الصراع بين البرلمانين الحالي والسابق في ليبيا ينتقل إلى الدستور والأمم المتحدة

مجلس النواب يطوق محاولة لإدانة قادة عملية «الكرامة» بقيادة حفتر

بناية مدمرة بعد أن كانت تستخدم كمقر عسكري في مدينة الزاوية إثر سيطرة قوات فجر ليبيا على المنطقة (غيتي)
بناية مدمرة بعد أن كانت تستخدم كمقر عسكري في مدينة الزاوية إثر سيطرة قوات فجر ليبيا على المنطقة (غيتي)
TT

الصراع بين البرلمانين الحالي والسابق في ليبيا ينتقل إلى الدستور والأمم المتحدة

بناية مدمرة بعد أن كانت تستخدم كمقر عسكري في مدينة الزاوية إثر سيطرة قوات فجر ليبيا على المنطقة (غيتي)
بناية مدمرة بعد أن كانت تستخدم كمقر عسكري في مدينة الزاوية إثر سيطرة قوات فجر ليبيا على المنطقة (غيتي)

في تصعيد جديد للأزمة السياسية في ليبيا، طلب المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق المنتهية ولايته)، من اللجنة المكلفة كتابة الدستور الجديد للبلاد موافاته بنتيجة عملها خلال الفترة الماضية، كما أعلن عن إقالة إبراهيم الدباشي، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، من منصبه، بينما رفض مجلس النواب والحكومة الانتقالية المنبثقة منه برئاسة عبد الله الثني هذا القرار.
ووجه أمس نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني، رسالة إلى علي الترهوني، رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، قال فيها: «امتثالا لحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا التي قضت بعدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من التعديل الدستوري السابع، وما ترتب عليها من آثار، واطلاعا للرأي العام الليبي واستكمالا للاستحقاقات الدستورية للمرحلة الانتقالية، يؤمل من سيادتكم موافاتنا بما توصلتم إليه في إعداد مشروع الدستور حتى يتسنى لنا القيام بالمهام الدستورية المنوطة بنا».
وتمثل الرسالة تصعيدا جديدا للنزاع السياسي الدائر منذ بضعة أشهر بين البرلمانين السابق والحالي، لكنها تشكل أيضا تحديا جديدا أمام مجلس النواب المنتخب الذي يحظى بالاعتراف الدولي والمحلي.
وقال مسؤول حكومي لـ«الشرق الأوسط»، إن البرلمان السابق يحاول تصعيد المواجهة السياسية ضد الشرعية المعترف بها دوليا والممثلة في مجلس النواب وحكومة الثني، مشيرا إلى أن أي مخاطبة موجهة من رئيس البرلمان السابق إلى أي جهة ليبية لا يعتد بها. وأضاف أن «الإشراف على كتابة وصياغة الدستور الجديد للبلاد من مهام مجلس النواب المنتخب باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة في البلاد».
لكن نفس المسؤول حذر هيئة الدستور من «الانسياق وراء جهات غير شرعية تتحدى إرادة الشعب الليبي بقوة السلاح».
من جهة أخرى، أعلن عمر حميدان، الناطق باسم البرلمان السابق، عقب جلسة عقدها أعضاء البرلمان برئاسة أبو سهمين أمس في العاصمة الليبية طرابلس، أن البرلمان السابق أصدر قرارا بإقالة الدباشي من منصبه، مشيرا إلى أن المؤتمر الوطني طالب من وزير خارجية حكومة عمر الحاسي تعيين رئيس مؤقت للبعثة من أفرادها الحاليين خلال أيام.
ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من حكومة الثني أو مجلس النواب المنتخب اللذين يتخذان من مدينتي البيضاء وطبرق بأقصى الشرق الليبي مقرا لهما، لكن مصادر ليبية رسمية قالت في المقابل لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الإجراء الذي اتخذه البرلمان السابق لا يعني شيئا لأنه جهة غير شرعية ولا تحظى باعتراف الشعب الليبي أو المجتمع الدولي.
وتصدر موضوع إقالة الدباشي الذي لعب دورا بارزا كدبلوماسي خلال الثورة التي أطاحت بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011 بمساعدة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، جدول أعمال الاجتماع الذي عقده البرلمان السابق أمس.
ولفت أبو سهمين إلى ما وصفه بالظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الليبي وما تتعرض له مدينة بنغازي في شرق البلاد من إبادة جماعية تحت مرأى ومسمع من العالم بأسره، على حد تعبيره. وقارن في كلمته أمام أعضاء البرلمان السابق بين تحرك مجلس الأمن والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في حال تعرض الكيان الصهيوني لأي مشكلة، بينما تتعرض مدينة ككلة لإبادة جماعية دون تحريك أي ساكن.
ورأى أنه يجب على المؤتمر الوطني أن يتعهد بالتوقيع على ميثاق الشرف، والامتثال إلى مبادئ حاكمة تكون أولوياتها التعهد بالقطيعة التامة مع أركان النظام السابق، وتجريم عملية الكرامة التي دشنها الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر.
وبدا أن هذه التصريحات هي بمثابة رد على بيان أصدره مجلس النواب المنتخب بمقره في طبرق وأعلن فيه دعمه المطلق للجيش ورئاسة الأركان المنتخبة في الحرب ضد الجماعات الإرهابية في ليبيا.
وخشية تضمينهم في قوائم الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومحكمة الجنايات الدولية ضمن «مجرمي الحرب التي تشملهم العقوبات والملاحقات القانونية»، أكد البرلمان في بيانه أن «عملية الكرامة وقادتها، عملية عسكرية شرعية تابعة لرئاسة الأركان العامة للجيش والحكومة الليبية المؤقتة، وأنها استمدت شرعيتها وتستمدها من الشعب الليبي».
وأكد أن «مجلس النواب اختار مدينة طبرق مقرا له حتى لا يكون مسلوب الإرادة أو مقيدا أو مجبرا تحت أي ضغوط كانت شعبية أم عسكرية»، مشيرا إلى أن «الجيش الوطني الليبي يخوض مع الشعب كتفا بكتف الحرب على الإرهاب ليس نيابة عن الشعب الليبي فقط، بل عن العالم الحر والقيم الإنسانية ومبادئ الدين الحنيف».
وتظاهر المئات من المواطنين الداعمين لحفتر وعملية الكرامة في مدينة طبرق لمطالبة مجلس النواب بإنشاء مجلس عسكري للبلد بقيادة حفتر، وإلغاء قرار أصدره البرلمان السابق بتقاعد عدد من كبار ضباط الجيش من بينهم حفتر وقائد سلاحه الجوي العميد صقر الجروشي.
في المقابل، دعا أبو سهمين إلى «تجريم كل من دعا ويدعو إلى الاستعانة بالأجنبي، وكل من وصف الثوار بالإرهابيين، وكل من ساند عصابات الصواعق والقعقاع، وما يسمى جيش القبائل، ومن اعتدى على ممتلكات الدولة من موانئ وحقول نفطية، ووقع اتفاقيات ضيع بها سيادة الدولة وأموالها»، كما دعا إلى «التمسك بالشريعة الإسلامية ونبذ التطرف والإرهاب، والإسراع ببناء مؤسستي الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية اللازمة التي يكون ولاؤها لله ثم للوطن».
وقال إن هناك أموالا ضخمة نهبت من خزينة الشعب الليبي تقدر بالمليارات منذ بداية التحرير وأيام المجلس الانتقالي والحكومات السابقة والمكتب التنفيذي والمؤتمر الوطني، مشيرا إلى أن وزير الخارجية الأميركي أبلغه على هامش مؤتمر روما، بحضور مسؤولين حكوميين ليبيين، بأن لدى الولايات المتحدة 60 مليار دولار على هيئة ودائع ليبية.
ويسعى أنصار التيار المتطرف الذي يسيطر على العاصمة الليبية منذ شهر يوليو (تموز) الماضي بقوة السلاح تحت ما يسمى عملية فجر ليبيا، إلى إقالة مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا برناندينو ليون، بعد اتهامه بعدم الحيادية في الصراع السياسي الدائر في البلاد.
ونظم هؤلاء وقفة احتجاجية أمام مقر بعثة الأمم المتحدة بمنطقة جنزور بالعاصمة طرابلس، سلموا خلالها إلى المنسق المقيم التابع للبعثة رسالة يطالبونه فيها بالوقوف على نفس المسافة أمام كل الأطراف السياسية الليبية والعمل بكل حياد.
وفي وقت سابق، شكا المكتب الإعلامي لعملية فجر ليبيا من أن بعثة الأمم المتحدة في طرابلس رفضت تسلم المذكرة التي تطالب الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة تغيير ليون، لما وصفه بـ«موقفه المتآمر على ليبيا».
وقال المكتب في بيان بثه عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «فوجئنا برفض أعضاء المكتب قبولهم هذه المذكرة وعدم تسلمها من مؤسسات المجتمع المدني»، معتبرا أن هذه الحادثة هي أيضا سابقة لم تحصل أبدا في تاريخ الأمم المتحدة ومكاتبها الداعمة، على حد قوله.
واتهمت الحكومة الليبية المؤقتة قوات فجر ليبيا بـ«قمع الحراك الشعبي» خلال الذكرى الأولى لأحداث غرغور، وقالت في بيان لها، إن «الحراك السلمي الذي شهدته طرابلس خلال اليومين الماضيين تعرض لقمع دموي من قبل المجموعات المسلحة المنضوية تحت قوات فجر ليبيا بقوة السلاح».
وبعدما أدانت عمليات القمع التي تمارسها هذه المجموعات، اعتبرت أن «هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم»، كما تعهدت بأن «تنال هذه المجموعات الخارجة عن الشرعية جزاءها العادل».
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية خانقة متمثلة في صراع بين جهتين تشريعيتين لكل منهما حكومتها وجيشها، إضافة إلى الأزمة العسكرية المتمثلة في الصراع المسلح في معظم المدن الليبية، ولا سيما أكبرها طرابلس وبنغازي.
وتسيطر قوات فجر ليبيا على طرابلس بعد اشتباكات استمرت أكثر من 45 يوما بمحيط مطار طرابلس الدولي مع قوات الزنتان، أدت إلى مقتل أكثر من 250 وإصابة أكثر من ألف آخرين.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.