«شارلي إيبدو» وإسرائيل و«الحق الذي يراد به باطل» في الإعلام الروسي

تركيز على دور الغرب في مغازلة المنظمات الإرهابية منذ الغزو السوفياتي لأفغانستان

ناشطة روسية تحمل لافتة أمام السفارة الفرنسية في العاصمة باريس أول من أمس.. تقول فيها: «الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية الكارثة» («الشرق الأوسط»)
ناشطة روسية تحمل لافتة أمام السفارة الفرنسية في العاصمة باريس أول من أمس.. تقول فيها: «الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية الكارثة» («الشرق الأوسط»)
TT

«شارلي إيبدو» وإسرائيل و«الحق الذي يراد به باطل» في الإعلام الروسي

ناشطة روسية تحمل لافتة أمام السفارة الفرنسية في العاصمة باريس أول من أمس.. تقول فيها: «الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية الكارثة» («الشرق الأوسط»)
ناشطة روسية تحمل لافتة أمام السفارة الفرنسية في العاصمة باريس أول من أمس.. تقول فيها: «الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية الكارثة» («الشرق الأوسط»)

الحادث الإرهابي الآثم الذي وقع في مقر الأسبوعية الباريسية «شارلي إيبدو» فرض نفسه على الخريطة الإعلامية في روسيا طيلة الأيام الأخيرة، ليس فقط لأنه احتل صدارة كل النشرات والبرامج الإخبارية الروسية، بل وأيضا لأنه كشف عن حقيقة توجهات عدد من الشخصيات العامة ممن كانوا حتى الأمس القريب ملء السمع والبصر. كما أن هذا الحادث أماط اللثام كذلك عن كثير من الحقائق، وإن كانت تتسم بأكبر من البداهة فإنها تؤكد مدى زيف مواقف الغرب تجاه مكافحة الإرهاب ومعاييره المزدوجة بعد أن انقلب السحر على الساحر.
وبعيدا عن تفاصيل هذا الحادث المأساوي الكارثي التي غدت تفاصيله في متناول الجميع خلال الأيام الأخيرة، نتوقف بالمزيد من غيرها، عند ما عادت وسائل الإعلام الروسية لتقوله حول مسؤولية الغرب تحديدا تجاه وقوع مثل هذه الأحداث، وهو الذي سبق ووقف وراء ظهور التيارات والتنظيمات الإرهابية لتصفية حسابات سياسية مع كل من اتخذ منه، ومن توجهاته ومخططاته موقف العداء. ولعله يكون من المناسب هنا الإشارة إلى تركيز المعلقين والمراقبين في موسكو ممن انبروا لتحليل أبعاد وخلفيات الحادث الإرهابي الأخير، على الدور المريب الذي تلعبه الأجهزة الغربية في مغازلة ودعم هذه التنظيمات الإرهابية الإجرامية التي تحرص على تشكيلها ورعايتها لتنفيذ مآرب ذاتية.
قال هؤلاء بالمسؤولية المباشرة للغرب وحكوماته التي كانت أول من ساهم في تشكيل وتدريب المجموعات والتنظيمات الإرهابية تحت ستار ما سمي آنذاك بمواجهة الغزو السوفياتي في أفغانستان. وأعاد هؤلاء إلى الأذهان افتتاح معسكرات تدريب «المتطرفين» في عدد من البلدان العربية وتسليحها بأسلحة سوفياتية؛ مما سبق وأمدت موسكو بها بلدانا عربية بعينها كانت تربطها معها «علاقات استراتيجية طيبة»، وعلى أيدي مدربين عسكريين أميركيين وغربيين للدفع بها إلى أفغانستان عبر الحدود الباكستانية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، بتمويل مباشر من بعض البلدان العربية والإسلامية، وطبعا الغربية.
وأشار هؤلاء المراقبون إلى ظهور طالبان و«القاعدة»، ولم يستثنوا من ذلك حماس التي قالوا إنها ظهرت لضرب منظمة التحرير الفلسطينية والتصدي لنفوذ حركة فتح في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومضى هؤلاء أيضا لتذكير المشاهدين والمستمعين بما فعل «رفاق الأمس» في الشيشان وشمال القوقاز حين قاموا بتمويل كتائب المتطرفين للدفع بها إلى جنوب روسيا للإجهاز على ما بقي من وحدة أراضي الاتحاد السوفياتي السابق في تسعينات القرن الماضي تحت شعارات «مواجهة الكافرين». وانتقل هؤلاء إلى الماضي القريب الذي شهد انحياز الغرب إلى «الإخوان المسلمين» في مصر والشام، ومناصبة النظام الجديد في مصر العداء، ووقوفه وراء دعم وتسليح تنظيمات «جبهة النصرة» و«داعش».
إذن المسألة هنا لم تكن دفاعا عن مبدأ أو عقيدة، ولم تكن إعلاء لقيم حرية الكلمة وحق الإنسان في التعبير عن معتقداته وآرائه. قالت موسكو إن المسألة وباختصار تكمن في البحث عمن يتولى أعباء «تنفيذ السياسات والمخططات»، الرامية إلى إثارة الاضطرابات والفرقة في بلدان الشرق الأوسط الكبير بعد تبدي بوادر فشل «ثورات الربيع العربي» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأشارت أيضا إلى أن الكثيرين من مواطني البلدان الغربية، وخصوصا من فرنسا وبريطانيا، كانوا سارعوا بالانضمام إلى «داعش» عبر الأراضي التركية تحت سمع وبصر حكومات تلك البلدان، ودون اعتبار لقيم أو مبادئ أو تقدير لما سوف يكون الحال عليه في المستقبل، أو لما سبق وعاشته المنطقة بعد خروج السوفيات من أفغانستان.
ومن اللافت أن كثيرا من المراقبين والإعلاميين ورجال السياسة في موسكو بدوا أكثر انحيازا لعدالة ما تقوم به إسرائيل لمواجهة الإرهاب من خلال ملاحقة ذوي المتهمين بالتورط في أي عمليات إرهابية وتدمير منازلهم واعتقالهم ومحاسبتهم على ما ارتكبه أبناؤهم من جرائم أو عمليات إرهابية.
ورغم اعتراف الجميع بأن ذلك من الصعب تطبيقه في أوروبا؛ حيث تسود أكثر مبادئ العدالة وإعلاء حقوق الإنسان، فإنهم يظلون عند إعجابهم وتقديرهم لـ«الممارسات الإسرائيلية» ضد الإرهابيين والتخريبيين، على حد قولهم.
وبغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية لحكومات الدول الغربية تجاه ظهور مثل هذه التنظيمات والأفكار الإرهابية، فإن ما جرى في باريس في مقر مجلة «شارلي إيبدو» لا يمكن أن يكون مبررا لتجاوز هنا أو هناك من جانب صحافيين أو إعلاميين سمحوا لأنفسهم باستخدام حقهم في التعبير دون اعتبار لمشاعر آخرين. هكذا يقول بعض المتعقلين من ممثلي الأوساط الدينية في العاصمة الروسية وفي عدد من أرجاء المناطق ذات الأغلبية السكانية الإسلامية ومنها الشيشان وشمال القوقاز. ولذا كان طبيعيا أن يحتدم الجدل حول ما نقلته الصحافة الروسية عن ميخائيل خودوركوفسكي الملياردير اليهودي صاحب شركة «يوكوس» النفطية الذي أفرج عنه الرئيس فلاديمير بوتين في ديسمبر (كانون الأول) من العام قبل الماضي، بعد قضائه ما يربو على 10 سنوات في السجون الروسية. فقد ناشد خودوركوفسكي الصحافيين والإعلاميين نشر المزيد من الصور المسيئة للرسول، ونقلت عنه وكالة «ريا نوفوستي» قوله: «إنه إذا كان الصحافيون يستحقون الاحترام، فلن نرى غدا صحيفة واحدة دون الرسوم المسيئة للنبي».
وما أن نشرت المواقع الروسية هذه التصريحات التي نسبتها إلى خودوركوفسكي ودعوته حول نشر المزيد من الصور المسيئة للرسول، حتى بادر الرئيس الشيشاني رمضان قادروف إلى الرد عليه بقوله: «إن خودوركوفسكي يعلن بذلك نفسه عدوا لكل العالم الإسلامي، وبالتالي لي شخصيا».
ومضى قادروف ليقول إنه على يقين من أنه يوجد في سويسرا الآلاف من المواطنين الملتزمين بالقانون القادرون على محاسبة «المجرم الهارب» بموجب القانون، مؤكدا أن الحساب سوف يكون عسيرا. وحول الموضوع نفسه نقلت مصادر المركز الصحافي للبرلمان الشيشاني عن دوكوفاخا عبد الرحمنوف قوله: «إن خودوركوفسكي وعلى ما يبدو كان لا يزال ثملا، أو لم يفق بعد من نومه حين راح ينصب نفسه عدوا لمليار ونصف المليار من المسلمين»، وهو ما اعتبرته بعض الأوساط السياسية دعوة مباشرة إلى النيل من خودوركوفسكي، ومحاسبته جزاء ما يروج له من أفكار، سرعان ما وجدت طريقها إلى التنفيذ، وإن لم يكن ذلك استجابة مباشرة لما دعا إليه خودوركوفسكي.
ومن اللافت أن إذاعة «صدى موسكو» المعروفة بميولها الليبرالية، بل والموالية لإسرائيل والغرب، أعلنت عن استطلاع رأي مستمعيها حول مشروعية الرسوم المسيئة للرسول، وهو ما سارع الرئيس الشيشاني قادروف بالرد عليه، مؤكدا عدم عقلانية مثل هذا السلوك من جانب رئيس تحرير الإذاعة ألكسي فينيديكتوف، واعتبار ذلك إهانة لمسلمي روسيا. وقال قادروف إن ذلك يمكن أن يبث الفرقة والفوضى والاضطرابات في روسيا، مشيرا إلى أن فينيديكتوف حوّل إذاعة «صدى موسكو» إلى «بوق معاد للإسلام» وأن مسلمي روسيا يلاحظون ذلك منذ أمد بعيد، وأن مجموعة من الصحافيين متخصصين في مثل هذا الموضوع لا شيء يربطهم بروسيا. ومضى الرئيس الشيشاني ليطالب السلطات الروسية بالقيام بدورها وإلا «فإن مسلمي روسيا ممن هم مهمومون بمصير الوطن لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تصرفت فينيديكتوف وإذاعته». وذلك تهديد صريح لا لبس فيه، لمجموعة من الإعلاميين الذين يتخندقون في إذاعة «صدى موسكو» التي سبق ووقعت في شرك «معاداة مسلمي روسيا».
وكان موقع «صوت روسيا» الناطق بالعربية أشار، في معرض تعليقه على ما شهدته بعض المساجد وأماكن العبادة في فرنسا من هجمات متفرقة، إلى أن «الاعتداءات التي يعتقد بأنها من فعل متطرفين يمينيين ردا على الهجوم على مجلة (شارلي إيبدو)، تظهر حالة التوتر التي تشهدها فرنسا، والخلط الذي يقوم به اليمين المتطرف بين الإسلام والمسلمين وبين المتطرفين الذين نفذوا الهجوم الإرهابي. وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد حذر من هذا الخلط، ودعا إلى توحد الفرنسيين، وهو الموقف الذي عبرت عنه غالبية الأحزاب الفرنسية».
ومن اللافت أن الكرملين كان أول من أعرب عن احتجاجه ومواساته تجاه ذلك الحادث الإرهابي، حيث قال دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسمه، إن «الرئيس فلاديمير بوتين بادر بالاتصال بنظيره الفرنسي فرنسوا هولاند ليعرب له عن تعازيه لذوي وأقارب ضحايا الهجوم الإرهابي». وقال بيسكوف: «إن بوتين يندد بشدة بأي شكل من أشكال الإرهاب»، مضيفا أن «الإرهاب لا يملك أي تبريرات»، بينما نقل عنه قوله «إن محاربة الإرهاب تتطلب التعاون المتعدد الأوجه بين كل دول العالم»، مشيرا إلى أنه «لا تستطيع أي دولة وحدها قتال هذا الشر». ومن جانبه سارع سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية إلى الاتصال بنظيره الفرنسي لوران فابيو ليؤكد له موقف موسكو من ضرورة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
على أن ذلك كله لم يمنع وجود ذوي الرأي الآخر من «النشطاء الأرثوذكس» في موسكو ممن خرجوا للتظاهر أمام سفارة فرنسا في موسكو يحملون اللافتات التي تدعو إلى محاسبة المطبوعة الباريسية الساخرة. وقال هؤلاء إن رسامي وصحافيي «شارلي إيبدو» لم يكتفوا بإهانة مشاعر المسلمين بل سبق وقاموا بنشر الصور المسيئة للسيد المسيح وغيره من الرموز المقدسة الأخرى. ونقل موقع «نيوز رو» الإلكتروني في موسكو ما قاله دميتري أنتيو زعيم منظمة «إرادة الرب» حول أنه «يجب إنزال أقسى صنوف العقاب بهؤلاء، لكن بموجب القانون». وقال أنتيو إنه «على يقين من أن كل من يتطاول على إهانة الرموز الدينية سواء كانت المسيحية أو الإسلامية لا بد أن يحاسب فورا، وبكل الصرامة والقوة».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».