عمران رضا: أربعة ملايين لاجئ سوري في عام 2014

الممثل الإقليمي لمفوضية اللاجئين في الخليج لـ : 2.3 مليون في ألف يوم

الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى دول مجلس التعاون الخليجي
الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى دول مجلس التعاون الخليجي
TT

عمران رضا: أربعة ملايين لاجئ سوري في عام 2014

الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى دول مجلس التعاون الخليجي
الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى دول مجلس التعاون الخليجي

رأى الممثل الإقليمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدى الخليج عمران رضا، أن التحدي الأكبر الذي يواجه المفوضية هو كيفية توفير فرصة التعليم لأكبر عدد ممكن من الأطفال السوريين اللاجئين، في الوقت الذي تتوقع فيه الأمم المتحدة أن تضاعف عدد اللاجئين إلى 4.1 مليون لاجئ في عام 2014.
وقال رضا لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن نحو 2.3 مليون لاجئ على مدى 1000 يوم، في ظل نقص حاد في عدد المعسكرات المطلوبة لإيوائهم». وأضاف: «76 في المائة من اللاجئين من النساء والأطفال، حيث تضرر ما يقدر بـأكثر من مليون طفل، في حين أن عدد اللاجئين المستفيدين من الدعم الإضافي المقدم في الشتاء يقدرون بـ1.1 مليون لاجئ».
ونوه بأن المفوضية تعكف حاليا على صياغة خطة عمل لمواجهة الحاجة الماسة لتغطية الخدمة لـ2.4 مليون لاجئ خلال الستة أشهر الأخيرة، مشيرا إلى أن الاستجابة الإنسانية لا تزال دون الطموح. وأضاف: «نحن في السعودية لدينا عمل كبير نقوم به بالتنسيق والنقاش المستفيض مع الجهات السعودية، خاصة مع الحملة الوطنية السعودية وصندوق التنمية السعودي يرقى لمستوى العمل الاستراتيجي».
وفيما يأتي نص الحوار:
* ما واقع اللاجئين السوريين في الوقت الراهن إحصائيا؟
- لدينا الآن نحو 2.3 مليون لاجئ، فروا من الحرب في سوريا على مدى 1000 يوم، نحو الدول المجاورة، 76 في المائة منهم من النساء والأطفال، حيث تضرر ما يقدر بـ1.135.897 طفلا، في حين أن عدد اللاجئين المستفيدين من الدعم الإضافي المقدم في الشتاء يقدرون بـ1.1 مليون لاجئ.
* كيف تنظرون إلى مستقبل أطفال سوريا اللاجئين؟
- الأطفال يعانون من الآثار النفسية للصراع في سوريا، حيث فقدوا رفاههم واستقرارهم النفسي والاجتماعي ومهارات التحدث لديهم، فضلا عن المهارات الاجتماعية، حيث إن نسبة 52 في المائة من اللاجئين السوريين هم من الأطفال (290 ألف طفل في الأردن، و385 ألف طفل في لبنان)، وهناك نسبة متدنية جدا ترسل أطفالها للمدارس بسبب الوضع الاقتصادي والمعيشي في هذه الدول، ما يضطر الكثير من الأطفال بناء لرغبة أولياء أمورهم إلى البحث عن العمل. وهناك ما يقارب 4.8 مليون طفل سوري في مرحلة الدراسة، منهم 2.2 مليون طفل داخل سوريا لا يذهبون للمدرسة بسبب الوضع الحالي، وهذا الرقم في ازدياد يوميا، ونحن من قبلنا سنعزز تعاوننا مع المؤسسات الدولية والإقليمية وصداقتنا الحميمة مع السعودية للحصول على أكبر استجابة ممكنة في هذا الصدد.
* ما إنجازاتكم خلال عام 2013؟
- المفوضية قدمت مساعدات مالية شهرية بدل غذاء لـ34493 لاجئا وطالب لجوء، في حين قدمت مساعدات مالية شهرية لـ22289 لاجئا، وأما فيما يتعلق بالتمويل المطلوب لسد الخدمات، فإن احتياجات التمويل تبلغ 248.7 مليون دولار، ومستوى التمويل حتى الآن لا يتجاوز 111.3 مليون دولار، أي بنسبة 45 في المائة. وعموما فإن مقدار الفجوة في التمويل تبلغ 137.4 مليون دولار أي بنسبة 55 في المائة.
* كيف تنظر إلى حجم الاستجابة المطلوبة؟
- إن وكالات الأمم المتحدة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تعمل بجانب 126 شريكا في أنحاء المنطقة لمساعدة اللاجئين، غير أنه للأسف أن استمرار الحرب أدى إلى تدفقات بمعدل متزايد، وصل إلى نسبة 500 في المائة في العام الماضي، الأمر الذي جعل التغطية الخدمية دون الطموح، حيث شملت 16 في المائة فقط. إلا أن هناك خطة من قبل المفوضية لمواجهة الحاجة الماسة لتغطية الخدمة لـ2.4 مليون من اللاجئين خلال الستة أشهر الأخيرة، في حين أن الحلول السياسية لا تزال تراوح مكانها، والأمور تزداد تعقيدا مع مرور الزمن. وبالتالي تتفاقم الحاجة الماسة لتقديم مساعدات وإغاثات. وخطتنا تقوم على تقديم أكبر دعم ومساعدة ممكنة للاجئين في مخيمات تلك الدول أو المناطق الحدودية. وبالتأكيد فإن خطتنا للستة أشهر المقبلة في غاية الأهمية من أجل تحقيق تلك المقاصد الإنسانية المهمة وتخفيف حدة المعاناة للاجئين، ولكن عموما فإن شركاء العمل الإنساني في لبنان يستجيبون إلى تدفق ما يزيد على 3800 عائلة في أعقاب القتال في منطقة القلمون بريف دمشق بسوريا، حيث يوجد معظم اللاجئين من دون مأوى مناسب، في ظل الظروف الشتوية الصعبة في بلدة عرسال بمحافظة البقاع وآخرون في قرى أخرى.
* ما تقييمكم لحجم الاستجابة للطوارئ في ظل ازدياد الضغط على المرافق الحالية؟
- حجم الاستجابة لنداءات المفوضية لم يكن كافيا حتى الآن، حيث إن هناك حاجة لمخيمات جديدة وخدمات تقابل هذه الزيادة، على الرغم من المجهودات التي تقوم بها هذه المنظمة بالتعاون مع المنظمات والجمعيات الأخرى، فضلا عن الخدمات التي تقوم بها الحكومات. وهنا لا بد من الإشادة بجهود السعودية في هذا الإطار والحملة الوطنية السعودية وصندوق التنمية السعودي وغيرها من الجهات السعودية المتعاونة لسد النقص في خدمات اللاجئين. وهناك أيضا جمعيات إنسانية وخيرية طوعية وحكومية، ولكن أعود وأؤكد أنها ليست كافية بعد، إذ إن أعداد اللاجئين يفرون من نار الحرب وعدم الأمان من الداخل، وانعكاساتها بالخارج في ازدياد مستمر، والمعاناة تتضاعف بمرور الزمن، في ظل عدم الوصول إلى تسوية سياسية نهائية للنزاع السوري وإيقاف الحرب حتى الآن، مع حلول موسم الشتاء ونحن كمفوضية أممية للاجئين، بدأنا برنامجا طارئا بالتعاون مع شركائنا، وأقمنا جسرا جويا كبيرا من أربيل بالعراق للاجئين في الحسكة داخل سوريا في الثاني من الشهر الحالي، حاملا 90 طنا متريا من مختلف مواد الإغاثة الأساسية لمساعدة 4400 عائلة على مدار أشهر الشتاء، كذلك تطلق وكالة الأونروا للاجئين الفلسطينيين خطة مساعدات استعدادا للشتاء.
* ما ملامح خطة المفوضية لمعالجة أوضاع اللاجئين السوريين؟
- خطتنا لعام 2014 هو تغطية الخدمات المطلوبة لكل اللاجئين، الذين لم يجدوا حظا منها ومقابل الزيادة المفترضة من لاجئين جدد في نفس الوقت. وكنا قد ناقشنا ذلك مسبقا مع الحكومات، بالإضافة إلى أن 76 جهة عالمية مختلفة، و20 جهة طوعية وطنية، و30 جهة عالمية، تهتم باللاجئين والنازحين داخليا، لوضع وإنجاح هذه الخطة على أرض الواقع لصالح اللاجئين، وهذا يستدعي خلق جسور كبيرة من التعاون والتنسيق من أجل تغطية الخدمات المطلوبة لهم، خلال الستة أشهر المقبلة على الأقل.
* ما التحديات الملحة التي تواجه المفوضية في خطة عملها تجاه اللاجئين السوريين؟
- أول التحديات هو كيفية سد النقص الحاد في عدد المخيمات وتخفيف الضغط على المخيمات القائمة في الأساس، وبطبيعة الحال فإن توفير التعليم يعد أكبر التحديات. والحاجة لا تزال ماسة لتوفير التعليم والمدرسين وأدوات التعليم لأولئك الذين يعيشون من غير مخيمات تؤويهم في وضع إنساني مأساوي للغاية، مع توقعات بأن يزيد عددهم على 1.5 مليون بحلول عام 2014، وهناك نقص في البنية التحتية من مياه وكهرباء وشبكات صرف صحي ومدارس.
* ما التحديات التي تواجه عمل المفوضية داخل سوريا تحديدا؟
- الوضع داخل سوريا معقد جدا لأن العنف والصراع في مختلف المناطق في الداخل أكثر شراسة، ترتب عليه فقدان الأمن لجسور إيصال الخدمات المطلوبة للجهات المتضررة، وهذه هي المشكلة الأكبر. ولهذا السبب كثفنا عدد فرقنا العاملة بالداخل لـ370 فريقا، يعملون داخل محافظات سوريا، ونسقنا مع أكثر من 50 جهة حكومية لمعالجة الوضع، حيث إن هناك فجوات في تغطية وإيصال كل المساعدات الإنسانية، ما حتم على المفوضية وشركائنا إقامة جسور إنسانية توصل بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، وبين تلك المناطق التي تقع خارج سيطرتها في مختلف الجهات والمناطق في الداخل والخارج، حيث إن هناك 6.5 مليون نازح داخلي، بينما هناك 45615 لاجئا وطالب لجوء مسجلين لدى مفوضية اللاجئين في سوريا، كذلك هناك 352 موظفا يعملون لدى المفوضية في خمس مدن سورية، ولدينا 15 شريكا تنفيذيا للمفوضية يقدمون الدعم لعمليات المفوضية الخاصة باللاجئين والنازحين داخليا، ولكن يبقى فقدان الأمن في ظل سقوط عدد متزايد من القتلى والإصابات وحركة النزوح هاجسا يؤرقنا كثيرا، ويصعب مهمتنا تجاه أكثر من ستة ملايين في الداخل.
* ما الذي يمكن أن يضيفه مؤتمر الكويت في يناير (كانون الثاني) 2013 لمساعي المفوضية تجاه اللاجئين؟
- في مؤتمر الكويت الأول جرى التوجيه برسم خارطة طريق تلائم الوضع المأساوي داخل وخارج سوريا، ومحاولة توفير الخدمات اللازمة للاجئين في مختلف المناطق الحدودية، وما يعنينا في المؤتمر الثاني الذي من المتوقع انعقاده في 15 يناير في العام المقبل، أن يجري عمل دراسة وتشخيص دقيق لخارطة الطريق، ولنرى أين نجحت وفيما أخفقت وكيف يمكن سد الثغرة التي صنعها الوضع الراهن في المسألة السورية، ومن ثم إيجاد آليات فاعلة لتنفيذ البرامج الإنسانية الكفيلة بمساعدة اللاجئين من خلال إيجاد قنوات جديدة داعمة لإنجاح عملنا في هذا الصدد.
* ما تقييمكم لحجم التعاون الذي تجده المفوضية من قبل السعودية تحديدا والدول الخليجية عامة؟
- هناك شراكة استراتيجية مع السعودية، ولدينا عمل كبير نقوم به بالتنسيق والنقاش المستفيض مع الجهات السعودية المانحة، خاصة مع الحملة الوطنية السعودية، وصندوق التنمية السعودي يرقى لمستوى العمل الاستراتيجي، حيث وقعنا معها اتفاقيات مهمة، وأثمرت عن إنجاز الكثير من أوجه المساعدة والإغاثة للسوريين في مناطق مختلفة، حيث أصدر خادم الحرمين الشريفين قرارا سريعا بتنفيذها، ما يدل على حكمته. ولا بد من الإسراع في تنفيذ هذه الاتفاقات والمساهمة حتى في البنى التحتية المطلوبة في الوقت الراهن في الدول المستضيفة، وعلى الصعيد الخليجي ككل، فالأمر له وجهان مهمان، الأول هو التنسيق والإدارة للعمل المطلوب، والثاني هو تحقيق الهدف وتنفيذ البرنامج لجعلها أكثر فعالية وأكثر استقلالية في عملها دون غيرها من المناطق الإقليمية الأخرى.
* وكيف ترى تعاون دول العالم الأخرى معكم؟
- هناك ما يقارب نحو 70 دولة من مختلف دول العالم، تقدم لنا خدمات ودعما ومساعدات تتباين في حجمها تجاه اللاجئين من السوريين في الدول المحيطة لسوريا، وفي مقدمتها السويد وألمانيا وكندا وأميركا، بالإضافة إلى مساهمة دولة الكويت، غير أن هذه المساعدات لم تبلغ الحد المطلوب لتغطية نفقات خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين، وهنا تكمن الخطورة وربما تظهر عجزا واضحا يجعل الوضع أكثر مأساوية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.