتا» وإذاعة «صدى موسكو»، وهما معروفتان بتوجهاتهما الليبرالية والشديدة التطرف.
عادت موسكو لتؤكد موقفها الرسمي من مسألة التطاول على المشاعر الدينية، وما يتعلق ضمنا بما نشرته المطبوعة الباريسية «شارلي إيبدو» من رسوم مسيئة للرسول.
وكانت العاصمة الروسية سبق وسجلت مثل هذا الموقف بما في ذلك تجاه هذه القضية أكثر من مرة وفي غير مناسبة. ولم يكن ما قاله سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية في مؤتمره الصحافي السنوي الذي عقده الأسبوع الماضي سوى تأكيد جديد على موقف قديم.
وقال لافروف ردا على سؤال لمراسل صحيفة «فيغارو» الفرنسية: «إن المواقف من قضية (شارلي إيبدو) ذات أبعاد متباينة؛ فالإرهاب وقبل كل شيء أمر غير مقبول في أي من صوره وبغض النظر عن المبررات أيا كانت. وذلك موقف قانوني دولي مسجل في الكثير من قرارات مجلس الأمن. أما فيما يخص الرسوم الكاريكاتيرية وبوجه عام سلوك الصحافيين تجاه ما يتعلق بمضامينه الدينية، وهنا أعبر عن رأي شخصي، أقول إنها تفتقر إلى الذوق واللياقة. لكن هناك موقف القانون الدولي الذي عكسته الكثير من المعاهدات والاتفاقيات، ومنها الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص على أن كل ما من شأنه إثارة الكراهية القومية، أو العرقية، أو الدينية، أو أي دعوة تحض على التفرقة أو العداء أو العنف محظور بحكم القانون. وينص هذا الميثاق أيضا على أن حق التعبير عن الرأي يفرض بالتبعية التزامات خاصة ومسؤوليات محددة، وذلك يعني أن ذلك مرتبط ببعض القيود التي حددها القانون وتعتبر ملزمة لاحترام حقوق الشخصيات الأخرى ومكانتها، ولحماية أمن الدولة والنظام الاجتماعي وصحة المجتمع وأخلاقياته».
ومضى لافروف ليشير إلى «أنه لا يتفق مع زملائه الذين قالوا له إنه لا قيود على حرية الكلمة؛ فالقيود موجودة وتتعلق بعدم مشروعية، وكما قلت تتعلق بشكل مباشر بعدم مشروعية كل ما من شأنه الحض على التناقضات الدينية».
ما قاله لافروف يؤكد حقيقة لا مراء فيها، وهي أن «إرهاب المجتمع المعاصر هو نتاج طبيعي لمشكلات هذا المجتمع نفسه». وقد أكدت وقائع الماضي والحاضر أن هذه المقولة تتفق مع المقولة الفلسفية القديمة: «المقدمات تحكم النتائج». وهنا تسقط الأقنعة لتكشف عن واقع مرير يقول بمسؤولية من يرفع اليوم راية مواجهة الإرهاب وهو الذي كان حتى الأمس القريب أحد أسباب ظهوره قبل أن يتحول إلى واحد من أهم مصادر دعمه ورفده ماديا وبشريا، ليؤكد حقيقة جديدة مفادها أن الإرهاب لم يعد تهمة تنفرد بها الشعوب ذات التوجهات الإسلامية، ولم يعد قاصرا على أبناء الطبقات الفقيرة التي يدفعها العوز والحاجة إلى التمرد والالتحاق بكتائب الإرهاب.
«من زرع حصد».. هذا ما راحت تزعق به معظم وسائل الإعلام الروسية وعدد من أبرز ممثلي الأوساط السياسية ممن يقفون اليوم على طرفي نقيض من أصحاب شعارات الليبرالية والديمقراطية الذين لا يكفون عن التشدق بعبارات الدفاع عن «حرية التعبير» دون مراعاة تطاول مثل هذه «الحرية» على حقوق الآخر.
وكانت قضية «شارلي إيبدو» أشعلت الجدل بين صفوف الإعلاميين والسياسيين، الذين وقف أغلبهم في موسكو إلى جانب إدانة التطاول على مشاعر الآخرين ومعتقداتهم. وتحسبا لاحتمالات إغراق بعض المتدينين في العداء لكل من يتجرأ على التطاول على مكانة الرسول الكريم، وإهانة الرموز الدينية ليس للمسلمين وحسب، بل وأيضا لبقية أشياع الديانات السماوية والوضعية، وانطلاقا من قناعة ويقين بكل ما صدر من قوانين ومواثيق دولية تحظر التطاول على المعتقدات الدينية والمشاعر القومية، حرصت موسكو على المسارعة بإعلان موقفها من قضية الرسوم المسيئة للرسول، بموجب ما سبق وأصدرته من قوانين بهذا الشأن.
لم تخرج جماهير موسكو إلى مقر السفارة الفرنسية في مظاهرات ومسيرات شجب وتنديد كعهدها في سابق الأوان، حين وقعت أحداث مماثلة في مختلف العواصم والمدن الغربية. اقتصرت المشاركة على بضع عشرات معظمهم من الفرنسيين، في الوقت الذي كان فيه آخرون يرفعون اللافتات التي منها ما يدين إهانة الرموز الدينية. كما سارعت الشرطة الروسية باعتقال اثنين كانا يرفعان على مقربة من الميدان الأحمر لافتة تقول: «أنا شارلي»، في الوقت الذي غضت فيه الطرف عن حاملي لافتات تقول: «إن الجناة يستحقون ما جرى لهم».
إزاء مثل هذا التباين في الرؤى والمواقف وتحسبا لاحتمالات اندلاع مواجهات لا تحمد عقباها، رفضت سلطات العاصمة الروسية التصريح بمظاهرة لمسلمي موسكو في ساحة ساخاروف، الموقع المفضل لإقامة مظاهرات الليبراليين وذوي التوجهات الغربية.
ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي بهذا الصدد اكتفت مصادر منظمي هذه المظاهرة بنقل ما جرى تسريبه من معلومات تقول إن العدد الذي كان من المقرر أن يشارك فيها كان يزيد على 100 ألف في الوقت الذي لم تجد فيه سلطات المدينة من منظمي المظاهرة من تتوفر له خبرات الحفاظ على النظام والتحكم في مسار المشاركين وتوجهاتهم.
على أن ذلك لم يمنع سلطات الكثير من جمهوريات شمال القوقاز إلى الخروج إلى الشوارع وميادين عواصم تلك الجمهوريات في مظاهرات حاشدة تزعمها رؤساء وقيادات تلك الجمهوريات احتجاجا على رسوم «شارلي إيبدو» وسياسات الكيل بمكيالين التي تنتهجها العواصم الغربية تجاه هذه القضية.
ومن اللافت أن الكثير من أجهزة الإعلام الروسية الرسمية وشبه الرسمية اتخذت موقفا مؤيدا لهذه المسيرات والمظاهرات في الوقت الذي اتسمت فيه تعليقاتها على مسيرة باريس التي شارك فيها عدد من زعماء البلدان الغربية وممثلو البلدان الأجنبية، بما فيها روسيا، بكثير من البرود، بل والسخرية من بعض المشاركين فيها دون الإشارة بالاسم إلى أي منهم، وهم المتهمون بالإرهاب، مثل بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية.
وراح الكثيرون من المراسلين ومحرري تلك القنوات التلفزيونية والصحف الروسية يستعيدون بعض مشاهد الماضي القريب الذي طالما شهد تمويل تلك البلدان، بل وغضها الطرف عن مشاركة مواطنيها في المنظمات الإرهابية، ومنها تنظيم داعش. وقد تصدرت القنوات الرسمية وشبه الرسمية حملة انتقاد الرسوم المسيئة للرسول من منطلق أنها تثير مشاعر العداء الديني والطائفي وتتطاول على حقوق الغير في معتقداته الدينية.
وفي هذا الصدد أكدت قناة «لايف نيوز» وصحيفة «كومسومولسكايا برافدا» المعروفتان بمواقفهما القريبة من الكرملين أن «لا أحد يملك حق إهانة مشاعر المؤمنين وأن الصحافيين الفرنسيين جنوا ما اقترفت أياديهم». بل ونقلت تساؤلات البعض حول احتمالات تورط عناصر خارجية في هذه العمليات الإرهابية، ربما استعدادا لحملات مماثلة لما سبق وقامت به واشنطن وحلفاؤها في أفغانستان والعراق وليبيا.
ومن هذا المنظور كشف الحادث الإرهابي الأخير عن حقيقة مواقف الكثير من الفصائل والمنظمات السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني في روسيا وتوجهاتها، بعد أن صار فرصة جديدة للكشف عن الخط الفاصل في المجتمع الروسي بين المنظمات اليمينية ومنظمات المجتمع المدني المعروفة بارتباطاتها الخارجية ومصادر تمويلها الأجنبية، إلى مواقف زعماء البلدان الأوروبية ممن تزعموا مسيرة باريس، وبين المتشددين القوميين، ورجال الدولة من المعروفين بتوجهاتهم المناهضة للغرب وضرورة التزام روسيا بما سبق وأصدرته من قوانين سبق وأشرنا إليها.
وننقل عن أرتيومي ترويتسكي الذي كتب في صحيفة «نوفايا غازيتا» اليمينية المعارضة يقول: «إن ردود الفعل على رسوم (شارلي إيبدو) أظهرت المجتمع الروسي وكأنه دولة إسلامية»، رغم علمانية الدولة، ومحاولات تصويرها بوصفها دولة تعتنق المسيحية الأرثوذكسية، على حد تعبيره.
ومن اللافت في هذا الصدد أن أيا من وسائل الإعلام اليمينية لم يتجاسر على المضي إلى ما هو أبعد من التأييد اللفظي لموقف «شارلي إيبدو» وتوجهاتها ومن ناصرها من مواطني وزعماء البلدان الغربية، حيث لم نجد أيا منها استجاب لدعوة الملياردير اليهودي ميخائيل خودوركوفسكي المقيم في الخارج بعد الإفراج عنه من سجون روسيا، حول «إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول التي نشرتها (شارلي إيبدو)» تعبيرا عن التضامن مع المطبوعة الفرنسية.
غير أن هناك أيضا من تجاسر وخرج على الملأ مرتديا قميصا (تي شيرت) مكتوب عليه بالفرنسية «جي سوي شارلي» (أنا شارلي) مثل ألكسي فينيديكتوف رئيس تحرير إذاعة «صدى موسكو» المعروفة بميولها الموالية للغرب ولإسرائيل، وعدد من موظفيها، في تحد صارخ للمجتمع ومسلميه، وللرئيس الشيشاني قادروف الذي اتهمهم بأنهم «صاروا بوقا معاديا لروسيا وللإسلام».
وكان الكرملين وقف مؤيدا في صمت لكل ما صدر عن ديمتري روغوزين نائب رئيس الحكومة الروسية والرئيس الشيشاني رمضان قادروف. وفيما كان روغوزين اكتفى بتغريدة على موقع «تويتر» يقول فيها: «الإرهاب شر، لا توجد مبررات له. لكن لا يجوز استبدال حرية الكلمة بحرية إهانة المشاعر العميقة للناس»، مضيى الرئيس الشيشاني إلى ما هو أبعد من تصريحاته التي ندد فيها ليس فقط بما صدر عن الغرب من تصريحات ومواقف، وأدان أنصار هذه التوجهات في الداخل ومنهم ألكسي فينيديكتوف رئيس تحرير إذاعة «صدى موسكو»، ليخرج على رأس «مليونية» جمعت ممثلي مختلف الأديان والتوجهات في العاصمة غروزني على وقع تعالي الهتافات والتكبير «الله أكبر.. الله أكبر»، معلنا أن مسلمي روسيا يعلنون أنفسهم مدافعين غيورين ضد كل من يتطاول ويسيء إلى مشاعر المسلمين ورموزهم المقدسة.
ونقلت وكالة أنباء «إيتار تاس» ما كتبه قادروف في موقع «إنستاغرام»: «حان الوقت لنعلن موقفنا من تصرفات الصحافيين الفرنسيين اللاأخلاقية. نحن نحترم الأديان كافة، إلا أننا لن نسمح لأحد بالإساءة للإسلام وإهانة الرسول الكريم، وسنتصدى لكل من يحاول التطاول على مشاعر المسلمين».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».