جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد أكثر من عامين على ميلادها.. لا تزال تحلم بالخروج من دوامة الحروب

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال
TT

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

جنوب السودان.. ثمن الاستقلال

بعد عامين وأشهر من ولادة أحدث دول العالم «جمهورية جنوب السودان»، وقبل أن تنسى الآذان إيقاعات الاحتفال بـ«الاستقلال»، وقبل أن يجف عرق الرقص الاحتفالي عن الأجساد في تلك الليلة، عادت البنادق لتزمجر مجددا في عاصمة الدولة الوليدة «جوبا»، وتسيل دماء الرفاق في شوارعها، محل «عرق البناء» الذي وعد به «الثوار» شعب جنوب السودان، وساقوه به إلى حلم الاستقلال.
زمجرة البنادق وصليل الحرب هذه المرة ليست استمرارا للحرب الأهلية الطويلة بين شطري السودان، التي دامت أكثر من نصف قرن، وأثمرت الاستفتاء الذي أدى إلى انفصال جنوب السودان عن السودان وإعلان استقلاه، بل هي بنادق «ثوار التحرير»، وصناع حلم الانفصال، التي ربما ملت الرقاد بعد تيقظ طويل، فلم تجد صدورا تتوجه إليها، إلا صدور «أبناء الثورة»، ملهاة تثبت صحة المقولة «الثورة تأكل أبناءها».
منتصف ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2013، اشتعلت حرب الرفاق في جوبا، بين قمة حكم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق رياك مشار، في صراع مرير على السلطة، واستمرت النيران مشتعلة منذ ذلك الوقت، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، ولا يعرف أحد أو يستطيع التكهن بكيف ومتى تتوقف.
وبعد يوم واحد من توقيع آخر اتفاقات وقف إطلاق النار بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه السابق 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عاد الطرفان لتبادل الاتهامات عن مسؤولية كل منهما عن استمرار القتال. ونقلت «الشرق الأوسط» وقتها أن الحركة الشعبية المتمردة نفت اتهامات الحكومة لها بخرق الاتفاق قبل جفاف الحبر الذي به كتب.
وقالت إن القوات الحكومية هاجمت مواقعها في مدينة بانتيو عاصمة ولاية الوحدة الغنية بالنفط، ما دفع بالهيئة الحكومية للتنمية في دول شرق أفريقيا «إيقاد»، التي تتولى الوساطة بين الفريقين، إلى التهديد بالتدخل عسكريا حال خرق أي من الطرفين للاتفاق الذي وقع برعايتها.
وقال وزير الإعلام في جنوب السودان مايكل ماكوي لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الموالية لنائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار مستمرة في القتال ضد القوات الحكومية (الجيش الشعبي لتحرير السودان).
وجزم ماكوي أن الرئيس سلفا كير ميارديت أصدر تعليماته للقوات الحكومية بالبقاء في مواقعها وأن تلتزم بالاتفاق إلا عند الدفاع عن النفس، وأوضح أن قواته لن تقف مكتوفة الأيدي، في حالة الهجوم عليها بانتظار وسطاء «إيقاد». ووصف ماكوي قوات مشار بأنها «غير منضبطة ولا تخضع لنظام»، ما يجعلها تنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار مرارا.
وأرجعت الحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار في بيان الكرة إلى ملعب الخصم، وقالت على لسان كبير مفاوضيها تعبان دينق إن القوات الحكومية شنت هجوما على مواقع قواتها في مدينتي «بانتيو وفاريانق» بولاية الوحدة، وأرجع البيان العمليات في المنطقة إلى أنها «غنية بالنفط»، ما جعلها هدفا عسكريا ثمينا، تدور حوله عمليات «كر وفر» من الطرفين، رغم توقف تصدير النفط منها بسبب الحرب منذ سبتمبر (أيلول) 2013.
وفي تفنيده للاتهامات الحكومية اتهم دينق قوات تابعة لـ«الجبهة الثورية»، وهي تحالف من الحركة الشعبية الشمالية، وحركات مسلحة من دارفور، بمهاجمة قواته في بلدتي تور والحفرة.
وأدان دينق ما سماه الهجوم السافر الذي شنته القوات الحكومية وحلفائها على مواقعه عقب يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الوسطاء والأمم المتحدة ودول الترويكا للتحقيق في الاعتداء.
وذكر متحدث باسم القوات المتمردة أن الحكومة شنت هجوما على قواته في ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل رغم توقيع الاتفاق، ثم سارعت إلى الإعلام لتتهم حركته بخرق الاتفاق.
الثيمة الرئيسية للقتال الذي يدور في هذا البلد أن الاتفاقات لا يلتزم بها، وأن سيل الاتهامات المتبادلة بالخروقات لا ينتهي، وأن تحذيرات رعاة السلام تذهب عادة أدراج الرياح، وهو الأمر الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي ضد فرقاء جنوب السودان، الذي بدا واضحا عقب القمة الطارئة لرؤساء دول «إيقاد» والاتحاد الأفريقي وقائد التمرد رياك مشار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وفي تلك القمة، قال رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين إن صبر الأفارقة والمجتمع الدولي بدأ في النفاد، وإن الأوان آن ليقدم الجنوبيون التنازلات للوصول إلى سلام دائم في بلادهم، وحذر من إمكانية اتخاذ المجتمع الدولي لإجراءات ضد الطرفين، حال عدم تنفيذهم الاتفاقات الموقعة بينهما، خصوصا اتفاق يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مبعوث الولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان السفير دونالد بوث إن الصراع تحول إلى قتال دموي تسبب في نزوح مليوني مواطن، وأن الأوان آن لينزل وقف العدائيات إلى أرض الواقع، بيد أن بوث أشار إلى أن المجتمع الدولي يعتقد أن الطرفين لن يصلا إلى اتفاق سلاح لأن كل طرف يريد أن يكون رابحا من الحرب والسلام.
ودعا المبعوث بوث الطرفين لتقديم التنازلات اللازمة، للتعامل مع الموضوعات الكثير المعلقة، ومن بينها وضع حمَلة السلاح، ومستقبلهم في حالة التوصل إلى سلام. وفي ذات الوقت دعا إلى ما سماه «المحاسبة» التي تحول دون اللجوء إلى الثأر، ثم وضع الجزرة أمام الفريقين بقوله إن المجتمع الدولي مستعد لمساعدة الجنوبيين إذا ساعدوا أنفسهم.
وقال وزير الدفاع في جنوب السودان كوال مجنق هاتفيا لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع في جنوب السودان هادئة الآن وإن الأطراف ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، ما عدا المناوشات المحدودة التي أعقبت وقف إطلاق النار 10 نوفمبر الحالي، والتي هاجمت فيها قوات التمرد منطقة «شرق ريك»، وكانت هي الهجوم الوحيد.
وأضاف مجنق في حديثه للصحيفة أن المحادثات كانت تسير بصورة جيدة، بيد أن الوسطاء أرادوا إتاحة الفرصة للفرقاء للمزيد من التشاور مع قياداتهم للوصول إلى اتفاق سلام نهائي، وتوقع استئناف التفاوض في الرابع والعشرين أو السادس والعشرين من الشهر الحالي. وأبدى تفاؤله بقرب الوصول إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب، بيد أنه قال إن بعض قيادات الحركة المتمردة قد لا تلتزم بوقف إطلاق، وإن قوات من الجيش الأبيض غير موحدة ولها قياداتها المحلية، وهي قد لا توافق على وقف إطلاق النار لأنها لا تحارب لأسباب سياسية، بل لأسباب اقتصادية تتمثل في نهب ممتلكات المواطنين. لكن مجنق توقع أن يرفض بعض جنود التمرد الاستمرار في الحرب، لأنهم ذاقوا ويلات الحرب، مهما حققوا من انتصارات في الميدان. سياسيا، قال مجنق إن فريق التفاوض يملك الصلاحيات الكافية للوصول إلى اتفاق، بيد أنه أضاف: «المتمردون طبعا يريدون منصب رئيس وزراء بسلطات تنفيذية، أو أن يكون نائب رئيس، لكنْ هناك نائب رئيس موجود أصلا هو جيمس واني إيقا، لا يمكن أن يكون ضحية للنزاع، لأن الأمر سيكون شبيها بجزاء سنمار، أما الطلب بإعطاء رئيس الوزراء سلطات أعلى من سلطات نائب الرئيس فهذا طلب غير معقول»، وأضاف: «رغم هذا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق سلام إذا كانوا جادين في السلام». ويطالب المتمردون بقيادة رياك مشار للوصول إلى اتفاق سلام دائم بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات تنفيذية، وتقاسم السلطة والثروة، وبحكم فيدرالي لجنوب السودان، لكن الرئيس سلفا كير ميارديت أعلن عن قبوله بتعيين رئيس وزراء من المتمردين دون صلاحيات، حسب إفادات منسوبة إلى المتحدث الرئاسي أتينج ويك أتينج، وهو الأمر الذي لا يقبله المتمردون.
وحسب أتينج فإن الرئيس سلفا كير قبل صيغة لتقاسم السلطة مع المتمردين التي طرحها الوسطاء تتضمن تعيين رئيس وزراء، بيد أنه اشترط أن لا يكون للمنصب صلاحيات تنفيذية، استنادا إلى رغبته في تحقيق السلام بالبلاد.
ونقلت تصريحات عن المتحدث باسم القوات الموالية لرياك مشار جيمس قاديت قوله إن تعيين رئيس للوزراء من دون صلاحيات تنفيذية لا قيمة له، وإنهم لن يقبلون بهذا.
في الوقت ذاته، فإن المتحدث الرئاسي أكد أن الرئيس سلفا كير لا يعارض من حيث المبدأ اعتماد الفيدرالية نظاما للحكم في جنوب السودان، بيد أنه يشترط حدوث السلام أولا، ليتحقق الاستقرار ليتمكن المواطنون من المشاركة في عملية شاملة لتحديد نوع الحكم الذي يريدونه.
ويعتقد على نطاق واسع أن موضوعات جولة التفاوض المقبلة، نهاية الشهر الحالي، ستدور موضوعاتها حول هذه الخلافات، وأن إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام يوقف الحرب أصبحت مواتية لعدة أسباب، من بينها تطاول الحرب دون استطاعة أي من الفريق من هزيمة الآخر، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية العنيفة التي تمارس عليهما من أجل للوصول إلى اتفاق سلام، وإنهاء الحرب. بيد أن تحليلات متشائمة تزعم أن الحرب الدائرة في جنوب السودان، وعلى الرغم من كونها بدأت كصراع سياسي داخل الحزب الحاكم «الحركة الشعبية»، فإنها اتسمت لاحقا بطابع قبلي بين أكبر قبيلتين في البلاد «دينكا الموالين لسلفا كير ميارديت، نوير الموالين لرياك مشار»، ما يصعب من إيقافها، وهو الأمر الذي لمح إليه المبعوث الأميركي السفير دونالد بوث حين طالب بوضع ترتيبات تحدد مصير المتقاتلين من الطرفين منعا للثارات التي قد تجدد اشتعال الحرب.
ويقول المحلل السياسي السوداني خالد التجاني النور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن جنوب السودان يدفع ثمن تقسيم السودان، وثمن التشخيص الخاطئ لحل أزمة العلاقة بين شقي السودان، ما جعل أهل الجنوب يعتقدون أن الانفصال يمكن أن يأتيهم بما يحلمون به.
ويصف التجاني ما حدث بأن جنوب السودان استورد مشكلات السودان الموحد وأعاد إنتاجها بشكل مستقل، ومع زوال المبرر الحقيقي الذي يتمثل في إدارة أزمة الحكم في السودان كله، أعاد الجنوب إنتاج الأزمة في جنوب السودان.
ويعتبر التجاني ما حدث «عظة كافية» للكشف عدم وجود عمق في نظرة الطرفين لقضية الحرب والسلام، ويقول: «أهم ما في اتفاقية السلام الشامل كان اتفاق مشاكوس الإطاري الذي أكد على أولوية وحدة السودان، بينما كان الاختراق الرئيس في نيفاشا هو تأسيس نظام ديمقراطي يتيح المساواة والعدالة والمواطنة والمحاسبة والمساءلة، بما يمكن من حل كل مشكلات البلاد المختلفة، لكن للأسف فإن طرفي اتفاقية السلام، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، تآمرا على حل أزمة الحكم في السودان، وتنكرا للشرط الأساسي للاتفاقية، وساعد كل منهما الطرف الآخر لتحقيق ما يريد، فالمؤتمر الوطني الحاكم في السودان ليس لديه مانع في التخلص من الجنوب إذا كان الأمر يحقق له استقرارا في الشمال، والحركة الشعبية اعتبرت الانفصال ثمنا كافيا للتخلي عن مشروعها في السودان الجديد».
ويرى التجاني أن ما يحدث في شمال وجنوب السودان هو أن كلا الطرفين يدفع ثمن قصر نظرهما السياسي وضعفهما القيادي شمالا وجنوبا، ويقول: «القيادتان في الشمال والجنوب تتصفان بمستوى عالٍ من الضعف، كان واضحا جدا أن الانفصال لن يمر مرور الكرام، ونتج عن ذلك دولتان فاشلتان بامتياز، الوضع في الشمال ليس أحسن حالا مما هو عليه في الجنوب، فهو الآخر يدفع ثمن التقسيم».
ويحمل التجاني المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث في جنوب السودان لأنه كان طرفا أساسيا في اتفاقية السلام، دون أن يقوم برعايتها والوصول بها لإحداث التحول الديمقراطي الأساس المقبول لوحدة السودان.
واتهم التجاني المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالمسير وراء طموحات الحركة الشعبية ومقاصد المؤتمر الوطني، فدفع الأشياء باتجاه استفتاء تقرير المصير وضمان استقلال جنوب السودان، دون أن يضع أية تحوطات لما يترتب على الانفصال، يقول: «أي شخص يفهم أن التقسيم سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في البلدين، لأن الطبقة السياسية المتناحرة وطموحاتها ستعيد إنتاج الأزمة».
ويوضح أن المجتمع الدولي بدلا عن الانحياز إلى الشعب في شقي البلاد في تحقيق طموحاته في الحرية والديمقراطية، آثر تنفيذ ما تريده النخب في الشمال والجنوب على حساب المواطنين.
ويضيف: «جنوب السودان دخل في نزاع ليس من السهل حله، فمشكلة جنوب السودان لم تعد مجرد صراع سياسي بين النخب، لكنها تنزلت للواقع الاجتماعي بكل تفاصيله، وبالتالي تحول الصراع السياسي إلى نزاع قبلي مستند إلى بنية المجتمع في الجنوب القائمة على القبلية، ومع عدم تشكل حاضن مدني أصبحت القبيلة هي الأساس الاجتماعي، ما جعل الصراع يتحول إلى صراع حاد على مستوى الجذور، على رأسه أكبر مكونين في جنوب السودان (الدينكا والنوير)، وتحول لما يشبه الثارات القبلية».
ويعتقد التجاني أن محاولات حل الصراع على مستوى النخب السياسية لن توقف الثارات القبلية، ويضيف: «عندما انشقت مجموعة مشار عام 1991 نفذت مقتلة عظيمة جدا ضد الدينكا، اعترف بها رياك مشار واعتذر عنها وهو في السلطة، والآن ينتقم الدينكا مما حدث في ذلك الوقت».
ورأى أن الصراع الذي انقلب إلى صراع قبلي لا يملك فيه القادة السلطة الفعلية، وأن المجتمع الدولي ليس لديه ما يفعله في الجنوب، ويضيف: «إن الذين دفعوا بتقسيم السودان تحت وهم وإغراء تحقيق طموحات الجنوبيين في الحرية، اتضح أنه كان حلا زائفا، والمجتمع الدولي لم يهتم بتأسيس بنية تحتية لدولة مدنية في الجنوب، وفشلت عملية تحويل الحركة الشعبية من حركة مناضلين ومقاتلين إلى سلطة مدنية سياسية».
ويؤكد التجاني أن المجتمع الدولي لم يعد لديه ما يقدمه لجنوب السودان، وبالتالي فإن الجنوب مرشح لـ«عقود من الصراع الدموي وعدم الاستقرار»، بسبب طبيعة التوازنات القائمة، ولعدم وجود طرف بمقدوره تحقيق انتصار عسكري حاسم، في ظل صراع اجتماعي في وجود تخلف تنموي كبير.
ولا يعتقد أن التفاوض بين النخب على تقاسم السلطة سيوصل إلى حل لأزمة جنوب السودان، وينهي حديثه بالقول: «للأسف الشديد، الجنوب دخل حالة فوضى ستستمر سنوات طويلة».
يشار إلى أن الحرب اشتعلت في جنوب السودان في 15 ديسمبر 2013 الماضي، عقب اتهامات لقوات موالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار في الحرس الرئاسي بمحاولة «انقلاب عسكري»، ويذكر الشهود أن تصفيات كبيرة تمت لعشيرة «نوير» نفذتها قوات حكومية في جوبا، ثم انتقل الصراع لأماكن أخرى في البلاد، خصوصا في مناطق إنتاج النفط، ولايات الوحدة وجونقلي وأعالي النيل، وهو الصراع الذي كلما حلم الناس بانطفاء نيرانه، تشتعل من جديد، ويعم القتل على الهوية.
وعلى الرغم من وجود «مجموعة سياسية» يقف على رأسها الأمين العام للحركة الشعبية السابق باقان أموم وقيادات أخرى، اتهمت بادئ الأمر بموالاة رياك مشار، وعرفت بمجموعة «المعتقلون الأحد عشر»، بيد أنها آثرت أن تأخذ موقفا محايدا في القتال، ما جعل تأثيرها أقل بكثير من ثقلها السياسي، ما يؤشر إلى أن الحرب هناك قطعت الشوط السياسي لنهايته ودخل الشوط القبلي والعشائري، وهو شوط طويل لا يستطيع أحد تحديد زمان نهايته.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.