إسرائيل تقصف أبراجا ومجمعات تجارية في غزة وتواصل استهداف قادة حماس

نتنياهو يتوقع استمرار الحرب حتى سبتمبر.. وجيشه يعمل تحت شعار «أقل تسامحا»

فلسطينيون يتجمعون حول سيارة دمرت جراء استهدافها بغارة إسرائيلية في مدينة غزة أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون حول سيارة دمرت جراء استهدافها بغارة إسرائيلية في مدينة غزة أمس (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تقصف أبراجا ومجمعات تجارية في غزة وتواصل استهداف قادة حماس

فلسطينيون يتجمعون حول سيارة دمرت جراء استهدافها بغارة إسرائيلية في مدينة غزة أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون حول سيارة دمرت جراء استهدافها بغارة إسرائيلية في مدينة غزة أمس (إ.ب.أ)

دشنت إسرائيل مرحلة جديدة من عدوانها على قطاع غزة وراحت تستهدف أبراجا سكنية شاهقة ومجمعات تجارية ضخمة، تحت شعار «أقل تسامحا» ضد «مناطق إطلاق الصواريخ». وقصف الجيش الإسرائيلي برج «الظافر 4» في حي تل الهوى في غزة وأبراج الفيروز شمال المدينة، ومجمعا تجاريا في مدينة رفح ومنازل أخرى متفرقة، فيما ردت الفصائل بقصف مركز على مستوطنات «غلاف غزة» وأدى ذلك إلى إصابة 12 إسرائيليا، وإغلاق «كيبوتس» (تجمع زراعي) شرق القطاع. وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين أمس 2115 في اليوم 48 للعدوان وأكثر من 10660 جريحا، بعد أن قضى 12 في القصف المركز على مناطق القطاع بينهم أربعة من عائلة جودة، أم وأبناؤها الثلاثة في قصف منزلهم في حي الزعتر شرق جباليا.
كما استهدفت ضربة إسرائيلية سيارة محمد الغول الذي يصفه الجيش الإسرائيلي بأنه قيادي في حماس مسؤول عن «صفقات تمويل الإرهاب». وقال شهود بأنه عثر على دولارات أميركية في حطام السيارة. واستهدف الغول، الذي يعتقد بأنه إما قتل أو أصيب في الحادث، بعد ثلاثة أيام من اغتيال إسرائيل ثلاثة من قادة حماس في جنوب القطاع.
وفي غضون ذلك، قال الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية أشرف القدرة إن «حصيلة العدوان الصهيوني على القطاع بلغت 2115 شهيدا و10660 جريحا حيث بلغ عدد الشهداء بعد التهدئة 93 شهيدا، وبلغ عدد الشهداء هذا اليوم (أمس) ثمانية». وتعد المرحلة الجديدة في غزة ترجمة لتهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن تدفع حماس ثمنا باهظا بعد مقتل طفل إسرائيل في النقب. وقال نتنياهو في مستهل جلسة حكومية، أمس، إن الجيش مصمم على قصف أي مناطق سكنية، تستخدمها حماس لإطلاق صواريخ. وأضاف: «أدعو سكان غزة إلى إخلاء أنفسهم فورا من أماكن تنفذ حماس منها أعمالا إرهابية».
كما قال: إنه يجب أن يسعد الإسرائيليون لأن تتواصل الحرب حتى بعد بدء الدراسة في الأول من سبتمبر (أيلول).
من جهته، قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي: «الجيش يكثف نشاطاته العسكرية في قطاع غزة وينتهج سياسة أقل تسامحا ضد أي منطقة تنطلق منها اعتداءات صاروخية باتجاه الأراضي الإسرائيلية. منذ منتصف الليل (السبت-الأحد) استهدف جيش الدفاع 20 هدفا إرهابيا في قطاع غزة ليصل عدد الأهداف الإرهابية التي ضربت منذ أن خرقت حماس وقف إطلاق النار إلى 320 هدفا».
وبرر أدرعي استهداف الأبراج والمجمعات بقوله «عندما تنشط حماس من المبنى السكني الذي تسكن فيه وعندما تضع حماس إحدى أهم غرف عملياتها داخل برج سكني مكون من 11 طابقا فالنتيجة هي أن هذه الأماكن ستستهدف وتدمر. نحن سنواصل ضرب حماس وكل منطقة تطلق منها الاعتداءات ضد إسرائيل بغض النظر عن صفتها قد تستهدف بشكل فوري».
وكانت إسرائيل دمرت آلاف المنازل قبل ذلك لنفس السبب لكنها الآن تستهدف رموزا معمارية كما يبدو. وتستند إسرائيل إلى فلسفة تقوم على إيقاع أكبر ضرر ممكن في غزة حتى تدرك حماس أن ثمن الحرب عال ومكلف وباهظ.
وفوجئ سكان حي تل الهوى في مدينة غزة بقنابل فراغية تسقط على برج الظافر الضخم وتحوله إلى ركام بعد أن أخلي كاملا من العائلات وتكرر الأمر مع أبراج الفيروز شمال المدينة.
وأظهر شريط فيديو كيف انهار برج الظافر المكون من 11 طابقا وتسكن فيه نحو 50 أسرة، وانهياره في ثوان معدودات وتحوله إلى ركام. وقال مسؤولون فلسطينيون إن المئات من الأفراد شردوا نتيجة قصف برج الظافر، يضافون إلى نحو 380 ألفا نزحوا من منازلهم نتيجة القصف الإسرائيلي. كما قصفت إسرائيل، أمس، المركز التجاري الوحيد في مدينة رفح ويضم عشرات المحلات التجارية المنوعة. وقدرت بلدية رفح الخسائر المالية لقصف المركز بنحو 10 ملايين دولار، وعبرت عن استنكارها للعدوان عليه.
وأكدت البلدية في بيان أن «قصف السوق غير مبرر ووحشي وهمجي، ويهدف لضرب اقتصاد غزة وخاصة مدينة رفح، التي تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة».
ووصفت حركة حماس، تدمير إسرائيل للأبراج السكنية بغزة، وتشريد عشرات العائلات، بـ«جريمة حرب».
وقال سامي أبو زهري، المتحدث الرسمي باسم الحركة في تصريح صحافي، إن «ما يجري هو تصعيد خطير»، مشيرا إلى «أن ادعاءات الجيش الإسرائيلي، بأن البرج هو مركز لحماس هي أكاذيب لتبرير الجريمة».
كما نفت وزارة الداخلية في قطاع غزة ما وصفته بـ«الادعاءات الإسرائيلية الكاذبة»، بشأن استخدام حماس برج الظافر، مؤكدة إلى أن البرج لا يضم أي شقق لعمليات المقاومة. وقالت في بيان إن «ما تقوم به إسرائيل عبارة عن سياسة عقاب جماعي، بحق المدنيين الفلسطينيين وتشريدهم».
غير أن إسرائيل تعهدت بمواصلة القصف المركز، وألقت الطائرات الإسرائيلية مناشير على أهالي غزة حذرتهم فيها من السماح لعناصر حماس باستخدام منازلهم.
وجاء في بيان الجيش «حماس تواصل استعمال منشآت أممية ومدنية لأغراضها الإرهابية للتغطية على إخفاقاتها المتتالية. نحن نحذر سكان قطاع غزة من استعمال حماس لبيوتهم وساحاتهم لارتكاب اعتداءات ضد إسرائيل. كل منطقة تستعمل لإطلاق صواريخ نحو إسرائيل ستستهدف. لا حصانة لأي مكان يهدد مواطني إسرائيل».
وفي المقابل، ردت الفصائل الفلسطينية بإطلاق صواريخ مكثفة على مدن ومستوطنات إسرائيلية في محيط غزة وعلى مواقع عسكرية.
وأقر الجيش الإسرائيلي بإصابة خمسة جنود وصفت جراح ثلاثة منهم بالخطيرة والحرجة، إثر سقوط عدد كبير من قذائف الهاون على معسكر للمدرعات في موقع «إيرز» العسكري شمال قطاع غزة، الذي قرر الجيش لاحقا إغلاقه.
وفي مستوطنة «شعار هنيغف» بالنقب أصيب خمسة مستوطنين بجراح مختلفة بعد سقوط عدة قذائف على المنطقة. كما أصيب إسرائيليون بجراح بعد سقوط صواريخ على ساحل عسقلان.
وكانت الفصائل الفلسطينية أطلقت منذ انهيار التهدئة الثلاثاء الماضي أكثر من 650 صاروخا على مستوطنات «غلاف» غزة فيما شنت إسرائيل نحو 350 غارة.
وقررت إسرائيل إغلاق إحدى المستوطنات على حدود قطاع غزة، وذلك بعد تعرضها للقصف بعشرات القذائف والصواريخ.
وقالت مصادر إسرائيلية إن ما يعرف باسم «قيادة المنطقة الجنوبية» قررت إغلاق «كيبوتس نيرم» الواقع شرق غزة، وذلك بعد تعرضها لإطلاق مكثف لرشقات بالصواريخ.
وسئل وزير الدفاع الإسرائيلية موشيه يعالون عن ترحيل المستوطنين من محيط غزة، فقال: إن الحكومة لا تدعو أحدا للرحيل لكنها ستساعد من يريد ذلك من سكان المستوطنات التي تقع على بعد سبعة كيلومترات عن غزة «وستعوضه كذلك».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.