برلين: متهم بوسني بالانتماء لـ«داعش» يتخوف أمام المحكمة من خيانة زملائه

ألمانيا تعتقل شخصين يشتبه بأنهما من أنصار «داعش» وتداهم ممتلكات

الشاب البوسني كرشنكي ب. 20 سنة يتحدث مع  محاميه أمام المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ («الشرق الأوسط»)
الشاب البوسني كرشنكي ب. 20 سنة يتحدث مع محاميه أمام المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ («الشرق الأوسط»)
TT

برلين: متهم بوسني بالانتماء لـ«داعش» يتخوف أمام المحكمة من خيانة زملائه

الشاب البوسني كرشنكي ب. 20 سنة يتحدث مع  محاميه أمام المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ («الشرق الأوسط»)
الشاب البوسني كرشنكي ب. 20 سنة يتحدث مع محاميه أمام المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ («الشرق الأوسط»)

تسارع الأحداث في سوريا والعراق ومخاطر عودة إرهابيين قاتلوا في صفوف «داعش» و«النصرة» إلى ألمانيا، كان السبب كي لا ينتهي هذا الأسبوع دون اتخاذ إجراءات وقرارات حاسمة، فوزير الداخلية، توماس دي ميزير، شدد في اجتماعه، أول من أمس، مع وزراء داخلية الولايات الألمانية، على وجوب اتخاذ إجراءات موحدة وصارمة على صعيد ألمانيا لمواجهة مخاطر هذه العناصر، وبالأخص العائدة من ساحات القتال، سواء في سوريا أو شمال العراق، فهم عائدون بخبرة عسكرية ومعرفة لكيفية استعمال المواد المتفجرة، ومن المحتمل أن تكون لديهم أوامر لتنفيذ عمليات إرهابية.
وتقول معلومات دائرة حماية الدستور: «سافر حتى الآن إلى شمال العراق وسوريا نحو 450 ألمانيا وأجنبيا متجنسا، إما للمشاركة في القتال أو خاضوا معارك، عاد منهم إلى ألمانيا قرابة 150 مدربا على استعمال السلاح وتحضير المتفجرات، ولقد سحبت السلطات حتى الآن جوازات سفر 20 متطرفا إضافة إلى حظر سفر 12 ألمانيا من أصول أجنبية».
وكان الوزير قد أعلن عن قرار دخل فورا حيز التنفيذ، يعد تنظيم «داعش» من التنظيمات الإرهابية المحظورة في ألمانيا مثل تنظيم القاعدة، وذلك بهدف إعاقة «داعش» من نشر كراهيته وحقده في ألمانيا، فأعضاؤه يستغلون الإسلام للقيام بأعمال إجرامية بشعة، وعلى ألمانيا وقف أعمالهم اللاإنسانية التي لا تمت بصلة للدين الإسلامي.
ويطال القرار أيضا حظر رفع علم «داعش» الأسود في أي مكان أو في المظاهرات أو جعله رمزا لأي اتصالات على شبكة الاتصالات الاجتماعية والترويج لأفكاره المتطرفة في المجالس العامة أو المساجد بألمانيا، بهدف تجنيد متطوعين للقتال إلى جانبه، وعقوبة ذلك السجن لمدة عامين أو دفع غرامة مالية كبيرة.
ومع أن تنظيم «داعش» لم يدرج بعد في ألمانيا على لائحة التنظيمات الإرهابية الأجنبية، فالأمر يتطلب قرارا من المحكمة الدستورية أو محكمة إقليمية، إلا أن الوزير أقره في الجريدة الرسمية، وهذا يلزم كل الدوائر الأمنية للعمل به.
كما يريد الوزير إقرار قانون آخر يسمح بسحب الهوية الشخصية الألمانية لكل عائد من سوريا وشمال العراق حارب في صفوف «داعش»؛ إذ يسمح حاليا فقط بسحب جواز السفر، بينما يمكن للألمان السفر بالهوية الشخصية إلى مصر وتركيا، ومن هناك إلى سوريا وشمال العراق بجواز السفر، وهو عازم على إلغاء الجنسية المزدوجة، فالكثير منهم، كالأتراك مثلا، يسمح لهم القانون بالاحتفاظ بالتركية وحمل الألمانية.
وتوافرت المعلومات المهمة عن أنشطة الألمان في صفوف تنظيم «داعش»؛ مما مكن دوائر الأمن الألمانية من إلقاء القبض على بعض العائدين منهم من سوريا أو شمال العراق لمحاكمتهم، ويقف هذه الأيام أمام المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ الشاب البوسني كرشنكي ب. وعمره 20 سنة، وألقي القبض عليه في يوليو (تموز) الماضي في المطار بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش» الإرهابي والقتال في صفوفه، وتمكنت السلطات الأمنية من كشف سره بعد التنصت على اتصالاته مع شقيقته في ألمانيا.
وبعد امتناعه طويلا عن الإجابة على أسئلة الادعاء العام اعترف بأنه قاتل في صفوف تنظيم «داعش» بسوريا، وسافر إلى سوريا منتصف عام 2013 وخدم في صفوف «داعش» مدة 5 أشهر، وشارك 5 مرات في القتال ضد القوات النظامية السورية وضد مجموعات إسلامية مناهضة لـ«داعش»، لكنه بقي دائما في الصفوف الخلفية.
كما اعترف بأنه كان عضوا من مجموعة قتالية فرعية كل عناصرها من الأجانب، إلا أن العرب والشيشان في «داعش» لا ينتظرون الكثير من الآتيين من أوروبا، وقال: «نحن الأوروبيين لم يكن بإمكاننا القيام بشيء في المعارك وسط آلاف المتمرسين على القتال». ورغم هذه الأقوال فهو لا يريد خيانة زملائه أو الإدلاء بمعلومات ضد من ساعده في اجتياز الحدود بين سوريا وتركيا وبأي الوسائل، مع ذلك، فإن ظنه خاب، لأن «داعش» تقاتل أيضا ميليشيات إسلامية أخرى؛ لذا قرر العودة. وتتواصل محاكمة هذا الشاب مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وإذا ما تعاون مع القضاء، وأجاب على الأسئلة التي تطرح عليه، فإن عقوبته ستكون 4 أعوام و3 أشهر، وذلك بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي.
وفي الأسابيع المقبلة سيمثل أمام القضاء الألماني التركي فاتح أ. (26 سنة) الذي اعتقل في فرانكفورت، وآخران في برلين وكولونيا، وسافروا إلى سوريا للقتال في صفوف «داعش»، وجاء اعتقالهم بعد وضعهم لمدة طويلة تحت المراقبة عندما عادوا من سوريا الخريف الماضي.
كما سينظر القضاء في فرانكفورت في قضية سفيان ك. (27 سنة) عربي الأصل يحمل الجنسية الألمانية، ألقي القبض عليه نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي في مطار فرانكفورت، بناء على معلومات من دائرة المخابرات الألمانية، والتهمة الموجهة إليه القتال في صفوف «جبهة النصرة» بسوريا وجمع تبرعات مادية وعينية لها، ويقول الادعاء العام إنه كان عضوا في الخلية التابعة للنصرة في مقاطعة هسن الألمانية، وشارك في معارك بسوريا وتدرب على استعمال السلاح، وصدر أمر إلقاء القبض عليه من قاضي التحقيق في المحكمة الاتحادية في كارلسروه.
في غضون ذلك، قال ممثلو الادعاء أمس إن الشرطة الألمانية اعتقلت رجلين يشتبه أنهما من أنصار تنظيم داعش، وداهمت ممتلكات في شتى أنحاء البلاد تخص 13 شخصا آخرين يشتبه أنهم أنصار لجماعات إسلامية متشددة.
وقال مدعون اتحاديون في بيان إن الرجلين اعتقلا في مدينة آخن بغرب ألمانيا وهما التونسي كامل بن يحيى (38 عاما)، والروسي يوسب جي (28 عاما).
ويشتبه في أن التونسي أرسل ملابس قيمتها أكثر من 1100 يورو بالإضافة لدفع مبلغ 3400 يورو نقدا لتنظيم داعش منذ يوليو (تموز) 2013 وعمل على تهريب فتى في السابعة عشرة من عمره من ألمانيا إلى سوريا عبر تركيا للانضمام للتنظيم. أما الروسي فمتهم بالمساعدة في عملية التهريب وبأنه عضو في جماعة إرهابية أجنبية.
وتعتقد السلطات أن مشتبها بهم آخرين يدعمون إما «داعش» أو جماعة أحرار الشام السورية الإسلامية بتوفير آلاف من الأحذية وغيرها من الملابس العسكرية.
ووقعت المداهمات في ولايات نورد راين فستفاليا وهيسه وبادن - فورتمبرج وهامبورج وراينلاند - بالاتينات وشلسفيج هولشتاين بالإضافة إلى ولاية ساكسونيا الشرقية.



الشق الروسي لقضية إبستين: مساعٍ للقاء بوتين وتبادل خدمات

جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
TT

الشق الروسي لقضية إبستين: مساعٍ للقاء بوتين وتبادل خدمات

جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)
جيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي (أ.ف.ب)

رحلات وتبادل خدمات والتواصل مع عارضات أزياء ورجال أعمال شباب، ومحاولات للقاء فلاديمير بوتين: تكشف أحدث الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية عن روابط متعددة وغامضة بين شخصيات روسية وجيفري إبستين الذي أدين بالاعتداء الجنسي.

في ما يأتي ما نعرفه عن العناصر الرئيسية للشق الروسي من هذه القضية المعقدة:

صلة بوتين

ورد في وثائق راجعتها «وكالة الصحافة الفرنسية» من بين مئات الآلاف من الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية في أواخر يناير (كانون الثاني)، اسم فلاديمير بوتين ألف مرة في رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة.

في السنوات التي أعقبت 2010، بذل جيفري إبستين محاولات عديدة للقاء الرئيس الروسي، لكن من المستحيل تحديد إن التقاه بالفعل، أو متى.

وكتب في رسالة بريد إلكتروني إلى رئيس الوزراء النرويجي السابق ثوربيورن ياغلاند في يناير 2014: «دعنا نحاول ترتيب لقاء مع بوتين»، وهو طلب كرّره في عامي 2015 و2018.

كما اقترح رجل الأعمال استخدام وسطاء مثل سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، عارضاً عليه تزويده «معلومات» في المقابل.

وتُظهر هذه الوثائق جهود المتمول المتكررة لتوثيق العلاقات مع الحكومة الروسية، إلا أنها لا تكشف ما إذا كان قد نجح في ذلك.

في 3 فبراير (شباط)، أكد الكرملين، على لسان المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف، أنه لم يتلق أي اقتراح لعقد لقاء بين بوتين وإبستين، نافياً وجود صلات له بأجهزة المخابرات الروسية، في حين أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده ستُجري تحقيقاً في هذه الروابط المحتملة.

«فتيات روسيات»

تحتوي الوثائق على إشارات عديدة إلى «فتيات روسيات»، غالباً من دون ذكر أسماء. وتشير إلى أن إبستين قام بعدة رحلات إلى روسيا، لا سيما في العقد الثاني من الألفية الثانية: على سبيل المثال، توجد تأشيرة روسية صادرة عام 2018، وصورة غير مؤرخة لإبستين أمام فندق في وسط موسكو، وأخرى لشريكته غيلاين ماكسويل وهي تقف بين جنديين روسيين.

حُجزت تذاكر الطائرة لكل من إبستين وشابات بينهن روسيات، عرّفه عليهن وسطاء أكدوا مراراً أنهن شقراوات وشابات.

يبدو أن إبستين كان يعتمد أيضاً على الشابات الروسيات العائدات إلى روسيا ليجدن له «أصدقاء».

تشير الرسائل الإلكترونية أيضاً إلى أن إبستين ووسطاءه استغلوا رغبة بعض الشابات في مغادرة روسيا، فضلاً عن وضعهن القانوني غير المستقر في أثناء إقامتهن في الولايات المتحدة.

مستشارون ووسطاء

كان الملياردير، الذي عُثر عليه ميتاً في زنزانته عام 2019، يسعى إلى جلب شخصيات بارزة من عالمي التكنولوجيا والسياسة الأميركيين إلى روسيا، ليصبح شخصية لا غنى عنها في نظر النخب في موسكو والغرب على حد سواء.

كان سيرغي بيلياكوف، نائب وزير الاقتصاد السابق وخريج أكاديمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، من أبرز الشخصيات الروسية التي تواصل معها إبستين.

أُقيل هذا المسؤول عام 2014 لانتقاده الحكومة علناً، لكنه استمر يعمل في اللجنة المنظمة لمنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي.

وفي عدة رسائل بالبريد الإلكتروني، طلب بيلياكوف من إبستين المساعدة في استضافة شخصيات بارزة في منتديات الأعمال في روسيا خلال عامي 2014 و2015، بعد سنوات من إدانة الأميركي بتهمة استغلال القاصرات في الدعارة.

كما طلب بيلياكوف منه المشورة بشأن كيفية الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم.

ثم اقترح إبستين، في مايو (أيار) 2014، «ابتكارات روسية المنشأ مثل العملات الرقمية، والعملات المدعومة بالنفط، والعقود الذكية».

وكشفت المراسلات أيضاً عن تواصل منتظم بين جيفري إبستين وفيتالي تشوركين، الممثل الروسي السابق لدى مجلس الأمن الدولي الذي توفي عام 2017 إثر نوبة قلبية.

في أغسطس (آب) 2016، دُعي تشوركين بشكلٍ لافتٍ إلى مأدبة غداء استضافها إبستين، جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وتوم براك، سفير الولايات المتحدة الحالي لدى تركيا.

ولدى الاتصال بهما، لم يستجب لطلبات «وكالة الصحافة الفرنسية» للتعليق لا سيرغي بيلياكوف، الرئيس الحالي للجمعية الروسية لصناديق التقاعد غير الحكومية، ولا نجل فيتالي تشوركين - الذي يبدو أنه استفاد من مساعدة المدان بالاعتداء الجنسي في الحصول على تدريب عام 2016.


انهيار مبنى عسكري روسي قرب سانت بطرسبرغ

صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
TT

انهيار مبنى عسكري روسي قرب سانت بطرسبرغ

صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)
صورة لمبانٍ قيد الإنشاء في قرية نوفوساراتوفكا خارج مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا 10 فبراير 2026 (رويترز)

انهار مبنى في قاعدة عسكرية روسية، الثلاثاء، قرب مدينة سانت بطرسبرغ (شمال غربي البلاد)، وفق ما أعلنت السلطات المحلية، مضيفة أن الأسباب لم تحدَّد بعد، وأن طواقم الإنقاذ موجودون في الموقع.

وقال حاكم مقاطعة لينينغراد، ألكسندر دروزدينكو، على تطبيق «تلغرام»: «وجَّهت قوات إنفاذ القانون بمساعدة الجيش في إزالة الأنقاض وإنقاذ ضحايا انهيار مبنى الشرطة العسكرية الواقع في قاعدة سيرتولوفو العسكرية».

وأضاف: «يجري، الآن، تحديد أسباب الحادث»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

تقع سيرتولوفو على بُعد بضعة كيلومترات شمال سانت بطرسبرغ، ثاني أكبر مدينة في روسيا.

ونشرت وسائل الإعلام المحلية صوراً لم تتحقق منها «وكالة الصحافة الفرنسية»، تُظهر مبنى منهاراً جزئياً، لافتة إلى أن شخصين، على الأقل، لقيا حتفهما، وهي حصيلة لم تؤكدها السلطات حتى الآن.

تتكرر في روسيا حوادث انهيار المباني، وكثيراً ما تكون مرتبطة بتسرب الغاز.

ومنذ بدء الهجوم الروسي الواسع النطاق على أوكرانيا عام 2022، شنّت القوات المسلحة الأوكرانية أيضاً هجمات متكررة على منشآت عسكرية روسية.

ولم تذكر السلطات الروسية حتى الآن أي سبب محتمل للانهيار.


أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
TT

أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)

شكّلت حرب الخليج الأولى (1991) نموذجاً حربيّاً يُحتذى به في الحروب الحديثة، وفي كيفيّة القتال المشترك للقوى والأسلحة المختلفة. فقد كانت حرب مناورة سريعة استعملت فيها القنابل الذكيّة، وشكّلت فيها الهيمنة الجويّة، كما حرب المعلومات، الجزء الأهمّ. تم تحرير الكويت عبر حملة جويّة استمرت 38 يوماً، تلتها حملة بريّة حاسمة استغرقت فقط أربعة أيّام.

يشترط نجاح هذه المنظومة المُقاتلة، توفّر عمل مؤسساتي مُحترف على المستوى العسكريّ، وذلك بالطبع بدعم وتخطيط من المستوى السياسيّ. وإذا توافرت المؤسسات، فمن الحيويّ أن تتوفّر التكنولوجيا الحديثة. لكن المعادلة السريّة للنجاح، ترتكز على مزاوجة العمل المؤسّساتي مع التكنولوجيا الحديثة، وذلك بهدف إنتاج منظومة عسكريّة قادرة على خوض حروب المستقبل.

أجرى الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً في كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع... كما معاشات العسكر... وقرر تخفيض عديد الجيش (أ.ب)

التجربة الروسيّة

تتحدّث كثير من الدراسات العسكريّة عن الفشل الروسيّ في كيفيّة القتال المشترك (Combined). وإذا توفّرت التكنولوجيا، كما العمق الصناعي العسكريّ، فإن الفشل كان مرافقاً، كما كانت الأثمان كبيرة جداً، خاصة في الأرواح البشريّة، في الكثير من الحروب التي خاضتها روسيا، أو قبلها الاتحاد السوفياتيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي الحرب على الشيشان، اعتمدت القوات الروسيّة على القدرة الناريّة المُفرطة، وعلى الدمار الشامل، من دون الأخذ في الاعتبار عنصر المناورة، وكيفيّة القتال في المدن (Urban)؛ في الحرب على جورجيا عام 2008، انتصرت روسيا على جيش جورجيّ ليس جاهزاً، وفي ظلّ تفاوت كبير في موازين القوى العسكريّة لصالح روسيا بالطبع.

بعد الحرب على جورجيا، بدأ الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً (Reform) وفي كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع، كما معاشات العسكر، وقرر تخفيض عديد الجيش. كما أجرى تحسينات كبيرة في نوعيّة التدريب. وأعاد إحياء وتحديث الصناعات العسكريّة الروسيّة، وقرّر في عام 2015 الانخراط في الحرب السوريّة لتحقيق أهداف كثيرة، أهمّها اختبار المنظومة العسكريّة الروسيّة الجديدة. اختبار القيادة والسيطرة. كما اختبار الأسلحة الجديدة، وذلك بالإضافة إلى اختبار القدرة الروسيّة على نشر القوات العسكريّة خارج المحيط المباشر لروسيا.

قوات فنلندية وسويدية تشارك في مناورات لحلف «الناتو» قرب هيتا بفنلندا في 5 مارس 2024 (رويترز)

بوتين بين المُتخيّل والواقع الميداني

بعد تجربة الإصلاحات في سوريا واختبارها، قرّر الرئيس بوتين الحرب على أوكرانيا تحت اسم «العمليّة العسكريّة الخاصة»، لم يقل قط إنها حرب فعلاً، بالرغم من استمرارها لمدة أربع سنوات. في هذه الحرب، ذهبت الإصلاحات العسكريّة الروسيّة في مهبّ الريح. وإذا كانت فكرة الحرب على أوكرانيا ترتكز على المناورة، والقتال المشترك بين كلّ الأسلحة، وعلى الحرب السيبرانيّة، كما على الهيمنة الجويّة، بناء على الإصلاحات العسكريّة، وإذا كانت الأهداف السياسيّة للحرب هي السيطرة على كلّ أوكرانيا، فإن النتيجة بعد أربع سنوات لا توحي بالخير. لكن لماذا؟

بعد أربع سنوات لم يسيطر الجيش الروسي إلا على 20 في المائة تقريباً من الأراضي الأوكرانيّة. لم تكن الحرب خاطفة وسريعة، والتكلفة البشريّة وحسب الكثير من المراجع وصلت إلى ما يُقارب المليون بين قتيل وجريح. وإذا كان هدف الحرب على أوكرانيا استرداد مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي السابقة. فإن أغلب هذه المناطق أصبحت بعيدة عن روسيا، وذلك بدءاً من أرمينيا وأذربيجان، وكازاخستان وغيرها. وإذا كان هدف الحرب استرداد مكانة روسيا كقوّة عظمى، فإن روسيا اليوم تعاني من عزلة دوليّة، بحيث اضطرّت إلى إنتاج ما يُسمّى «بالأسطول الشبح» لتصدير نفطها سرّاً.

جنود ألمان يشاركون في مناورات عسكرية بليتوانيا عام 2024 (رويترز)

بعض كوارث الحرب الأوكرانيّة

تدخل معركة السيطرة على العاصمة كييف في التصنيف الكارثيّ العسكريّ. لم يُطبّق في هذه المعركة أيّ دروس عسكريّة مفيدة، خاصة بعد الإصلاح الذي أُجري على الآلة العسكريّة الروسيّة، إن كان في القتال المشترك أو التكتيك وحتى القدرة على التأقلم مع تطوّرات ومُستجدّات الواقع الميدانيّ، وقد يُضاف إلى أسباب الفشل أيضاً غياب الليونة الاستراتيجيّة (Strategic Flexibility)، بالإضافة إلى الأهداف الكبرى التي وُضعت (Maximalist)، والتي تبغي الحدّ الأقصى. بكلام آخر، وُضعت الأهداف العسكرية-السياسيّة، في حدّها الأقصى. وعندما عكس الواقع الميداني الحسابات الروسيّة الخاطئة، لم تتأقلم القوى العسكريّة كما السياسيّة مع واقع الحال. فماذا حصل في هذه المعركة؟

حسب بعض الدراسات، أو بالأحرى أغلبها. كانت معركة السيطرة على كييف فاشلة وبكلّ المقاييس. عكس الفشل الخلل المؤسساتيّ العسكريّ: استهلكت القوى لوجستيّتها بسرعة، من دون القدرة على التموين، وفشل المشاة في حماية تقدّم أرتال الدبابات المهاجمة، بحيث استطاعت بعض الصواريخ (Javelin) إيقاف رتل منها بطول 65 كيلومتراً حسب بعض الصور من الأقمار الاصطناعيّة. لم تقاتل القوى بطريقة مشتركة، إذ لم يؤمن سلاح الجوّ الروسيّ الهيمنة الجويّة بالرغم من التفوّق العددي والنوعي، قبل بدء العملية العسكريّة. عكس هذا الفشل سوء القيادة والسيطرة، وعدم القدرة على الابتكار التكتيكي (Tactical Innovation)، في ظل زاقع أن «الثقافة الاستراتيجيّة» تعتمد على القيادة من فوق (Top-Down) من دون السماح للمستوى الأدنى بحريّة اتخاذ القرار ميدانيّاً، وعلى كلّ المستويات.

دورية روسية قرب الحسكة شمال شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

الخوف الأوروبيّ من القوة الروسيّة

حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» وبعد تجربة لعبة الحرب (War Game) لهجوم روسيّ محتمل على «الناتو»، يعتقد القادة الأوروبيّون أن أي عملية عسكرية روسية ضد «الناتو» لن تحصل قبل عام 2029، وهي ستكون على نقاط ضعف «الناتو»، خاصة في دول البلطيق. والمهم ذكره هنا، هو غياب العم سام بالكامل عن لعبة الحرب هذه. كما يعتقد بعض القادة أن الحل السياسي للحرب الأوكرانيّة قد يُحرّر ما يُقارب من 200 ألف جندي روسي من الذين اكتسبوا خبرات ميدانيّة مهمّة، الأمر الذي سينقل التهديد مباشرة إلى داخل دول «الناتو». فهل هذا الخوف في محلّه؟

في الصراعات الجيوسياسيّة وخاصة العسكريّة، يتم التحضير دائماً للسيناريو الأسوأ، على أمل أن يحصل السيناريو الممتاز. لكن الأكيد، أن الجيش الروسي ليس جاهزاً في هذا الوقت للقيام بمغامرة عسكريّة جديدة ولعدّة أسباب منها:

حسب مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة (CSIS)، قتل حتى الآن ما يُقارب الـ 325 ألف جندي روسي، وهو رقم أكبر من مجموع ما قتل من الجنود الروس، إن كان في الحقبة السوفياتيّة، أو الروسيّة ومنذ الحرب العالمية الثانية.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا... 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

منذ عام 2024، حدّد نفس مركز الدراسات أن التقدّم الروسيّ العسكريّ البرّي داخل الأرض الأوكرانيّة، يُقاس بالأمتار، بين 15-70 متراً يومياً. وهي أبطأ حرب قياساً بالحروب التي خيضت في آخر مائة عام.

كانت التكلفة البشريّة لهذا التقدّم البطيء عالية جدّاً، بمعدّل 35 ألف جندي روسي شهريّاً. وهي، أي روسيا، قادرة على التعويض عن هذا الرقم، باعتماد الإغراءات الماليّة، كما السعي إلى التجنيد من المناطق الفقيرة في روسيا خاصة الأقليات.

إذن، وفي ظل هذه المعطيات، إن كان في الخسائر البشريّة، أو المادية والمتعلّقة بالعتاد. فهل يمكن لروسيا خوض حرب جديدة في وقت قريب ضد قارة بدأت تستعد عسكريّاً؟

في الختام، من المؤكد أن الحرب بشكل عام تستلزم خطاباً يرافقها (Narrative). فالخطاب هو استراتيجيّة بحد ذاته لكن على شكل مختلف كونه يرتكز على الكلمة والصورة. لكن للخطاب تتمّة، تتجسّد على أرض المعركة عبر الوسائل المتوفّرة والقدرة على الإنتاج العسكري بسرعة. فكيف سيتصرّف «الناتو» حيال تأمين الوسائل اللازمة للحرب؟ خاصة أن القدرة الروسيّة على التصنيع العسكريّ خاصة الذخيرة، تفوق قدرة كل دول «الناتو» مجتمعة وبنسبة أربعة أضعاف؟ كيف سيؤمن «الناتو» الوسائل العسكرية التي ستخدم الهدف السياسيّ العام، وذلك في ظلّ غياب قيادة أوروبيّة موحّدة، الأمر الذي يُذكّرنا بما نُسب إلى هنري كيسنجر يوماً حين قال: «بمن أتّصل إذا أردت الحديث مع أوروبا»؟