فرار المئات من ذوي «الدواعش» إلى خارج مخيم عين عيسى بعد قصف تركي

نزوح أكثر من 130 ألف شخص منذ بدء الهجوم شمال شرقي سوريا

دخان يتصاعد جراء قصف شنته القوات التركية على بلدة رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد جراء قصف شنته القوات التركية على بلدة رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

فرار المئات من ذوي «الدواعش» إلى خارج مخيم عين عيسى بعد قصف تركي

دخان يتصاعد جراء قصف شنته القوات التركية على بلدة رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد جراء قصف شنته القوات التركية على بلدة رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)

أعلنت الإدارة الذاتية الكردية اليوم الأحد «فرار 785 شخصاً» من أفراد عائلات تنظيم «داعش» من مخيم عين عيسى للنازحين بعدما طاله قصف القوات التركية التي تشن هجوماً منذ الأربعاء شمال شرقي سوريا، فيما أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أن ليس لديها ما يكفي من الأفراد لحراسة المخيم. 
وأفادت الإدارة الذاتية والمرصد السوري لحقوق الإنسان بانسحاب عناصر الحراسة من المخيم، الذي يقطنه 13 ألف نازح بينهم أفراد عائلات عناصر تنظيم «داعش» الأجانب. وقالت في بيان على حسابها على موقع فيسبوك «استطاع اليوم 785 عنصراً من منتسبي داعش الأجانب الفرار من مخيم عين عيسى»، مشيرة إلى أنهم قاموا «بالهجوم على حراسة المخيم وفتح الأبواب للفرار» بعدما طال قصف المخيم.
وكانت الإدارة الذاتية الكردية أعلنت في وقت سابق أن القصف التركي طال المخيم في بلدة عين عيسى الواقعة على بعد 30 كيلومتراً من الحدود التركية. وأكد مسؤول في المخيم لوكالة الصحافة الفرنسية أن القصف وقع على الطريق الدولي بالقرب من القسم المخصص بعائلات التنظيم المتطرف.
ونقلت صفحة الإدارة الذاتية على فيسبوك عن عبد القادر موحد، مسؤول مكتب الشؤون الإنسانية وشؤون المنظمات، أن المخيم «بات بلا حراسة وبلا إدارة»، مشيراً إلى أنه «تم انسحاب الحامية التابعة لقوى الأمن الداخلي منه بعد أعمال الشغب التي قام بها عوائل مقاتلين تنظيم داعش داخل المخيم إثر القصف التركي» على أطرافه.
وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان فرار عائلات مقاتلي التنظيم «تباعاً مع انسحاب غالبية عناصر الحراسة منه للانضمام إلى معارك كانت تدور على بعد أقل من عشرة كيلومتر بين قوات سوريا الديموقراطية ومقاتلين سوريين موالين لأنقرة».
وكانت الإدارة الذاتية أعلنت أول من أمس (الجمعة) أنها تبحث عن حل أو موقع بديل لمخيم عين عيسى الذي يضم 13 ألف شخص، بينهم 785 من عائلات مقاتلي التنظيم، بعدما طالته قذائف القوات التركية.
كما أخلت الإدارة الذاتية الجمعة مخيماً آخر يضم سبعة آلاف نازح، ويقع على بعد 12 كيلومتراً من الحدود التركية، للأسباب ذاتها.
إلى ذلك، قال مسؤول بقوات سوريا الديمقراطية إن قوات الأمن التي يقودها الأكراد ليس لديها ما يكفي من الأفراد لحراسة مخيم عين عيسى.
وذكر مروان قامشلو المسؤول في قوات سوريا الديمقراطية أن حراسة المخيم التي ضعفت بالفعل بسبب إعادة نشر القوات على الخطوط الأمامية تلقت ضربة قوية اليوم الأحد سقطت قذائف تركية على مقربة مما أدى إلى فرار بعض الحراس الباقين.
وتابع قائلا لوكالة رويترز: "الحراسة ضعيفة جدا الآن".

وأعلنت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية أن بلادها "قلقة" لفرار 800 شخص من أفراد عائلات عناصر في تنظيم «داعش» من مخيم للنازحين في سوريا، داعية أنقرة مرة جديدة إلى "إنهاء تدخلها العسكري" في سوريا "بأسرع ما يمكن".
وقالت سيبيت ندياي في تصريحات تلفزيونية: «بالتأكيد نحن قلقون إزاء ما يمكن أن يحصل ولهذا السبب نأمل أن تنهي تركيا... بأسرع ما يمكن التدخل العسكري الذي بدأت به والذي قمنا بإدانته بوضوح».
وبدأت القوات التركية وفصائل سورية موالية لها الأربعاء هجوماً واسعاً ضد المقاتلين الأكراد في المنطقة الحدودية. وتخوض اشتباكات عنيفة مع قوات سوريا الديموقراطية التي تحاول منع تقدمها في المنطقة الحدودية.
وكررت قوات سوريا الديموقراطية وعمودها الفقري المقاتلون الأكراد، مؤخراً خشيتها من أن ينعكس انصرافها إلى قتال القوات التركية سلباً على جهودها في حفظ أمن مراكز الاعتقال والمخيمات التي تضم مقاتلي التنظيم المتطرف وأفراد عائلاتهم.
ويتوزع 12 ألف شخص من عائلات التنظيم المتطرف على ثلاث مخيمات تسيطر عليها القوات الكردية، هي مخيمات عين عيسى (شمال) وروج والهول (شمال شرق). ويقبع غالبية هؤلاء في مخيم الهول.
 


مقالات ذات صلة

العراق وروسيا يبحثان تبادل محكومين بالسجون

المشرق العربي وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)

العراق وروسيا يبحثان تبادل محكومين بالسجون

دعا وزير العدل العراقي خالد شواني، الأربعاء، حكومة روسيا إلى أهمية تنظيم ملف تبادل المحكومين بين بغداد وموسكو.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)

القضاء العراقي يبدأ استجواب «داعش»... ويعزل سجناء قاصرين

تُواصل السلطات العراقية استجواب عناصر متهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق وعزل القاصرين منهم في أماكن خاصة

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي لقطة عامة لمخيم «الهول» في محافظة الحسكة السورية (رويترز) p-circle

السلطات السورية تبدأ إجلاء سكان مخيم «الهول» إلى آخر في حلب

بدأت السلطات السورية، الثلاثاء، نقل من تبقوا من قاطني مخيم «الهول»، الذي يؤوي عائلات عناصر في تنظيم «داعش»، إلى مخيّم آخر في حلب شمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة عامة للعاصمة بغداد (أرشيفية - رويترز)

مسؤول عراقي: بعض الدول أبدت استعدادها لتسلّم مواطنيها المنتمين إلى «داعش»

صرح وكيل وزارة الخارجية العراقي، هشام العلوي، بأن بعض الدول أبدت استعداها لتسلم مواطنيها المنتمين إلى تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
العالم رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)

أستراليا ترفض إعادة 34 امرأة وطفلاً يُشتبه في صلتهم بـ«داعش» من سوريا

قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، الثلاثاء، إن الحكومة الأسترالية لن تعيد إلى البلاد مجموعة من 34 امرأة وطفلاً يشتبه في صلتهم بتنظيم «داعش» من سوريا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.