الأزمة السورية تشكل تحديا كبيرا للوكالات الإنسانية

خبير أردني: «لو كنت في مخيم الزعتري لكنت أصبحت جهاديا»

لاجئتان سوريتان أمام خيمة في مخيم الزعتري بالأردن أمس (رويترز)
لاجئتان سوريتان أمام خيمة في مخيم الزعتري بالأردن أمس (رويترز)
TT

الأزمة السورية تشكل تحديا كبيرا للوكالات الإنسانية

لاجئتان سوريتان أمام خيمة في مخيم الزعتري بالأردن أمس (رويترز)
لاجئتان سوريتان أمام خيمة في مخيم الزعتري بالأردن أمس (رويترز)

في مخيم نموذجي للاجئين السوريين، يغلب على الخيام اللون الأبيض حاملة شعار الجهة المتبرعة. أما الأكواخ التي بناها مئات اللاجئين السوريين بأنفسهم فسقفت بلوحات الإعلانات القديمة التي كانت، إبان وجودهم في سوريا، تستخدم للإعلان عن الخطوط الجوية الإماراتية، ومركز سيلكور ليزر الطبي واليخوت البحرية وقاعات تنظيم حفلات الزفاف.
وقد زودت مؤسسة خيرية لبنانية تدعى «سوا» الأكواخ بالمراحيض وخزانات المياه، لكن أغلب السوريين على أطراف بعلبك، التي يوجد فيها أكبر تجمعات للاجئين، يعيشون على نفقتهم الخاصة. فمن بين 2.3 مليون لاجئ سوري فروا من الحرب الأهلية في بلادهم، يعيش 20 في المائة فقط في المخيمات، أما البقية منهم والذين تطلق عليهم منظمات الإغاثة اللاجئون الحضر، فيعيشون إما في المدن أو البلدات أو القرى. ففي لبنان، حيث لا يوجد مخيم رسمي للاجئين يعيش 850 ألف لاجئ مسجل موزعين في 1600 منطقة في لبنان.
في أحد هذه التجمعات، تعيش 33 عائلة في 30 كوخا، ولم يلتحق أي من أبناء هذه العائلات بالمدارس. وربع القاطنين فيها مسجلون ضمن وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ليتمكنوا من الحصول على المساعدات الغذائية، بحسب اللاجئين.
وبصورة ما، يأتي الموقف في لبنان نتيجة الخيارات السياسية. وبشكل عام نقلت الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية خلال السنوات الأخيرة لاجئين إلى خارج المعسكرات، التي عادة ما تكون عرضة لوقوع مشكلات اجتماعية. وكان الاعتقاد هو أن يعيش اللاجئون حياة أكثر صحة وطبيعية ويكتسبوا المهارات اللازمة لمساعدتهم بعد عودتهم إلى بلادهم مرة أخرى. والخدمات يمكن تقديمها فقط كما هو الحال داخل المعسكر. لكن حجم أزمة اللاجئين في سوريا أظهر أيضا الصعوبات وتكلفة إعاشة السكان اللاجئين في المناطق الحضرية إلى حد كبير، وتسعى الأمم المتحدة جاهدة الآن من أجل إقامة مخيمات في لبنان.
وتعاني منظمات الإغاثة لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية الموجودة في جميع المخيمات إلى أكثر من 1.8 مليون لاجئ حضري مسجل ينتشرون في أنحاء لبنان والأردن وتركيا وغيرها. لكن الأمم المتحدة والحكومات لا تعرف عدد اللاجئين الموجودين في المناطق الحضرية بالفعل. فلا تزال مئات الآلاف منهم غير مسجلين.
وقال جيف كريسب، مدير بارز في المنظمة الدولية للاجئين، وهي جماعة حقوقية في واشنطن، والرئيس السابق لوضع السياسات في وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة: «إن الأزمة السورية تشكل تحديا حقيقيا للوكالات الإنسانية، التي هي أكثر اعتيادا على التعامل مع اللاجئين داخل المخيمات، حيث يوجد الجميع في مكان واحد».
من الصعب عقد مقارنات مباشرة، ولكن في الأردن، حيث يوجد خمس اللاجئين في المخيمات، ناشدت الأمم المتحدة تقديم مساعدة تعادل نحو 980 دولارا لكل لاجئ، وفي لبنان، يرتفع الرقم إلى 1.210 دولارات. يذهب جزء من التكلفة الإضافية إلى مساعدة المجتمعات المحلية الغارقة في طوفان من اللاجئين، الذين ينتهي بهم الأمر إلى التنافس مع السكان المحليين على الوظائف والخدمات. وفي تركيا، أغنى من الدول المضيفة، ربما يلقى وجود قوة عمل أجنبية رخيصة، على الرغم من كونها غير قانونية، تشجيعا ضمنيا. لكن الوظائف في الاقتصادات اللبنانية والأردنية الصغيرة والهشة ربما تكون نادرة.
محمد معفلاني، 35 عاما، وهو لاجئ من درعا في جنوب سوريا، عاش لمدة ستة أشهر في منطقة شمال عمان، العاصمة الأردنية، ويدفع نحو 240 دولارا شهريا لشقة من غرفتين لزوجته واثنين من أبنائه. وجد محمد عملا غير ثابت كعامل دهان للمنازل ولكن تعرض لاستدعاء عدة مرات من قبل السلطات الأردنية للعمل بصورة غير قانونية، ويعتقد، أن دهاني المنازل الأردنيين غاضبون لأنه يبدي استعدادا للعمل بأجر متدن.
ونظرا لعدم قدرته على تحمل إيجار منزله، أقام محمد وعائلته في مخيم الزعتري للاجئين الضخم الذي تديره الأمم المتحدة في الأردن، في انتظار حافلة إلى الحدود السورية، حيث ستعود الأسرة إلى درعا على الرغم من القتال هناك. وتقول زوجته مها، 29 عاما: «أنا خائفة وسعيدة في نفس الوقت». لم تفكر العائلة في البقاء في الزعتري، الذي هو، كما تقر وكالة اللاجئين نفسها، غير قانوني من عدة نواح، نظرا لوجود جماعات إجرامية ومتمردة تعمل خارج نطاق سيطرة المسؤولين في الوكالة. ويقول حسن أبو هنيه، الخبير الأردني في السلفية الجهادية: «لو كنت في مخيم الزعتري فسوف أصبح جهاديا».
ويتميز مخيم مراغب الفهود الصغير في الأردن، الذي تقوم بتمويله دولة الإمارات ويديره الهلال الأحمر الإماراتي، بتلبية جميع احتياجات سكانه البالغ عددهم 3،000، حيث تتوافر وظائف رمزية، ولكن المسؤولين لا يسمحون للاجئين بإقامة مشاريع صغيرة. لكنه يبدو إلى حد بعيد الأكثر تنظيما، ونظافة وأمنا من المخيمات الأخرى، كما أن لديه إجراءات أمنيه أقوى وأشد صرامة في منح تصاريح المغادرة، حتى ليوم واحد.
وتقول سارة كارازان، 37 عاما، التي تعيش مع أطفالها الخمسة: «مخيم الزعتري غير نظيف وخطير، ونحن سعداء بوجودنا هنا». لكن زياد الحميد، 40 عاما، الذي كان يملك متجرا للهواتف الجوالة في درعا قبل الحرب: «شكا من غياب الحرية»، وقال: «أريد الذهاب إلى الزعتري. هناك سأشعر بالحرية، ويمكنني أن أبدأ عملي الخاص». وقال طالب أبو طالب، وهو مسؤول في الهلال الأحمر الإماراتي الذي استمع إلى المحادثة: «فكر في زوجتك وبناتك. أنت أناني. أنت لا تعرف الحالة التي عليها مخيم الزعتري».
وفي تركيا، أنفقت الحكومة ملياري دولار لإيواء مائتي ألف لاجئ في 21 مخيما. وتدير المخيمات بصورة مباشرة ولا تسمح للغرباء بدخول المخيمات إلا بصورة محدودة للغاية. في كيليس، بلدة على الحدود التركية، يعيش نحو 14 ألف لاجئ في مقطورات ويتمتعون بمجموعة كاملة من المرافق فيما يعد واحدا من أفضل المخيمات. ويسمح فيه بإقامة المشاريع الصغيرة. فيدير مازن مراد، 24 عاما، وهو صانع أجهزة طب الأسنان في سوريا قبل الحرب، متجرا صغيرا لبيع الشالات. فيعبر كل صباح إلى سوريا لشراء بضاعته ثم يعود إلى تركيا لفتح متجره في وقت متأخر من الصباح. وأشار مراد إلى أنه كان يقاتل في إدلب، ضمن كتيبة للجيش السوري الحر المدعوم من الغرب.

خدمة «نيويورك تايمز»



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.