جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد أكثر من عامين على ميلادها.. لا تزال تحلم بالخروج من دوامة الحروب

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال
TT

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد عامين وأشهر من ولادة أحدث دول العالم «جمهورية جنوب السودان»، وقبل أن تنسى الآذان إيقاعات الاحتفال بـ«الاستقلال»، وقبل أن يجف عرق الرقص الاحتفالي عن الأجساد في تلك الليلة، عادت البنادق لتزمجر مجددا في عاصمة الدولة الوليدة «جوبا»، وتسيل دماء الرفاق في شوارعها، محل «عرق البناء» الذي وعد به «الثوار» شعب جنوب السودان، وساقوه به إلى حلم الاستقلال.
زمجرة البنادق وصليل الحرب هذه المرة ليست استمرارا للحرب الأهلية الطويلة بين شطري السودان، التي دامت أكثر من نصف قرن، وأثمرت الاستفتاء الذي أدى إلى انفصال جنوب السودان عن السودان وإعلان استقلاه، بل هي بنادق «ثوار التحرير»، وصناع حلم الانفصال، التي ربما ملت الرقاد بعد تيقظ طويل، فلم تجد صدورا تتوجه إليها، إلا صدور «أبناء الثورة»، ملهاة تثبت صحة المقولة «الثورة تأكل أبناءها».
منتصف ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2013، اشتعلت حرب الرفاق في جوبا، بين قمة حكم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار، في صراع مرير على السلطة، واستمرت النيران مشتعلة منذ ذلك الوقت، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، ولا يعرف أحد أو يستطيع التكهن بكيف ومتى تتوقف.
وبعد يوم واحد من توقيع آخر اتفاقات وقف إطلاق النار بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عاد الطرفان لتبادل الاتهامات عن مسؤولية كل منهما عن استمرار القتال. ونقلت «الشرق الأوسط» وقتها أن الحركة الشعبية المتمردة نفت اتهامات الحكومة لها بخرق الاتفاق قبل جفاف الحبر الذي به كتب.
وقالت إن القوات الحكومية هاجمت مواقعها في مدينة بانتيو عاصمة ولاية الوحدة الغنية بالنفط، ما دفع بالهيئة الحكومية للتنمية في دول شرق أفريقيا «إيقاد»، التي تتولى الوساطة بين الفريقين، إلى التهديد بالتدخل عسكريا حال خرق أي من الطرفين للاتفاق الذي وقع برعايتها.
وقال وزير الإعلام في جنوب السودان مايكل ماكوي لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الموالية لنائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار مستمرة في القتال ضد القوات الحكومية (الجيش الشعبي لتحرير السودان).
وجزم ماكوي أن الرئيس سلفا كير ميارديت أصدر تعليماته للقوات الحكومية بالبقاء في مواقعها وأن تلتزم بالاتفاق إلا عند الدفاع عن النفس، وأوضح أن قواته لن تقف مكتوفة الأيدي، في حالة الهجوم عليها بانتظار وسطاء «إيقاد». ووصف ماكوي قوات مشار بأنها «غير منضبطة ولا تخضع لنظام»، ما يجعلها تنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار مرارا.
وأرجعت الحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار في بيان الكرة إلى ملعب الخصم، وقالت على لسان كبير مفاوضيها تعبان دينق إن القوات الحكومية شنت هجوما على مواقع قواتها في مدينتي «بانتيو وفاريانق» بولاية الوحدة، وأرجع البيان العمليات في المنطقة إلى أنها «غنية بالنفط»، ما جعلها هدفا عسكريا ثمينا، تدور حوله عمليات «كر وفر» من الطرفين، رغم توقف تصدير النفط منها بسبب الحرب منذ سبتمبر (أيلول) 2013.
وفي تفنيده للاتهامات الحكومية اتهم دينق قوات تابعة لـ«الجبهة الثورية»، وهي تحالف من الحركة الشعبية الشمالية، وحركات مسلحة من دارفور، بمهاجمة قواته في بلدتي تور والحفرة.
وأدان دينق ما سماه الهجوم السافر الذي شنته القوات الحكومية وحلفائها على مواقعه عقب يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الوسطاء والأمم المتحدة ودول الترويكا للتحقيق في الاعتداء.
وذكر متحدث باسم القوات المتمردة أن الحكومة شنت هجوما على قواته في ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل رغم توقيع الاتفاق، ثم سارعت إلى الإعلام لتتهم حركته بخرق الاتفاق.
الثيمة الرئيسية للقتال الذي يدور في هذا البلد أن الاتفاقات لا يلتزم بها، وأن سيل الاتهامات المتبادلة بالخروقات لا ينتهي، وأن تحذيرات رعاة السلام تذهب عادة أدراج الرياح، وهو الأمر الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي ضد فرقاء جنوب السودان، الذي بدا واضحا عقب القمة الطارئة لرؤساء دول «إيقاد» والاتحاد الأفريقي وقائد التمرد رياك مشار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وفي تلك القمة، قال رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين إن صبر الأفارقة والمجتمع الدولي بدأ في النفاد، وإن الأوان آن ليقدم الجنوبيون التنازلات للوصول إلى سلام دائم في بلادهم، وحذر من إمكانية اتخاذ المجتمع الدولي لإجراءات ضد الطرفين، حال عدم تنفيذهم الاتفاقات الموقعة بينهما، خصوصا اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مبعوث الولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث إن الصراع تحول إلى قتال دموي تسبب في نزوح مليوني مواطن، وأن الأوان آن لينزل وقف العدائيات إلى أرض الواقع، بيد أن بوث أشار إلى أن المجتمع الدولي يعتقد أن الطرفين لن يصلا إلى اتفاق سلاح لأن كل طرف يريد أن يكون رابحا من الحرب والسلام.
ودعا المبعوث بوث الطرفين لتقديم التنازلات اللازمة، للتعامل مع الموضوعات الكثير المعلقة، ومن بينها وضع حمَلة السلاح، ومستقبلهم في حالة التوصل إلى سلام. وفي ذات الوقت دعا إلى ما سماه «المحاسبة» التي تحول دون اللجوء إلى الثأر، ثم وضع الجزرة أمام الفريقين بقوله إن المجتمع الدولي مستعد لمساعدة الجنوبيين إذا ساعدوا أنفسهم.
وقال وزير الدفاع في جنوب السودان كوال مجنق هاتفيا لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع في جنوب السودان هادئة الآن وإن الأطراف ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، ما عدا المناوشات المحدودة التي أعقبت وقف إطلاق النار 10 نوفمبر الحالي، والتي هاجمت فيها قوات التمرد منطقة «شرق ريك»، وكانت هي الهجوم الوحيد.
وأضاف مجنق في حديثه للصحيفة أن المحادثات كانت تسير بصورة جيدة، بيد أن الوسطاء أرادوا إتاحة الفرصة للفرقاء للمزيد من التشاور مع قياداتهم للوصول إلى اتفاق سلام نهائي، وتوقع استئناف التفاوض في الرابع والعشرين أو السادس والعشرين من الشهر الحالي. وأبدى تفاؤله بقرب الوصول إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب، بيد أنه قال إن بعض قيادات الحركة المتمردة قد لا تلتزم بوقف إطلاق، وإن قوات من الجيش الأبيض غير موحدة ولها قياداتها المحلية، وهي قد لا توافق على وقف إطلاق النار لأنها لا تحارب لأسباب سياسية، بل لأسباب اقتصادية تتمثل في نهب ممتلكات المواطنين. لكن مجنق توقع أن يرفض بعض جنود التمرد الاستمرار في الحرب، لأنهم ذاقوا ويلات الحرب، مهما حققوا من انتصارات في الميدان. سياسيا، قال مجنق إن فريق التفاوض يملك الصلاحيات الكافية للوصول إلى اتفاق، بيد أنه أضاف: «المتمردون طبعا يريدون منصب رئيس وزراء بسلطات تنفيذية، أو أن يكون نائب رئيس، لكنْ هناك نائب رئيس موجود أصلا هو جيمس واني إيقا، لا يمكن أن يكون ضحية للنزاع، لأن الأمر سيكون شبيها بجزاء سنمار، أما الطلب بإعطاء رئيس الوزراء سلطات أعلى من سلطات نائب الرئيس فهذا طلب غير معقول»، وأضاف: «رغم هذا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق سلام إذا كانوا جادين في السلام». ويطالب المتمردون بقيادة رياك مشار للوصول إلى اتفاق سلام دائم بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات تنفيذية، وتقاسم السلطة والثروة، وبحكم فيدرالي لجنوب السودان، لكن الرئيس سلفا كير ميارديت أعلن عن قبوله بتعيين رئيس وزراء من المتمردين دون صلاحيات، حسب إفادات منسوبة إلى المتحدث الرئاسي أتينج ويك أتينج، وهو الأمر الذي لا يقبله المتمردون.
وحسب أتينج فإن الرئيس سلفا كير قبل صيغة لتقاسم السلطة مع المتمردين التي طرحها الوسطاء تتضمن تعيين رئيس وزراء، بيد أنه اشترط أن لا يكون للمنصب صلاحيات تنفيذية، استنادا إلى رغبته في تحقيق السلام بالبلاد.
ونقلت تصريحات عن المتحدث باسم القوات الموالية لرياك مشار جيمس قاديت قوله إن تعيين رئيس للوزراء من دون صلاحيات تنفيذية لا قيمة له، وإنهم لن يقبلون بهذا.
في الوقت ذاته، فإن المتحدث الرئاسي أكد أن الرئيس سلفا كير لا يعارض من حيث المبدأ اعتماد الفيدرالية نظاما للحكم في جنوب السودان، بيد أنه يشترط حدوث السلام أولا، ليتحقق الاستقرار ليتمكن المواطنون من المشاركة في عملية شاملة لتحديد نوع الحكم الذي يريدونه.
ويعتقد على نطاق واسع أن موضوعات جولة التفاوض المقبلة، نهاية الشهر الحالي، ستدور موضوعاتها حول هذه الخلافات، وأن إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام يوقف الحرب أصبحت مواتية لعدة أسباب، من بينها تطاول الحرب دون استطاعة أي من الفريق من هزيمة الآخر، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية العنيفة التي تمارس عليهما من أجل للوصول إلى اتفاق سلام، وإنهاء الحرب. بيد أن تحليلات متشائمة تزعم أن الحرب الدائرة في جنوب السودان، وعلى الرغم من كونها بدأت كصراع سياسي داخل الحزب الحاكم «الحركة الشعبية»، فإنها اتسمت لاحقا بطابع قبلي بين أكبر قبيلتين في البلاد «دينكا الموالين لسلفا كير ميارديت، نوير الموالين لرياك مشار»، ما يصعب من إيقافها، وهو الأمر الذي لمح إليه المبعوث الأميركي السفير دونالد بوث حين طالب بوضع ترتيبات تحدد مصير المتقاتلين من الطرفين منعا للثارات التي قد تجدد اشتعال الحرب.
ويقول المحلل السياسي السوداني خالد التجاني النور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن جنوب السودان يدفع ثمن تقسيم السودان، وثمن التشخيص الخاطئ لحل أزمة العلاقة بين شقي السودان، ما جعل أهل الجنوب يعتقدون أن الانفصال يمكن أن يأتيهم بما يحلمون به.
ويصف التجاني ما حدث بأن جنوب السودان استورد مشكلات السودان الموحد وأعاد إنتاجها بشكل مستقل، ومع زوال المبرر الحقيقي الذي يتمثل في إدارة أزمة الحكم في السودان كله، أعاد الجنوب إنتاج الأزمة في جنوب السودان.
ويعتبر التجاني ما حدث «عظة كافية» للكشف عدم وجود عمق في نظرة الطرفين لقضية الحرب والسلام، ويقول: «أهم ما في اتفاقية السلام الشامل كان اتفاق مشاكوس الإطاري الذي أكد على أولوية وحدة السودان، بينما كان الاختراق الرئيس في نيفاشا هو تأسيس نظام ديمقراطي يتيح المساواة والعدالة والمواطنة والمحاسبة والمساءلة، بما يمكن من حل كل مشكلات البلاد المختلفة، لكن للأسف فإن طرفي اتفاقية السلام، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، تآمرا على حل أزمة الحكم في السودان، وتنكرا للشرط الأساسي للاتفاقية، وساعد كل منهما الطرف الآخر لتحقيق ما يريد، فالمؤتمر الوطني الحاكم في السودان ليس لديه مانع في التخلص من الجنوب إذا كان الأمر يحقق له استقرارا في الشمال، والحركة الشعبية اعتبرت الانفصال ثمنا كافيا للتخلي عن مشروعها في السودان الجديد».
ويرى التجاني أن ما يحدث في شمال وجنوب السودان هو أن كلا الطرفين يدفع ثمن قصر نظرهما السياسي وضعفهما القيادي شمالا وجنوبا، ويقول: «القيادتان في الشمال والجنوب تتصفان بمستوى عالٍ من الضعف، كان واضحا جدا أن الانفصال لن يمر مرور الكرام، ونتج عن ذلك دولتان فاشلتان بامتياز، الوضع في الشمال ليس أحسن حالا مما هو عليه في الجنوب، فهو الآخر يدفع ثمن التقسيم».
ويحمل التجاني المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث في جنوب السودان لأنه كان طرفا أساسيا في اتفاقية السلام، دون أن يقوم برعايتها والوصول بها لإحداث التحول الديمقراطي الأساس المقبول لوحدة السودان.
واتهم التجاني المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالمسير وراء طموحات الحركة الشعبية ومقاصد المؤتمر الوطني، فدفع الأشياء باتجاه استفتاء تقرير المصير وضمان استقلال جنوب السودان، دون أن يضع أية تحوطات لما يترتب على الانفصال، يقول: «أي شخص يفهم أن التقسيم سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في البلدين، لأن الطبقة السياسية المتناحرة وطموحاتها ستعيد إنتاج الأزمة».
ويوضح أن المجتمع الدولي بدلا عن الانحياز إلى الشعب في شقي البلاد في تحقيق طموحاته في الحرية والديمقراطية، آثر تنفيذ ما تريده النخب في الشمال والجنوب على حساب المواطنين.
ويضيف: «جنوب السودان دخل في نزاع ليس من السهل حله، فمشكلة جنوب السودان لم تعد مجرد صراع سياسي بين النخب، لكنها تنزلت للواقع الاجتماعي بكل تفاصيله، وبالتالي تحول الصراع السياسي إلى نزاع قبلي مستند إلى بنية المجتمع في الجنوب القائمة على القبلية، ومع عدم تشكل حاضن مدني أصبحت القبيلة هي الأساس الاجتماعي، ما جعل الصراع يتحول إلى صراع حاد على مستوى الجذور، على رأسه أكبر مكونين في جنوب السودان (الدينكا والنوير)، وتحول لما يشبه الثارات القبلية».
ويعتقد التجاني أن محاولات حل الصراع على مستوى النخب السياسية لن توقف الثارات القبلية، ويضيف: «عندما انشقت مجموعة مشار عام 1991 نفذت مقتلة عظيمة جدا ضد الدينكا، اعترف بها رياك مشار واعتذر عنها وهو في السلطة، والآن ينتقم الدينكا مما حدث في ذلك الوقت».
ورأى أن الصراع الذي انقلب إلى صراع قبلي لا يملك فيه القادة السلطة الفعلية، وأن المجتمع الدولي ليس لديه ما يفعله في الجنوب، ويضيف: «إن الذين دفعوا بتقسيم السودان تحت وهم وإغراء تحقيق طموحات الجنوبيين في الحرية، اتضح أنه كان حلا زائفا، والمجتمع الدولي لم يهتم بتأسيس بنية تحتية لدولة مدنية في الجنوب، وفشلت عملية تحويل الحركة الشعبية من حركة مناضلين ومقاتلين إلى سلطة مدنية سياسية».
ويؤكد التجاني أن المجتمع الدولي لم يعد لديه ما يقدمه لجنوب السودان، وبالتالي فإن الجنوب مرشح لـ«عقود من الصراع الدموي وعدم الاستقرار»، بسبب طبيعة التوازنات القائمة، ولعدم وجود طرف بمقدوره تحقيق انتصار عسكري حاسم، في ظل صراع اجتماعي في وجود تخلف تنموي كبير.
ولا يعتقد أن التفاوض بين النخب على تقاسم السلطة سيوصل إلى حل لأزمة جنوب السودان، وينهي حديثه بالقول: «للأسف الشديد، الجنوب دخل حالة فوضى ستستمر سنوات طويلة».
يشار إلى أن الحرب اشتعلت في جنوب السودان في 15 ديسمبر 2013 الماضي، عقب اتهامات لقوات موالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار في الحرس الرئاسي بمحاولة «انقلاب عسكري»، ويذكر الشهود أن تصفيات كبيرة تمت لعشيرة «نوير» نفذتها قوات حكومية في جوبا، ثم انتقل الصراع لأماكن أخرى في البلاد، خصوصا في مناطق إنتاج النفط، ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل، وهو الصراع الذي كلما حلم الناس بانطفاء نيرانه، تشتعل من جديد، ويعم القتل على الهوية.
وعلى الرغم من وجود «مجموعة سياسية» يقف على رأسها الأمين العام للحركة الشعبية السابق باقان أموم وقيادات أخرى، اتهمت بادئ الأمر بموالاة رياك مشار، وعرفت بمجموعة «المعتقلون الأحد عشر»، بيد أنها آثرت أن تأخذ موقفا محايدا في القتال، ما جعل تأثيرها أقل بكثير من ثقلها السياسي، ما يؤشر إلى أن الحرب هناك قطعت الشوط السياسي لنهايته ودخل الشوط القبلي والعشائري، وهو شوط طويل لا يستطيع أحد تحديد زمان نهايته.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.