هبوط على سطح مذنب سريع وخريطة لجينوم حي عمره مليون عام

توقعات علمية في عام 2014

سفينة «روزيتا» الفضائية الأوروبية
سفينة «روزيتا» الفضائية الأوروبية
TT

هبوط على سطح مذنب سريع وخريطة لجينوم حي عمره مليون عام

سفينة «روزيتا» الفضائية الأوروبية
سفينة «روزيتا» الفضائية الأوروبية

يتوقع بعض الخبراء عاما جديدا من الإنجازات الفضائية والكونية منها هبوط على سطح مذنب وإرسال سفن جديدة نحو المريخ والتوصل إلى وضع خريطة جينية كاملة لأحياء عاشت قبل مليون عام، إضافة إلى توقعات للأعوام المقبلة بظهور آلات أكثر ذكاء تتعلم كل ما يخص الإنسان وحياته.

* هبوط على مذنب
* أول هبوط على سطح مذنب فائق السرعة. وبينما سجل عام 2013، ظهور المذنب «آيسون» (ISON) في سماء كرتنا الأرضي كان حدثا فلكيا مهما، فإن مجلة «نيوساينتست» البريطانية العلمية تشير إلى أن عام 2014، سيشهد دخول سفينة الفضاء «روزيتا» (Rosetta)، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، إلى المدار الذي يسير فيه مذنب تشوريموف - غيراسيمنكو (Churyumov - Gerasimenko67P /) حتى تلتقي به وتهبط فوق سطحه. وهذا يعني أننا سوف نشهد عمليتين لاستكشاف المذنبات كان كل منها الأول من نوعه، بالإضافة إلى تحقيق واحد من أعظم الطموحات في حقل الفضاء وهو تنفيذ أول عملية هبوط في أعماق الفضاء الخارجي.
وتعد السفينة «روزيتا»، التي جرى إطلاقها في شهر مارس (آذار) من عام 2004، واحدة من أقدم السفن في عمليات الاستكشاف الفضائي، فقد قضت حتى الآن ما يقرب من عشر سنوات في الدوران حول الشمس، حصلت خلالها على كثير من طاقة الاندفاع بعد مرورها باثنين من الكويكبات، هما «ستاينز» في عام 2008 و«لوتيسيا» في عام 2010. ويسير الهدف الذي تتوجه إليه سفينة «روزيتا» بسرعة 16 كيلومترا في الثانية، بينما تقترب منه المركبة بسرعة 800 متر كل ثانية.
وقد دخلت المركبة في حالة «سبات» منذ شهر يونيو (حزيران) من عام 2011 للحفاظ على مصادر الطاقة، مع بقاء مصدر وحيد للطاقة لتشغيل جهاز الكومبيوتر الرئيس في المركبة. وسوف يجري تنشيط المركبة في العشرين من يناير (كانون الثاني) 2014 استعدادا لالتقائها بالمذنب شوريموف - غيراسيمنكو في مايو (أيار) من العام نفسه.
ومنذ إطلاق وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» للسفينة الفضائية ستارداست (StarDust) عام 2004 في مهمة لجمع عينات من مذنب «وايلد2»، لم تستطع أية مركبة الدخول في مدار أحد المذنبات. غير أن «روزيتا» سوف تتمكن من الدوران في مدار المذنب شوريموف - غيراسيمنكو بسرعة بطيئة بحثا عن مكان مناسب للهبوط على سطحه. وسوف يزداد التشويق في المهمة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عندما تنفصل مركبة الهبوط الآلية «فيله» (Philae) عن المركبة الأم «روزيتا» لتقوم بأول هبوط على الإطلاق لمركبة فضاء على سطح مذنب.
وسوف تثبت «فيله» نفسها في «روزيتا» قبل بداية عمليات الحفر على سطح المذنب شوريموف - غيراسيمنكو. وسيجري تحليل عينات الصخور بواسطة مختبر على سطح المركبة التي سترسل النتائج إلى الأرض. ومثل الكويكبات، يعتقد أن المذنبات توفر معلومات مهمة عن منشأ المنظومة الشمسية لأنها الأجسام الأكثر بدائية في المنظومة ولم تتغير تركيبتها الكيميائية كثيرا منذ تكونها. وهكذا، فإن تركيبتها تعكس تركيبة المنظومة الشمسية عندما كانت في حداثة عمرها ولم «تكتمل» بعد، أي قبل ما يزيد على 4.6 مليار سنة. وتحتوي المذنبات على كميات من المياه، وبالتالي ستظهر عينات الصخور ما إذا كانت مياه المحيطات وكثير من الأشياء الضرورية للحياة على الأرض قد تكونت عند ارتطام المذنبات بالكرة الأرضية في بداية تكونها.
أما المهمة الأخيرة التي ستوكل إلى المركبة «روزيتا» فسوف تتمثل في مراقبة الانحلال التدريجي للمذنب شوريموف - غيراسيمنكو عندما يصل إلى أقرب نقطة في مساره حول الشمس في الثالث عشر من أغسطس (آب) عام 2015.

* مركبات المريخ
* سفن فضائية إلى المريخ. بات من الممكن أن يؤدي تسيير أول رحلتين تقوم بهما مركبتان فضائيتان (إحداهما حكومية والأخرى خاصة) إلى كوكب المريخ، إلى تحفيز وضع خطط جديدة لإرسال البشر إلى الكوكب الأحمر خلال العقود القليلة المقبلة.
وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2014، ستطلق وكالة الفضاء الأميركية مركبتها الفضائية «أوريون» لتقوم برحلة غير مأهولة تستغرق أربع ساعات حول الأرض. وسيرا على النهج الذي جرى إتباعه أثناء إرسال رحلات المركبة «أبوللو» التي حملت البشر إلى القمر، جرى تصميم «أوريون» لحمل البشر على متنها خلال المهام البعيدة في أعماق الفضاء. وسوف تظهر الاختبارات القادمة مدى جاهزية «أوريون» للتحليق في الفضاء، بالإضافة إلى قدرة الدرع الواقية من الحرارة على التحمل عند اختراق المركبة للغلاف الجوي.
وتأمل «ناسا» في أن تؤدي رحلة المركبة «أوريون» إلى إثراء نظرتها الحالية عن الاستكشافات الفضائية المستقبلية التي تتضمن إرسال مركبة مأهولة للاستقرار في مدار حول القمر في عام 2021، وإرسال مركبة إلى أحد الكويكبات في عام 2025، بالإضافة إلى إرسال مركبة فضائية في مهمة إلى المريخ في ثلاثينات القرن الحالي.
وسيشهد العام المقبل أيضا أول عملية إطلاق للصاروخ «فالكون هيفي» (Falcon Heavy)، الذي جرى تصنيعه من قبل شركة سبيس إكس (SpaceX). وسيكون باستطاعة الصاروخ طرح حمولة زنتها 13200 كيلوغرام خلال رحلته إلى المريخ، ليكون بذلك الصاروخ الأقوى بين نظرائه. ولن يتسنى لـ«فالكون هيفي» حمل البشر ومعداتهم إلى المريخ مرة واحدة، غير أنه يمكنه أن يبدأ عمله من خلال إرسال المعدات والمواد اللازمة إلى سطح الكوكب ثم يعود ليحمل طاقم العمل، وهي الفكرة التي اقترحتها الشركة الهولندية «مارس وان»، التي تأمل في إنزال البشر على سطح المريخ بحلول عام 2025. وهناك خطة بديلة لذلك تتلخص في أن يقوم «فالكون هيفي» بوضع المكونات في مدار ثم يجري تجميعها في مركبة متجهة إلى المريخ.

* خريطة جينية
* أول خريطة جينية (جينوم) عمرها مليون عام. في دراستهم لتسلسل أقدم خريطة جينية (جينوم)، استطاع العلماء الكشف عن نوع منقرض من الأحصنة التي عاشت قبل 700000 سنة، فقد تمكنوا من استخراج بقايا حمض نووي من حفرية هذا الحصان الذي كان محفوظا في ثلوج شمال غربي كندا، وجرى نشر جينوم الحصان في يونيو من العام الحالي. وكان ذلك كشفا عظيما فاق اكتشاف سابق لخريطة جينية لدب قطبي عاش قبل 110000 عام ونشر الجينوم الخاص به في عام 2012.
والسؤال الآن، من الذي سيحوز على لقب «الكائن الذي عاش قبل مليون عام»؟ وقد حاز على هذا اللقب متحجرات تعود لما يعرف بـ«الإنسان المنتصب» (هومو إريكتوس Homo erectus) الذي ظهر قبل مليوني عام. وحتى وقت قريب، كان الكلام عن خريطة جينية «جينوم» لأشباه البشر يبدو مخادعا، حيث يكون الحمض النووي (DNA) محفوظا بأفضل طريقة في الأجواء الباردة، بينما عاش غالبية البشر في المناطق الحارة من الكرة الأرضية.
لكن كل ذلك تغير خلال شهر واحد عندما جرى نشر خريطة جينية لبقايا إنسان عاش في فجر التاريخ قبل 400000 عام في كهف في إسبانيا.
ويقول العالم الوراثي ديفيد ريك، من كلية هارفارد الطبية، إنه يمكن الاحتفاظ بالحمض النووي في الأجواء الحارة إذا ما كانت الظروف مناسبة.

* آلات ذكية
وكانت شركة «آي بي إم» قد نشرت وللعام الثامن على التوالي توقعاتها حول التقنيات الجديدة للأعوام الخمسة المقبلة. وقال بيرني مايرسون نائب رئيس الابتكارات الجديدة في «آي بي إم»، في حديث نقلته «واشنطن بوست» أن الهدف من التوقعات هو المزيد من التحكم والتوجيه لمصادر الشركة بغية تحقيقها على الوجه الأفضل. وتشمل التوقعات:
- الصفوف التدريسية سوف تعلمك.
- الشراء محليا سيتغلب على الشراء من الشبكة.
- سيلجأ الأطباء إلى حمضك النووي للإبقاء على صحتك.
- راعيك الرقمي سيحميك من مخاطر الشبكة.
- المدينة ستساعدك على العيش بها.
ويقول مايرسون إن أفكار هذا العام تقوم على الحقيقة القائلة إن كل الأشياء ستتعلم، فالآلات ستتعلم عن كل ما يخصنا، وبأسلوب عقلاني، وبالتالي فإنها ستنخرط بهذه الأمور بطريقة طبيعية. وسيجري تمكين الابتكارات عن طريق العمليات الكومبيوترية السحابية، والتحليلات البيانية الكبيرة، وتقنيات التعلم التكيفية. وتعتقد «آي بي إم»، أنه سيجري تطوير التقنيات بأساليب حماية ووقاية مناسبة لتأمين الخصوصية الفردية الآمنة.
ومع التوجه لتحويل الكومبيوترات إلى أجهزة أكثر ذكاء، وأكثر صغرا واندماجا، فإنه سيجري تبييتها في المزيد من الأجهزة التي تساعدنا على إنجاز أمور نحتاجها. وتعتقد «آي بي إم» أن مثل هذه الاختراقات في عالم الكومبيوتر من شأنها مضاعفة قدراتنا البشرية. وقد توصلت «آي بي إم» إلى هذه التكهنات بعد استشارة موظفيها الفنيين البالغ عددهم 220 ألفا.



علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
TT

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا

نجح علاج مناعي جديد طوره باحثو جامعة بنسلفانيا الأميركية في تدمير الخلايا السرطانية بفاعلية تضاهي العلاجات الحالية، لكن من دون التسبب في إضعاف جهاز المناعة، وهو أحد أخطر آثار العلاجات المتوفرة اليوم.

استهداف خلايا الأورام

أظهرت التجارب على فئران مصابة بالسرطان، أن العلاج يستهدف خلايا الأورام بدقة عالية ويترك الخلايا المناعية السليمة دون ضرر، ما يفتح الباب أمام جيل أكثر أماناً من علاجات السرطان. وقد يمهّد أيضاً لاستخدامه مستقبلاً في علاج بعض أمراض المناعة الذاتية.

وتشير النتائج التي نشرت في مجلة «Science Translational Medicine» بتاريخ 4 فبراير(شباط) 2026، إلى أن علاجات السرطان المستقبلية قد تصبح أكثر أماناً ودقة، ما قد يساعد المرضى في تجنّب العدوى الخطيرة التي كثيراً ما ترافق العلاجات الحالية.

نهج جديد في هندسة الخلايا المناعية

يُعدّ «العلاج بالخلايا التائية المستقبلة للمستضدات الخيمرية» المعروف باسم «CAR-T» من أكثر التطورات إثارة في علاج السرطان، إذ يعتمد على أخذ خلايا المناعة الخاصة بالمريض المعروفة بالخلايا التائية (T cells) وإعادة هندستها وراثياً في المختبر، لتصبح قادرة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أفضل.

ويزوّد العلماء هذه الخلايا ببروتينات خاصة تُسمّى «مستقبلات المستضدات الخيمرية» chimeric antigen receptors (CARs) تعمل كأنها أجهزة توجيه يساعد الخلايا المناعية في تحديد جزيئات محددة على سطح الخلايا السرطانية وتدميرها.

علاجات اللمفوما واللوكيميا

وقد اعتمد معظم علاجات «CAR-T» خلال السنوات الماضية، على استهداف جزيء يُعرف باسم «CD19» يوجد على سطح الخلايا البائية (B cells)، وهي نوع من خلايا المناعة التي قد تتحول إلى خلايا سرطانية في أمراض الدم مثل اللمفوما (Lymphoma) واللوكيميا (Leukemia). وقد نجح هذا الأسلوب في إنقاذ حياة عدد كبير من المرضى، لكنه لم يخلُ من مشكلة مهمة.

ولا يوجد جزيء «CD19» فقط على الخلايا السرطانية؛ بل يوجد أيضاً على الخلايا البائية السليمة. وهذا يعني أن العلاج يهاجم النوعين معاً فيقضي على الخلايا السرطانية، لكنه يدمّر في الوقت نفسه جزءاً مهماً من جهاز المناعة.

ونتيجة لذلك، قد يبقى المرضى بعد العلاج بجهاز مناعي ضعيف، ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى لفترات طويلة قد تمتد لسنوات. ولهذا، يؤكد العلماء أن أكبر تهديد صحي بعد الشفاء من اللمفوما، غالباً ما يكون العدوى، وهو ما يدفع الباحثين إلى البحث عن طرق علاجية جديدة أكثر دقة وأماناً.

استهداف السرطان دون إيذاء الخلايا السليمة

ويركّز العلاج الجديد على هدف مختلف هو جين يُسمّى «IGHV4-34»، وهو جين يلعب دوراً في الاستجابة المناعية، ويظهر بمستويات مرتفعة في بعض الخلايا السرطانية، خصوصاً في نوع شائع من سرطانات الدم يُعرف باللمفوما البائية كبيرة الخلايا المنتشرة (diffuse large B-cell lymphoma). والأهم من ذلك أن هذا الجين نادراً ما يوجد في الخلايا السليمة.

وطوّر الباحثون بقيادة إيفان كوهين من مركز العلاجات المناعية الخلوية بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية وآخرون، علاج «CAR-T» جديداً باسم «CART4-34» صُمّم خصيصاً لاستهداف الخلايا البائية التي تحمل هذا الجين. وعند اختباره على فئران معدلة وراثياً مصابة باللمفوما، كانت النتائج لافتة، حيث دمّر العلاج الخلايا السرطانية بفاعلية مماثلة للعلاج التقليدي. ولم يهاجم الخلايا البائية السليمة. وبقي جهاز المناعة سليماً إلى حد كبير؛ وهو ما يعني أن المرضى قد يحصلون مستقبلاً على علاج قوي للسرطان دون فقدان قدرتهم على مقاومة العدوى.

إمكانات تتجاوز علاج السرطان

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على السرطان فقط؛ بل قد تمتد إلى علاج أمراض المناعة الذاتية، حيث يهاجم جهاز المناعة أنسجة الجسم عن طريق الخطأ. ومن أبرز هذه الأمراض «الذئبة الحمراء» (Lupus)، وهي حالة مزمنة قد تؤثر في الجلد والمفاصل والأعضاء. ويُنتج كثير من مرضى الذئبة أجساماً مضادة ضارة مرتبطة بجين «IGHV4-34».

وعند اختبار العلاج الجديد باستخدام خلايا مأخوذة من مرضى الذئبة، تمكّنت الخلايا التائية المهندسة من تدمير الخلايا المسؤولة عن إنتاج هذه الأجسام المضادة، مع الحفاظ على الخلايا المناعية السليمة. ورغم أن العلاج لا يضمن الشفاء من الذئبة حتى الآن، فإنه قد يشكّل جزءاً من استراتيجيات علاجية أكثر دقة في المستقبل.

الطريق ما زال طويلاً

لقد غيّر علاج «CAR-T» حياة بعض المرضى المصابين بسرطانات متقدمة، لكنه لا يزال علاجاً قوياً ومحفوفاً بالمخاطر، إذ يعاني كثير من المرضى من ضعف شديد في المناعة وارتفاع خطر الإصابة بالعدوى وفترات تعافٍ طويلة. لذلك فإن علاجاً يدمّر الخلايا السرطانية دون الإضرار بالخلايا المناعية السليمة قد يُحدث تحولاً كبيراً في جودة حياة المرضى بعد العلاج. كما قد يجعل هذا النوع من العلاج مناسباً لعدد أكبر من المرضى الذين لا يمكنهم حالياً تحمّل مخاطره.

ويؤكد العلماء أن العلاج لا يزال في مراحله المبكرة رغم الحماس، إذ اختُبر حتى الآن على الحيوانات وخلايا بشرية في المختبر فقط. ويستعد الباحثون لإطلاق تجارب سريرية أولية على البشر لاختبار أمان العلاج وتحديد الجرعات المناسبة. كما يشير الخبراء إلى أن العلاج لن يفيد جميع المرضى، لأن جين «IGHV4-34» موجود في نحو 60 في المائة فقط من حالات اللمفوما.

خطوة نحو الطب الدقيق

يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تقود إلى إنشاء مجموعة واسعة من علاجات «CAR-T» المخصصة التي تستهدف علامات جزيئية مختلفة في السرطان وأمراض المناعة الذاتية. وقد يتمكن الأطباء في المستقبل من تحليل الورم لدى المريض واختيار العلاج الأنسب من بين مجموعة علاجات مصممة خصيصاً لكل حالة.

ويمثل هذا العلاج مثالاً قوياً على الاتجاه المتزايد نحو الطب الدقيق الذي يهدف إلى استهداف المرض بدقة عالية مع تقليل الأضرار الجانبية. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات، فإن النتائج الأولية تبعث على التفاؤل، وقد تمهّد الطريق لعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


من يوم التأسيس إلى عصر الخوارزميات… كيف تبني السعودية صناعة طبية ذكية؟

الطبيب والخوارزمية
الطبيب والخوارزمية
TT

من يوم التأسيس إلى عصر الخوارزميات… كيف تبني السعودية صناعة طبية ذكية؟

الطبيب والخوارزمية
الطبيب والخوارزمية

في يوم التأسيس لا تحتفي المملكة العربية السعودية بالماضي بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل بوصفه مشروع دولة يتجدد مع كل مرحلة تحول. وإذا كان التأسيس الأول قد أرسى دعائم الكيان السياسي ووحدة الأرض، فإن «رؤية 2030» جاءت لتؤسس لمرحلة اقتصادية وتقنية جديدة، عنوانها الاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي.

من «الرؤية» إلى التنفيذ المؤسسي

وفي قلب هذا التحول يتقدم الذكاء الاصطناعي الطبي بوصفه أحد أبرز تجليات «الرؤية» في قطاع الصحة، حيث تلتقي التقنية مع السياسة العامة، ويصبح الابتكار أداة لتعزيز جودة الحياة واستدامة الخدمات الصحية.

لم يعد الذكاء الاصطناعي في المملكة مشروعاً تجريبياً محدود النطاق أو مبادرة معزولة، بل أصبح جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة تُبنى على بنية تحتية رقمية متقدمة، ومنظومة بيانات صحية مترابطة، وأطر تنظيمية واضحة، وبرامج جادة لبناء الكفاءات الوطنية. وقد انعكس ذلك في تسارع المبادرات النوعية خلال السنوات الأخيرة، بحيث انتقل التركيز من استيراد الحلول التقنية إلى توطينها وتصميمها وتطويرها وتشغيلها بكفاءة عالية داخل المستشفيات والمراكز البحثية، بما يعزز استقلال القرار الصحي ويؤسّس لصناعة طبية سعودية قائمة على المعرفة.

«سدايا»... هندسة التحول الوطني للبيانات

تمثّل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» العمود الفقري للتحول الرقمي في المملكة؛ إذ لم يقتصر دورها على إطلاق مبادرات تقنية، بل امتد إلى بناء منظومة حوكمة متكاملة تُعيد تعريف إدارة البيانات على المستوى الوطني. فمن خلال الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وضعت المملكة إطاراً مؤسسياً واضحاً لحوكمة البيانات، وضبط جودتها، وتنظيم إتاحتها وتبادلها بين القطاعات المختلفة، بما في ذلك القطاع الصحي الذي يُعدّ من أكثر القطاعات حساسية واعتماداً على دقة المعلومات.

وقد أتاح هذا الإطار للجهات الصحية تطوير نماذج تنبؤية وتحليلية تستند إلى بيانات وطنية موثوقة ومهيكلة، مع ترسيخ مبادئ الخصوصية وحماية المعلومات وتعزيز الأمن السيبراني بوصفه شرطاً سابقاً لأي ابتكار، فبناء الثقة في الذكاء الاصطناعي لا يتحقق عبر الخوارزميات وحدها، بل يبدأ من الثقة بالبيانات ذاتها: مصدرها، وسلامتها، وآليات استخدامها. وهذا الإدراك المبكر هو ما منح التجربة السعودية أساساً صلباً يجمع بين الطموح التقني والانضباط التنظيمي.

الطبيب والخوارزمية

«التخصصي»... الذكاء الاصطناعي في صميم القرار السريري

يُعد مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث نموذجاً متقدماً في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن الممارسة السريرية اليومية، حيث لم يُنظر إلى التقنية بوصفها أداة مساندة فحسب، بل بوصفها جزءاً من منظومة اتخاذ القرار الطبي. فقد عمل المستشفى على تطوير منظومات للذكاء الصحي تعتمد على تحليل البيانات السريرية واسعة النطاق، لدعم التشخيص المبكر، وتحسين تدفق العمل بين الأقسام، وتقليص الزمن الفاصل بين ظهور الأعراض واتخاذ القرار العلاجي، بما ينعكس مباشرة على جودة الرعاية وسلامة المرضى.

كما اتجه «التخصصي» إلى توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم الأطباء، سواء في تحليل التقارير الطبية المعقّدة أو تسريع مراجعة السجلات الإلكترونية واستخلاص المعلومات ذات الصلة. ولا يهدف هذا التكامل إلى استبدال الطبيب، بل إلى تحرير وقته للتركيز على التفاعل الإنساني واتخاذ القرار السريري الرصين. ولم يقتصر التحول على إدخال التقنيات، بل شمل برامج تدريبية متقدمة لتأهيل الكوادر الوطنية على فهم الخوارزميات وآليات عملها وحدودها، بما يعزز الاستخدام المسؤول والآمن، ويُرسخ ثقافة طبية تجمع بين الدقة التقنية والحكمة السريرية.

مدينة الملك عبد العزيز الطبية... البحث بوابة التطبيق

في منظومة الشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، تبرز مدينة الملك عبد العزيز الطبية ومركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية بصفتهما ركيزتَيْن أساسيتَيْن في دفع البحث التطبيقي في الذكاء الاصطناعي الحيوي. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في مشروعات تحليل البيانات الجينية واسعة النطاق، وتطوير نماذج التعلم الآلي في الطب الدقيق، وبناء أدوات تنبؤية لرصد المضاعفات السريرية قبل حدوثها، بما يعزز الانتقال من العلاج التفاعلي إلى الرعاية الاستباقية المبنية على البيانات.

هذا التكامل بين البحث والتطبيق يعكس إدراكاً مؤسسياً عميقاً بأن الابتكار الصحي لا يتشكل في غرف العمليات وحدها، بل يبدأ في المختبرات ومراكز تحليل البيانات، حيث تُختبر الفرضيات وتُبنى النماذج. وعندما تتكامل البيئات السريرية مع البحثية ضمن إطار تنظيمي واحد، تتسارع دورة الابتكار، وتتحول النتائج العلمية من أوراق منشورة إلى بروتوكولات علاجية وأدوات رقمية قابلة للتطبيق، بما يدعم تأسيس صناعة طبية وطنية قائمة على المعرفة والتطوير المحلي.

«صحة» الافتراضي... عدالة الوصول عبر التقنية

أحد أبرز تجليات «رؤية 2030» في القطاع الصحي يتمثّل في مستشفى «صحة» الافتراضي، الذي أعاد تعريف الرعاية عن بُعد من خدمة استشارية محدودة إلى منظومة وطنية مترابطة، فقد أسهم في ربط المستشفيات الطرفية بالمراكز المرجعية الكبرى، وتيسير الوصول إلى الاستشارات التخصصية الدقيقة عبر منصات اتصال رقمية مدعومة بأدوات تحليل ذكية، بما يقلل الفجوة الجغرافية ويعزّز تكافؤ الفرص العلاجية بين المناطق.

كما أطلقت المنظومة مبادرات للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة بالاعتماد على نماذج تحليلية تستقرئ مؤشرات الخطر قبل تفاقمها، الأمر الذي يُسهم في تقليص تأخر التشخيص وتحسين النتائج العلاجية على المدى الطويل. وهنا يتجلى البعد الإنساني للتقنية بوضوح؛ فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل الطبيب، بل يعمل جسراً يربط المريض بالخدمة المناسبة في الوقت المناسب، ويمنح النظام الصحي قدرة أكبر على الاستجابة العادلة والكفؤة في آنٍ واحد.

المستشفى الذكي

«كاوست»... العمق العلمي والشراكات العالمية

تلعب جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا (كاوست) دوراً محورياً في ترسيخ البحث المتقدم في الذكاء الاصطناعي الطبي، عبر مختبرات متخصصة في التعلم العميق، وتحليل الصور الطبية عالية الدقة، والنمذجة الحيوية القائمة على البيانات الضخمة، إلى جانب شراكات بحثية دولية مع مراكز علمية رائدة. هذا التكامل بين البنية البحثية المتقدمة والانفتاح العالمي يتيح تطوير حلول مبتكرة تنطلق من احتياجات صحية حقيقية، وتستند إلى أسس علمية راسخة.

إن وجود جامعة بحثية عالمية بهذا المستوى يمنح المنظومة الصحية السعودية بعداً استراتيجياً طويل الأمد، إذ لا يقتصر دورها على دعم التطبيقات الحالية، بل يُسهم في بناء المعرفة التي ستقود تقنيات الغد. ومع هذا التحول، تنتقل المملكة تدريجياً من موقع مستهلك للتقنية إلى شريك فاعل في إنتاجها وتطويرها وتصدير خبراتها، وهي نقلة نوعية تعزز مكانتها ضمن الاقتصادات القائمة على المعرفة، وتربط الصناعة الطبية الوطنية بعمق علمي مستدام.

الحوكمة والتنظيم... الثقة قبل الانتشار

لا يمكن لأي نظام صحي أن يتبنّى تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من دون إطار تنظيمي واضح ومتدرج يوازن بين الابتكار وحماية المريض. وهنا يبرز دور الهيئة العامة للغذاء والدواء في إصدار إرشادات تنظيمية للمنتجات الصحية الرقمية، وتحديد معايير السلامة والفعالية للأجهزة والبرمجيات الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بما يشمل آليات التحقق، وإدارة المخاطر، ومتابعة الأداء بعد التسويق.

إن التنظيم الرشيد لا يهدف إلى إبطاء الابتكار أو تقييده، بل إلى ترسيخ بيئة ثقة تُمكّن الابتكار من الاستمرار والاستدامة، فالمريض لا يمنح ثقته للتقنية لأنها متقدمة أو سريعة، بل لأنها خضعت للتقييم العلمي، والمراجعة التنظيمية، وآليات المساءلة الواضحة، ومن دون هذا الأساس يتحول الانتشار إلى مجازفة؛ أما معه فيصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً طبيعياً من منظومة رعاية صحية مسؤولة وآمنة.

«رؤية 2030»... حين يصبح الذكاء أداة بناء وطني

إذا تأملنا المشهد في يوم التأسيس، يتضح أن المملكة لم تكتفِ بإعلان الطموحات أو رسم الخطط الاستراتيجية، بل عملت على تشييد منظومة مترابطة تبدأ من الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتمر بالمستشفيات المرجعية والمراكز البحثية، وتمتد إلى الجامعات المتقدمة، لتنتهي بإطار تنظيمي راسخ يعزّز الثقة المجتمعية ويضمن استدامة التحول. هذه السلسلة المتكاملة تكشف عن أن التحول لم يكن مبادرات متفرقة، بل مشروع دولة يُدار برؤية طويلة الأمد.

لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي الطبي في المملكة من مفهوم مستقبلي يُناقش في المؤتمرات إلى واقع تشغيلي يُطبّق في غرف الطوارئ، وعيادات التشخيص، ومختبرات التحليل، ويلامس حياة المرضى بصورة يومية. وهكذا تُترجم «رؤية 2030» في قطاع الصحة: ذكاء تقني محكوم بحوكمة رشيدة، وبنية بيانات موثوقة، وابتكار علمي لا ينفصل عن البعد الإنساني، حيث يبقى المريض دائماً في مركز المعادلة، لا على هامشها.

وفي «يوم التأسيس» يبدو أن البناء لم يتوقف يوماً، وإنما تبدّلت أدواته وتطورت وسائله. فمن الحجر والطين إلى الخوارزميات والبيانات، ومن توحيد الأرض إلى توحيد المنظومات الرقمية، تبقى الغاية واحدة: دولة قوية بمؤسساتها، وصحة متقدمة بتقنياتها، وإنسان ينال رعاية تليق بطموحه وتنسجم مع تطلعات وطنه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض، وفق ما أعلن الطاقم المشرف عليه.

وفي أواخر الشهر السابع من الحمل، شخّصت إصابة الجنين بمتلازمة «كاسباخ - ميريت» التي قد تؤدّي إلى الوفاة في مستشفى بمولوز في شرق فرنسا.

وكانت كتلة عند مستوى الرقبة «تعرقل تنفّس الجنين»، حسب ما قال الطبيب كريس مينيلا خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في مستشفى الأم والطفل في مولوز، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الورم ينمو بسرعة وصولاً إلى وجه الجنين.

فيفيان تحمّل ابنها عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم مستشفى الأطفال في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

واقترح مركز متخصّص في هذه الأمراض النادرة في ليون اللجوء إلى علاج سابق للولادة يحدّ من تشكّل الأوعية الدموية الجديدة بواسطة دواء «سيروليموس» تحت إشراف البروفيسور لوران غيبو.

وأُعطي الدواء للوالدة عبر الفم واجتاز حاجز المشيمة وصولاً إلى الجنين، ما سمح بكبح نموّ الورم.

ووُلد عيسى في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إثر عملية قيصرية. وهو اليوم رضيع يقظ وبشوش في شهره الثالث. و«بالرغم من الورم، يأكل وينمو جيّداً»، حسب والدته فيفيان (34 عاماً).

ويخضع عيسى لمتابعة منتظمة في المستشفى وما زال يتلقى العلاج بـ«السيروليموس».