أسئلة حول انهيار أسعار النفط والعملة الروسية

الحقائق الاقتصادية تدحض نظرية المؤامرة

أسئلة حول انهيار أسعار النفط والعملة الروسية
TT

أسئلة حول انهيار أسعار النفط والعملة الروسية

أسئلة حول انهيار أسعار النفط والعملة الروسية

أمس كان يوما سيئا لكل البلدان المنتجة للنفط، فلقد هوى سعر نفط برنت الذي يتم على أساسه تسعير نصف النفط المنتج في العالم إلى ما دون 60 دولارا، وهو مستوى لم ترَه السوق منذ منتصف عام 2009، لينضم بذلك إلى خام غرب تكساس الذي هبط هو الآخر إلى ما دون 55 دولارا.
وامتد ضرر هبوط الأسعار ليشمل العملات أيضا، فكانت الكرونة النرويجية الخاسر الأكبر بين العملات الرئيسية بعد أن هبطت عملة النرويج الغنية بالنفط لأدنى مستوياتها في ما يزيد على 10 سنوات مقابل الدولار، وتراجعت عن مستوى التكافؤ مع نظيرتها السويدية، وذلك للمرة الأولى في نحو 15 عاما. وواصل الروبل عملة روسيا، أكبر بلد منتج للنفط في العالم، هبوطه أمام الدولار واليورو أمس في الجلسة المسائية في موسكو، ونزل عن 80 روبلا للدولار و100 روبل لليورو لأول مرة.
وفي الخليج لم يشمل الضرر العملات التي ترتبط معظمها بالدولار القوي هذه الأيام ولكنه شمل مداخيل الدول وأسواق الأسهم التي فقدت مئات المليارات من قيمتها السوقية هذا الأسبوع.
فمن يقف وراء كل ما يحدث لأسعار النفط والعملات؟ وهل كل هذا جزء من مخطط سياسي عالمي كبير أم مجرد ظروف اقتصادية؟
يؤمن كثيرون بأن ما يحدث في الأسواق اليوم هو جزء من مخطط سعودي أميركي لضرب الاقتصاد الروسي والإيراني لتقويض نفوذ الأولى وإخضاع البرنامج النووي للثانية. ويبني أصحاب نظرية المؤامرة هذه نظريتهم على أساس ما حدث في الثمانينات عندما هبطت أسعار النفط بعد أن خاضت السعودية حرب أسعار شرسة مع باقي منتجين أوبك أدت إلى تفكك الاتحاد السوفياتي.
وحتى من قبل أن يدخل وزير البترول السعودي علي النعيمي في يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إلى مبنى الأمانة العامة لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) الواقع على شارع هيلفرشتروفر شتراسه في وسط العاصمة النمساوية لحضور الاجتماع العادي رقم 166 للمنظمة، وأصحاب نظرية المؤامرة هذه يجزمون أن السعودية ستسعى لإبقاء إنتاج المنظمة كما هو حتى تهبط أسعار النفط وتضرب اقتصاد روسيا وإيران في مقتل.
وامتدت نظرية المؤامرة كذلك لتشمل تآمر السعودية وباقي أوبك لإسقاط النفط الصخري، معتبرين أنه العدو اللدود الأول الذي يجب على أوبك أن تقضي عليه في مهده قبل أن يستفحل ويلحق بها ضررا كبيرا كما حدث في الثمانينات مع نفط بحر الشمال والذي بسببه هبطت أسعار النفط وفقدت أوبك جزءا من حصتها السوقية.

* سوق متشبعة بالنفط
* إلا أن الواقع الاقتصادي يقول شيئا مختلفا تماما لا ينظر إليه أو قد لا يفهمه أصحاب نظرية المؤامرة، وهو أن الذي يتحكم بأسعار النفط اليوم السوق لا السعودية ولا أوبك. وحتى السعودية (وأوبك) لا تستطيع سوى أن تؤثر في السعر، فهي اليوم لا تتحكم سوى في ما يقارب أقل من ثلث الإنتاج العالمي للنفط والبالغ في الشهر الماضي 94 مليون برميل يوميا بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، بينما كانت أوبك في الثمانينات تتحكم في ما يقارب من 50 في المائة من الإنتاج العالمي.
والواقع الاقتصادي يظهر أن السوق الآن تعاني من أمور واضحة وراء انخفاض السعر وهي زيادة المخزون العالمي، ووجود فائض كبير ولكنه ليس ضخما، إضافة إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وبخاصة الصين التي لم تستطيع هذا العام أن تحقق مستوى النمو المستهدف لاقتصادها والبالغ 7.5 في المائة.
ويقول المحلل الكويتي والتنفيذي السابق بشركة البترول العالمية الكويتية، عصام المرزوق لـ«الشرق الأوسط»: «مع احترامي لكل من يؤمن بنظرية المؤامرة وأن هناك مخططا سياسيا وراء ما يحدث في السوق، فهم إما لا يرون الحقائق الاقتصادية وإما يتعامون عنها فقط لإلقاء اللوم على السعودية وأوبك».
ويضيف المرزوق: «الكل يستغرب من هبوط النفط من 100 دولار بينما أنا أستغرب أن النفط ظل عند 100 دولار في الأشهر الـ9 الأولى من هذا العام. لقد كانت السوق متشبعة بالنفط منذ مطلع العام، وبإمكان أي تاجر الحصول على الكمية التي يريدها».
ولننظر إلى أرقام وكالة الطاقة الدولية عن العرض والطلب هذا العام حتى تتضح الصورة. ووكالة الطاقة التي تتخذ من باريس مقرا لها هي منظمة منافسة لأوبك وجهة استشارية للدول المستهلكة. تقول وكالة الطاقة في تقريرها الأخير إن الطلب على النفط هذا العام يقف عند 92.4 مليون برميل يوميا، والطلب على النفط في الربع الثالث 93.1 مليون، وفي الربع الرابع 93.5 مليون، بينما الإنتاج في شهر نوفمبر الأخير كان 94.1 مليون برميل يوميا. ولهذا في كل الحالات واضح أن الإنتاج فوق الطلب، وما يؤيد هذا أن الوكالة تقول إن مخزونات النفط في الاقتصادات المتقدمة الأعضاء في منظمة «OECD» ارتفعت إلى 2,720 مليون برميل في أكتوبر (تشرين الأول) هو مستوى قياسي لها.
ويفوت أصحاب نظرية المؤامرة أمر آخر وهو أن السعودية لم تغير إنتاجها منذ بداية العام أو حتى منذ 3 سنوات، والبالغ قرابة 9.6 مليون برميل يوميا، بل بالعكس لقد انخفض الإنتاج هذا العام مقارنة بالعام الماضي في الربع الثاني والثالث، وهذا يؤيد أن السعودية تنتج حسب الطلب على نفطها.
ولو أن السعودية أرادت أن تقوم هي بخفض الأسعار عمدا، للجأت إلى إغراق السوق بالنفط كما فعلت في الثمانينات عندما أرادت استرجاع حصتها السوقية الضائعة. وتستطيع السعودية أن تزيد إنتاجها بنحو مليون برميل إضافية بكل سهولة نظرا لأنها تمتلك طاقة إنتاجية تصل إلى 12.5 مليون برميل ولكنها لا تنتج منها سوى 9.6 مليون برميل حاليا.
* روسيا لا تريد خفض الإنتاج

* ومن الأمور التي تفوت على أصحاب نظرية المؤامرة هي أن السعودية اجتمعت بروسيا وفنزويلا والمكسيك الشهر الماضي في فيينا، ومعلوم لدى الجميع أن الوزير الروسي إلكسندر نوفاك رفض حتى قبل الاجتماع أن تقوم روسيا بتخفيض إنتاجها لدعم الأسعار ومساعدة أوبك.
وتجديدا لموقفه السابق فقد صرح وزير الطاقة الروسي أمس للصحافيين في الدوحة بأن روسيا ستواصل العمل في عام 2015 بنفس مستويات إنتاج النفط في 2014 ولن تخفض الإنتاج لأنها ستخسر حينئذ حصتها السوقية لصالح دول أخرى. وأضاف أن روسيا تشارك أوبك نفس السياسة وتتوقع أن تستقر سوق النفط من تلقاء نفسها، لكنه أضاف أنه لا يمكن لأحد التكهن إلى أي حد سيهبط النفط.
وهناك نقطة أخرى يتحدث عنها أصحاب نظرية المؤامرة وهي أن السعودية أجبرت أوبك على اتخاذ قرار عدم خفض الإنتاج ولكن الحقيقة شيء مختلف، إذ قالت لـ«الشرق الأوسط» مصادر على علم بما دار في اجتماع وزراء أوبك المغلق الشهر الماضي إن النعيمي أبلغهم بأن الحفاظ على الحصة السوقية للسعودية أمر مهم له، وأن الدول التي تريد أن تخفض إنتاجها هي حرة في قرارها وبإمكانها فعل ذلك لو أرادت. والأمر الذي قد لا يعلمه البعض أن قرار أوبك بالإبقاء على سقف إنتاجها عند 30 مليون برميل ليس بالأغلبية، بل بإجماع كل الأعضاء، ولهذا لا يمكن لدولة أو مجموعة دول أن تفرض شيئا على كل المنظمة.
وأغلب الدول وافقت على موقف النعيمي لأنها هي نفسها لا تريد خفض إنتاجها وتريد من السعودية وباقي دول الخليج تحمل خفض الإنتاج، بل إن حتى المقترح الذي تم تقديمه خلال الاجتماع لخفض 5 في المائة كان يتضمن إعفاء إيران والعراق وليبيا من أي تخفيض.
وبيّن أمين عام أوبك عبد الله البدري هذا الأسبوع حقيقة هذا القرار قائلا: «في النهاية تم الاتفاق على ضرورة الإبقاء على سقف الإنتاج الراهن، وتمت موافقة الوزراء بالإجماع على هذا القرار، وهنا وجب التنويه بأن ما يشاع في بعض وسائل الإعلام بأن هناك توجها ضد إيران أو روسيا لا صحة له، فإيران عضو في المنظمة وقد وافقت على الحفاظ على سقف الإنتاج».

* المضاربة والإنتاج من خارج أوبك
* ويقول المحلل الكويتي كامل الحرمي لـ«الشرق الأوسط»: «أفضل ما فعله النعيمي هو أنه لم يوافق على هذا المقترح للتخفيض وترك السوق تحدد الأسعار، إذ على المتضرر أن يخفض إنتاجه لا أن يطلب من غيره خفض الإنتاج وتضييع حصته في السوق». ويرتكز بعض أصحاب نظرية المؤامرة على أن السعودية قدمت تخفيضات على نفطها، إلا أن هذا الأمر لم يعد مقنعا لأن التخفيضات تتقلب من شهر لآخر، فرفعت السعودية الأسعار في ديسمبر (كانون الأول) ثم خفضتها في يناير (كانون الثاني) مع تغير أوضاع السوق.
وقال البدري في نفس تصريحاته الأسبوع الحالي: «نريد أن نعرف الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا الانخفاض في أسعار النفط» ويجيب: «عندما نرى العرض والطلب هناك زيادة ولكن بسيطة ولا تؤدي إلى هذا الانخفاض الذي بلغ 50 في المائة منذ يونيو (حزيران) الماضي». وأضاف في حديثه للصحافيين: «إذا استمر هذا أعتقد أن المضاربة دخلت بقوة في تخفيض الأسعار»، مشددا على أن منظمة أوبك ما زالت تحافظ على سقف الإنتاج نفسه منذ 10 سنوات، وهو بحدود 30 مليون برميل يوميا، بينما المنتجون من خارج المنظمة أضافوا نحو 6 ملايين برميل يوميا إلى المعروض.
وزاد الإنتاج من خارج أوبك بشكل كبير في السنوات الأخيرة مع ارتفاع أسعار النفط وبخاصة مع النفط الصخري، إلا أن الكل دائما يحمل أوبك مسؤولية تصحيح السوق، وهذا ما رفضه وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي بالأمس عندما قال في الدوحة للصحافيين: «ليس من الإنصاف أن ينتج غيرنا من خارج أوبك كما يشاءون، وتتحمل أوبك بمفردها مسؤولية تصحيح السوق».
كل هذه الأمور لا تبدو صعبة لو أراد أصحاب نظرية المؤامرة البحث عن الأسباب الاقتصادية، ولكن الأسهل دائما هو البحث عن جهة لكي يلقوا اللوم عليها لأهداف لا تبدو واضحة، وهذا ما يفعلونه دوما في كل الأحوال.



الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
TT

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار، منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

ويرى محللون أن هذا ربما يسهم في دعم الأسر والشركات والنمو في تلك الدول، حين يظهر تأثير ارتفاع الأسعار تدريجياً على المستهلكين العاديين خلال الأشهر المقبلة.

وألبانيا من الدول التي تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، ففي وقت تُعطِّل فيه حرب إيران تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، وتتسبب في رفع أسعار الطاقة لمستويات كبيرة، يوفر لها نهر درين الذي ينحدر عبر جبال في شمال البلاد الحماية.

فبفضل أمطار الشتاء وذوبان الثلوج، وانتشار السدود الكهرومائية التي بُنيت خلال العهد الشيوعي، يقدم النهر طاقة كهربائية تزيد على 90 في المائة من إنتاج الكهرباء في ألبانيا، مما يساعد على ضبط أسعار الجملة.

ومن شأن ذلك أن يعزز أيضاً تحول أوروبا بشكل عام نحو الطاقة النظيفة الصديقة للبيئة.

أما الدول التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، فهي تواجه ارتفاعات حادة في الأسعار، مما يفاقم ضغوط التضخم ويزيد من احتمال الركود في الاقتصاد العالمي.

وأصبح ملف الطاقة مصدر قلق مألوفاً للأوروبيين، إثر معاناتهم من أزمة طاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في 2022.

وقال ساتيام سينغ، المحلل في شركة «ريستاد» لبحوث الطاقة، إن الأزمة ترفع الحد الأدنى للأسعار في المنطقة للجميع، ولكن الدول الأقل مرونة والأكثر اعتماداً على الوقود المستورد هي التي تشهد أقوى تأثير خلال التقلبات وذروة الأسعار.

اختلافات أسعار الكهرباء في أوروبا

شهدت إيطاليا التي تولِّد أكثر من 40 في المائة من الكهرباء بالغاز، ارتفاعاً يزيد على 20 في المائة في عقد بيع الجملة القياسي منذ بداية الحرب. أما في ألمانيا التي تعاني من نقص حاد في الغاز، ارتفع هذا العقد بأكثر من 15 في المائة.

وعلى النقيض من ذلك ارتفع في فرنسا التي تعتمد على المحطات النووية في 70 في المائة من إنتاجها للكهرباء، بأقل من نصف ما ارتفع في إيطاليا خلال الفترة نفسها.

أما في إسبانيا التي زادت إنتاجها من الطاقة المتجددة بسرعة إلى ما يقارب 60 في المائة من إجمالي الإنتاج، فقد انخفضت الأسعار. وسجلت ألبانيا أيضاً انخفاضاً في متوسط الأسعار في مارس (آذار) مقارنة بالعام الماضي، بفضل وفرة الطاقة الكهرومائية.

ولدى الدول التي تعتمد على الغاز -مثل إيطاليا وألمانيا واليونان- مستوى معين من إنتاج الطاقة الشمسية، ولكن الاعتماد المفرط على هذه الطاقة يتسبب فيما يطلق عليه «منحنى البطة»؛ إذ تكون الأسعار منخفضة في منتصف النهار ولكنها ترتفع بشكل حاد في الصباح الباكر وآخر النهار.

وقال أليساندرو أرمينيا، محلل شؤون الطاقة الكهربائية في «كبلر» لبيانات وتحليلات السلع الأولية، في باريس: «هدف معظم هذه الدول -مثل إيطاليا وألمانيا- هو بناء منظومة ضخمة (من مصادر الطاقة المتجددة والتخزين طويل الأجل) تعوض الاعتماد على الغاز. سيشكل ذلك تحدياً كبيراً».

وأشار محللون إلى أن دولاً منتجة للفحم -مثل بولندا وصربيا- تحملت أيضاً وطأة الأمر. وفي اليونان التي تتمتع بقدرة إنتاجية عالية من الطاقة الشمسية، تريد الشركة المشغلة لشبكة الكهرباء إبقاء محطة توليد الطاقة التي تعمل بالفحم الحجري -التي كان من المقرر إغلاقها- مفتوحة عاماً آخر على الأقل، بسبب حرب إيران.

ويتوقع المحللون أن تكون الصدمات في أسعار الطاقة بالنسبة للأُسر أقل حدة من القفزات في تكاليف الجملة التي شهدها قطاع النفط والغاز؛ إذ قد يستغرق الأمر شهوراً حتى تظهر هذه الزيادات في النظام.

ووضعت المفوضية الأوروبية خططاً لخفض ضرائب الكهرباء، في إطار سعيها للتخفيف من وطأة تداعيات الحرب، رغم أن مسؤولين ومحللين يحذِّرون من أن التكاليف الملقاة على عاتق الدول قد تتضخم بشدة نتيجة لذلك.


السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
TT

السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)

تشهد سوق العمل في السعودية تحولات متسارعة مدفوعة بإصلاحات ضمن «رؤية 2030»، وتستهدف تعزيز الامتثال، وحماية الأجور، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية، بالتوازي مع التوسع في ربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية، وتطوير الشراكات الدولية لتنظيم تنقل العمالة، ودعم التنوع الوظيفي، بما يعزز الثقة المؤسسية والتعاون الدولي في تنظيم سوق العمل.

وفي هذا السياق، أكد نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للشؤون الدولية، الدكتور طارق الحمد، لـ«الشرق الأوسط» أن إصلاحات سوق العمل في المملكة أسهمت في تحقيق تقدم ملموس في تحديث الأنظمة، وتعزيز حماية العاملين، وخلق بيئة عمل أكثر ديناميكية، وشمولاً، مشيراً إلى أن هذه التحولات لم تعد تقتصر على الإطار المحلي، بل امتدت لتشمل بعداً دولياً أكثر تنظيماً من خلال الاتفاقيات الثنائية، ومنها الاتفاقيات الموقعة مع نيبال، ونيجيريا، والتي تمثل أدوات حوكمة لتنظيم تنقل العمالة، وتعزيز حمايتها.

تحولات في سوق العمل

وأوضح الحمد أن إصلاحات سوق العمل حققت تقدماً ملموساً في تحديث الأنظمة، وتعزيز حماية العاملين، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية، لافتاً إلى أن النتائج انعكست بوضوح على مستويات المشاركة، والامتثال، والإنتاجية. وتابع أن تحديث أنظمة تنقل العمالة منذ عام 2021 أتاح مرونة أكبر للعمالة للانتقال بين أصحاب العمل ضمن أطر تنظيمية تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، في خطوة عززتها مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي أُطلقت في مارس (آذار) 2021، وشكّلت تحولاً محورياً في تنظيم التنقل الوظيفي.

وفي السياق المؤسسي، أشار إلى أن أكثر من 11 مليون عقد عمل تم توثيقها عبر منصة «قوى»، ما عزز الشفافية، ورفع مستوى الامتثال في القطاع الخاص، مبيناً أن تطبيق نظام الأجر القابل للتنفيذ أسهم في توفير آليات حماية وقائية، وتعزيز الثقة بين أطراف العلاقة التعاقدية.

نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للشؤون الدولية الدكتور طارق الحمد (الشرق الأوسط)

تعزيز حماية العمال

وفي موازاة هذه التحولات، شهدت منظومة حماية العمال تطوراً ملحوظاً، إذ أوضح الحمد أن نسبة التزام منشآت القطاع الخاص ببرنامج حماية الأجور تجاوزت 90 في المائة، ما يضمن دفع الرواتب بدقة، وفي الوقت المحدد.

وأضاف أن إجراءات تسوية النزاعات العمالية أصبحت أكثر سرعة، وكفاءة، وشفافية، في وقت انعكست فيه الإصلاحات على تعزيز الشمولية، حيث تضاعفت مشاركة المرأة في سوق العمل أكثر من مرتين بين عامي 2018 و2024، في واحدة من أسرع معدلات النمو عالمياً، فيما انضم نحو 2.48 مليون سعودي إلى وظائف القطاع الخاص منذ عام 2020.

التعاون الدولي

ومع تسارع هذه التحولات، لم تعد إصلاحات سوق العمل محصورة محلياً، بل برزت الحاجة إلى إطار دولي منظم يدعم استدامتها. وفي هذا الإطار، أكد الحمد أن التعاون الدولي المنظم في مجال العمل يمثل أولوية استراتيجية، كونه يعزز مكانة المملكة كشريك ملتزم بالتوظيف الأخلاقي، وتحديث الأنظمة، وتقاسم المسؤولية، ويعزز في الوقت ذاته الثقة المؤسسية، والتعاون الدبلوماسي في أسواق العمل.

وبيّن أن هذه الاتفاقيات تضمن مواءمة تنقل العمالة عبر الحدود مع المعايير التنظيمية الحديثة، ومتطلبات الشفافية، وأنظمة الامتثال الرقمية، لافتاً إلى أن التوسع في الاتفاقيات، بما في ذلك الاتفاقيات الموقعة مع بنغلاديش، ونيبال، ونيجيريا، يعكس تحولاً من نماذج الاستقدام التقليدية إلى شراكات مؤسسية طويلة الأجل بين الحكومات، بما يوفر قنوات تنقل عمالي أكثر استقراراً، ويعزز مستويات الثقة.

تعزيز الحوكمة

وانعكاساً لهذا التوجه، أوضح الحمد أن الاتفاقيات مع نيبال ونيجيريا تنظم دورة حياة العامل بشكل كامل، بدءاً من ترخيص الاستقدام، وتوثيق العقود، وصولاً إلى شفافية الأجور، وآليات تنسيق وتسوية النزاعات. وأضاف أنها تعزز الرقابة على وكالات الاستقدام، وتوضح الالتزامات التعاقدية، وتؤسس لتعاون مؤسسي بين الحكومات لمتابعة الامتثال، وحل الشكاوى بكفاءة. كما أشار إلى أن ربط هذه الاتفاقيات بالبنية الرقمية، مثل منصة «قوى» وبرنامج حماية الأجور، يضمن تحويل الالتزامات إلى آليات قابلة للتنفيذ مدعومة بالمتابعة اللحظية، إلى جانب تأسيس آليات إشراف مشتركة، وتبادل منتظم للمعلومات، ما يعزز الرقابة المستمرة، ويسرّع معالجة القضايا العمالية.

مواءمة المهارات مع احتياجات الاقتصاد

وفي إطار تعزيز كفاءة السوق، أكد الحمد أن مواءمة تنقل العمالة مع احتياجات القطاعات الاقتصادية تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية سوق العمل، مشيراً إلى أن الاتفاقيات الحديثة أصبحت قائمة على احتياجات قطاعية محددة، بما يضمن أن يكون الاستقدام مدفوعاً بالطلب الفعلي، وليس الحجم، لا سيما في قطاعات مثل البناء، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية، والخدمات المتقدمة.

وأوضح أن الوزارة تعتمد على البيانات الرقمية عبر منصة «قوى» لتحليل احتياجات السوق، وتحديد الفجوات المهارية بشكل مستمر، ما يسمح بتوجيه الاستقدام وفق متطلبات الاقتصاد. وأضاف أن التنسيق مع الدول الشريكة قبل قدوم العمالة يسهم في التحقق من المهارات، ورفع جاهزية العاملين، وتقليل فجوات المهارات منذ بداية التوظيف.

وأشار إلى أن تخطيط القوى العاملة يُدمج بشكل متزايد مع المشاريع الوطنية الكبرى، لضمان تكامل العمالة الوافدة مع جهود توطين الوظائف، وليس إحلالها محلها، إلى جانب دعم برامج مثل «نطاقات» التي تحفّز توظيف الكوادر الوطنية في مختلف القطاعات.

حضور في المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض (واس)

اعتراف دولي بالإصلاحات

وعلى الصعيد الدولي، حظيت هذه الإصلاحات بإشادة متزايدة، إذ أوضح الحمد أن صندوق النقد الدولي أشار إلى تحقيق نتائج ملموسة شملت تراجع معدلات البطالة بين السعوديين، وارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل، ونمو التوظيف في القطاع الخاص. وأضاف أن تقرير «عقد من التقدم»، الذي أُطلق بالتعاون مع البنك الدولي، استعرض التحولات الهيكلية في سوق العمل، فيما أشادت منظمة العمل الدولية بدور المملكة في تطوير سياسات العمل، والمشاركة في الحوار العالمي، بما يعكس تزايد اعتبارها نموذجاً يُحتذى به في إصلاح أسواق العمل، وتعزيز الشمولية، والمرونة الاقتصادية.

الأولويات المستقبلية

واختتم الحمد بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على تعميق التعاون الدولي على المستويين الثنائي، ومتعدد الأطراف، من خلال توسيع اتفاقيات العمل مع دول جديدة، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية، والبنك الدولي، بما يدعم نقل الخبرات، وتطوير السياسات. وأكد أن الوزارة تعمل على تعزيز التعاون مع القطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، والجهات الدولية لمواكبة تحولات سوق العمل، بهدف ترسيخ مكانة المملكة كشريك عالمي موثوق في تطوير أسواق العمل، وتحقيق نتائج مستدامة.


«شيفرون» تدعو فنزويلا لبذل المزيد من الجهود لإحياء صناعة النفط

مصفاة نفط تابعة لشركة النفط الحكومية بتروليوس دي فنزويلا «بي دي في إس إي» في بويرتو لا كروز (رويترز)
مصفاة نفط تابعة لشركة النفط الحكومية بتروليوس دي فنزويلا «بي دي في إس إي» في بويرتو لا كروز (رويترز)
TT

«شيفرون» تدعو فنزويلا لبذل المزيد من الجهود لإحياء صناعة النفط

مصفاة نفط تابعة لشركة النفط الحكومية بتروليوس دي فنزويلا «بي دي في إس إي» في بويرتو لا كروز (رويترز)
مصفاة نفط تابعة لشركة النفط الحكومية بتروليوس دي فنزويلا «بي دي في إس إي» في بويرتو لا كروز (رويترز)

قال الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون»، مايك ويرث، إن التغييرات في سياسة النفط الفنزويلية تُعَدُّ مؤشراً على إحراز تقدم في مساعي جذب الاستثمارات الأجنبية، وإن كان هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات.

وأوضح ويرث في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» قائلاً: «إنها خطوة تدفع الأمور في اتجاه إيجابي، لكنها لا تزال بحاجة إلى بذل بعض الجهود، وربما لا تكفي لجذب مستوى الاستثمارات المرغوب فيه. لذلك أعتقد أنه تم إحراز تقدم»، وفقاً لما ذكرته وكالة «بلومبرغ».

وأعرب ويرث عن ثقته في سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه فنزويلا، بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني)، وأصبحت ديلسي رودريغيز الرئيسة المؤقتة للبلاد.

وبعد أسابيع من اعتقال مادورو، غيَّرت فنزويلا سياستها النفطية ذات الطابع القومي الراسخة منذ فترة طويلة، في محاولة لجذب المستثمرين.

وضغطت مجموعة من المديرين التنفيذيين لشركات النفط الأميركية الذين التقوا رودريغيز في كاراكاس الأسبوع الماضي للحصول على تطمينات بأن الاستثمار في فنزويلا آمن، في مؤشر على أن اهتمام شركات النفط الأميركية يتجاوز اهتمام شركة «شيفرون» وغيرها من الشركات الكبرى، في الوقت الذي يدعو فيه الرئيس دونالد ترمب إلى إحياء إنتاج النفط في فنزويلا.