جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

الحديث عن الضربات يأتي في وقت واجه فيه النظام انتقادات غير مسبوقة من مواليه

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة
TT

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

ساءت حظوظ الرئيس بشار الأسد على مدار الشهرين الماضيين بسبب الهزائم الميدانية وظهور بوادر جديدة للشكوك بين قاعدته السياسية، في حين تستمر الحرب الأهلية في سوريا دون أن تلوح نهايتها في الأفق.
ولكن في الوقت الحالي، يعتقد الأسد ودائرة مقربيه أنهم حصلوا على مهلة - سياسية على الأقل - بإعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه قد يشن ضربات في سوريا ضد تنظيم «داعش»، وفقا لمحللين وأصدقاء الحكومة السورية الذين يقولون إنهم على اتصال مع المسؤولين في دمشق.
ويقول هؤلاء الأشخاص إنه بالنسبة للأسد ومستشاريه المقربين يمثل القرار الأميركي انتصارا لاستراتيجيته القديمة: بالتخلص من أي معارضة معتدلة تواجه حكمه، وإقناع العالم بأنه يواجه خيارا واضحا بينه وبين المسلحين الإسلاميين الذين يهددون الغرب.
ولكن هناك أيضا مخاوف في دمشق من أن الغارات الجوية الأميركية المحتملة في سوريا، التي سوف تكون جزءا من حملة تصعيد ضد «داعش»، تحمل مخاطر جديدة. ويوضح محللون موالون للحكومة إن المسؤولين السوريين غير واثقين ممن سيستفيد عسكريا - سواء قوات الحكومة أم الثوار السوريين والأكراد الانفصاليين، الذين يخوضون أيضا اشتباكات مع مقاتلي «داعش».
لا يبدو أن أيا من الجيش السوري أو الجماعات التي تحظى بدعم غربي من الثوار السوريين قادر على تحقيق استفادة مباشرة من إضعاف «داعش» في أقوى معاقلها في المحافظتين الشرقيتين المتاخمتين للحدود مع العراق: الرقة ودير الزور.
يملك الجيش السوري فرصة ضئيلة لاستعادة الأراضي التي فقدها مؤخرا هناك، ويبدو أنه تخلى تقريبا عن الشرق، وفقا لما صرح به أمين حطيط، العميد اللبناني المتقاعد المقرب من مسؤولين سوريين، الذي تقابل مع بعض منهم في دمشق الشهر الماضي.
يقول أوباما إن المساعدات الجديدة التي ستقدم للثوار السوريين، وتعدهم الإدارة الأميركية معتدلين نسبيا، سوف تسمح لهم بالعمل كقوة برية ضد «داعش»؛ واستبعد إرسال قوات أميركية. ولكن سوف تستغرق عمليات تسليح وتدريب الثوار فترة، وليس من الواضح ما إذا كانوا سيحققون نجاحا أكبر من المحاولات الماضية التي فشلت في تكوين قوة فعالة موحدة.
صرح يزيد صايغ، المحلل العسكري في مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» في بيروت، بأن ذلك جعل من غير المرجح أن تشن الولايات المتحدة في فترة قريبة أكبر من غارات جوية منتقاة محدودة ودقيقة ضد «داعش»، مثل الغارات التي تستهدف قوافل الصحراء. وقد انخرط مقاتلو التنظيم في الرقة مع السكان مؤخرا، فيما يزيد من خطورة تسبب الغارات في قتل مدنيين، وربما يؤدي ذلك إلى حشد التأييد وراء «داعش».
ويتمتع المسلحون السوريون بقوة أكبر بالقرب من مواقع «داعش» في محافظة حلب غربا. ولكن كذلك الجيش السوري، لذلك قد يعود ضرب التنظيم هناك أيضا بالفائدة على الأسد، وهو ما يكرهه أوباما.
يقول صايغ: «لذلك إذا لم تنجح الولايات المتحدة في قتل قادة داعش في سوريا، سوف يكون تأثيرها العسكري محدودا هناك على المدى القريب وربما المتوسط».
تفيد وجهة نظر أخرى، كما صرح صحافي من دمشق يعمل في إحدى وسائل الإعلام الموالية للحكومة في حديث عبر الهاتف، أنه «سيكون للحملة الأميركية تأثير ميداني ضئيل. ويعتقد كثيرون في الحكومة أن الحملة وضعت لأسباب سياسية لإظهار أن الولايات المتحدة تتخذ إجراء ضد داعش، وأن الخطوة الأولى في أي عمل جاد ستكون بإجبار تركيا، حليفة الولايات المتحدة وعضو الناتو، على وقف تدفق مقاتلي التنظيم عبر حدودها».
بعيدا عن التأثير العسكري، يأمل كل طرف في تحقيق مكاسب سياسية. وتأتي احتمالية شن غارات أميركية في الوقت الذي تواجه حكومة الأسد انتقادات شعبية غير مسبوقة من مؤيديها، الذين يعبرون عن شكاواهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي لقاءات من أن الحكومة سمحت للمتطرفين بالخروج عن السيطرة، وخرج هؤلاء المؤيدون الغاضبون في مظاهرة نادرة في دمشق يطالبون باتخاذ إجراءات أقوى للإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى المتطرفين.
يقول صحافيون ومحللون سوريون إن قرار أوباما جدد نشاط أعضاء أساسيين في دائرة المقربين من الأسد الذين يعتقدون أنه يواجه ضغوطا أقل من أجل التنازل، وأن الغرب سوف يتحالف معه في النهاية ضد داعش.
يظل الأسد رئيسا على دولة منقسمة ماديا ومنهكة نفسيا. ومنذ شهرين، كان موقفه أفضل من أي وقت مضى منذ مطلع عام 2012، بعد أن أحكم سيطرته على الخط الاستراتيجي في البلاد الذي يمتد من دمشق إلى الساحل. ولكن تبدو تلك المكاسب والروح المعنوية المرتفعة التي صاحبتها أقل صلابة في الوقت الحالي.
في خطوات تقدم سريعة أحرزها «داعش»، هزم مقاتلو التنظيم الجنود السوريين في ثلاث قواعد بالرقة أخيرا، وأخرجوهم فارين إلى الصحراء، مما جعل بعض مؤيدي الحكومة يشعرون بالسخط من عدم إرسال الجيش مزيدا من التعزيزات.
ويُظهر فيديو الهجوم على قاعدة الطبقة الجوية الجنود وهم يفرون إلى الصحراء، ويبدو أنهم عُزل، بينما يرميهم مقاتلو «داعش» بالرصاص.
وجرى تداول هذه الصور على نطاق واسع في سوريا، مما أدى إلى إثارة الصدمة لدى مؤيدي الحكومة الذين تعودوا على رؤية الجيش في مشهد بطولي. وتظهر عملية المونتاج التي يجريها التلفزيون الحكومي بانتظام الجنود وهم يسيرون في صفوف منضبطة ويهبطون على الجدران باستخدام الحبال، مع موسيقى تصويرية توحي بالنصر.
وقالت شخصية مهنية تبلغ من العمر 31 عاما، وتؤيد الحكومة بقوة لفترة طويلة في مقابلة أجريت معها عبر الهاتف من مدينة طرطوس الساحلية: «إذا فقدنا المزيد من المناطق، سيكون مآلنا الفشل»، مضيفة: «بعد ثلاث سنوات أصبح الجيش منهكا ومستنزفا».
وقالت الشخصية، التي تحدثت شريطة عدم ذكر اسمها تجنبا لأعمال انتقامية من كلا الجانين: «إننا نترنح ونرقد فوق بركان». وأضافت: «كثير من الأشخاص الذين يكنون المحبة والاحترام للأسد غاضبون منه الآن. لقد نفد صبرهم».
وقالت إن ابن عمها، وهو جندي، سُجن لمدة ثلاث أسابيع بعد أن تحدث في القاعدة عن الهزائم الأخيرة. وتعرض خمسة نشطاء مؤيدون للحكومة للاعتقال مؤخرا بسبب إطلاقهم حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن جنود مفقودين يُطلق عليها «أين هم؟». ودافع آخرون بجرأة عنهم عبر الإنترنت باعتبارهم «وطنيين».
وما زالت تقول امرأة طرطوس وغيرها من المؤيدين للحكومة السورية إنهم لا يرون بديلا للسيد الأسد لحمايتهم من داعش.
ومع ذلك يقول مسؤولون بالولايات المتحدة وبعض الدبلوماسيين الغربيين إنهم يأملون في أن تتمكن الغارات الأميركية ضد «داعش»، إلى جانب المساعدات الجديدة المقدمة إلى المعارضين غير المنتمين للتنظيم، من التخفيف من حدة المخاوف بين صفوف المؤيدين للحكومة، وبالأخص بين الأقلية العلوية التي تشكل قاعدة الأسد. وفي المقابل، يأملون أن يسفر ذلك عن طمأنة العلويين، الذي يتمتعون بالنفوذ، بما فيه الكفاية من أجل إلهامهم، أو الحلفاء الرئيسين للأسد، المتمثلين في إيران وروسيا، من أجل الضغط عليه للتنحي أو تقاسم السلطة.
ولكن يسود بين الدبلوماسيين الغربيين الآخرين، بمن فيهم الكثير من الذين انتقلوا منذ فترة طويلة من دمشق إلى بيروت، شعور بالاكتئاب والاعتقاد بأن التركيز الجديد على «داعش» أفسد ما تبقى من الإرادة السياسية الغربية للإطاحة بالأسد أو تعزيز مسار التسوية السياسية في وقت قريب. وبطرح سؤال حول ما إذا كانت الحكومات الغربية ستبذل الآن الكثير من الجهد إزاء هذه المشاريع، أجاب أحدهم: «بالتأكيد لا. لقد انتهى الأمر. أشعر بالأسف لقول ذلك».
وطرح بعض المسؤولين السوريين وجهة نظر أقل تفاؤلا مقارنة بالأسد والمقربين له بشأن قوته السياسية والعسكرية، وذلك بحسب ما أفاد به حديثا محلل سياسي مؤيد للحكومة ومطلع على الأوضاع بشكل جيد.

* خدمة «نيويورك تايمز»



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.