مخاوف من كارثة بيئية في طرابلس بعد تفجير خزان وقود ثان

الحكومة الليبية تطلب مساعدات دولية عاجلة

المختطف المالطي مارتين غالي لدى وصوله الى مطار مالطا الدولي أمس بعد أن أطلق مسلحون ليبيون سراحه عقب أحد عشر يوما من اختطافه من منشأة نفط حيث كان يعمل (رويترز)
المختطف المالطي مارتين غالي لدى وصوله الى مطار مالطا الدولي أمس بعد أن أطلق مسلحون ليبيون سراحه عقب أحد عشر يوما من اختطافه من منشأة نفط حيث كان يعمل (رويترز)
TT

مخاوف من كارثة بيئية في طرابلس بعد تفجير خزان وقود ثان

المختطف المالطي مارتين غالي لدى وصوله الى مطار مالطا الدولي أمس بعد أن أطلق مسلحون ليبيون سراحه عقب أحد عشر يوما من اختطافه من منشأة نفط حيث كان يعمل (رويترز)
المختطف المالطي مارتين غالي لدى وصوله الى مطار مالطا الدولي أمس بعد أن أطلق مسلحون ليبيون سراحه عقب أحد عشر يوما من اختطافه من منشأة نفط حيث كان يعمل (رويترز)

بدا أمس أن السلطات الليبية الضعيفة تواجه صعوبات جمة في السيطرة على حرائق خرجت عن السيطرة بخزانات وقود قرب مطار طرابلس الدولي، نتجت عن هجمات صاروخية مع تجدد الاشتباكات بين الميليشيات المتناحرة في المنطقة.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر حكومية ليبية رفيعة المستوى أن العديد من الدول، التي أجرت معها الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني اتصالات مكثفة طيلة الساعات الماضية للحصول على مساعدتها الفورية للسيطرة على الحريق، قد اشترطت إيقاف القتال الدائر منذ نحو أسبوعين في محيط مطار طرابلس أولا، قبل أن توافق على تقديم المساعدة.
ولم تظهر الميليشيات المتناحرة أي مؤشر حتى مساء أمس على إمكانية استجابتها لطلب الحكومة إبرام هدنة فورية مؤقتة لإخماد الحريق، فيما وصفت الحكومة الوضع بأنه أصبح «خطيرا جدا» بعد اندلاع النيران في خزان ثان للوقود، بينما لا يزال رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق هائل في خزان أول قرب طرابلس يهدد العاصمة الليبية التي غادرها الأجانب جراء تصاعد أعمال العنف.
وقال أحمد الأمين، الناطق باسم الحكومة الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حكومة بلاده لن تتوقف عن جهودها لوقف القتال ومحاولات إطفاء الحريق ومعالجة النتائج. وأضاف في تصريحات خاصة عبر الهاتف من العاصمة طرابلس «هذا هو عمل الحكومة.. ولن تيأس».
ودعت السلطات الليبية سكان الجوار إلى مغادرة المنطقة تخوفا من حصول «انفجار ضخم»، وطلبت المساعدة من دول عدة أعلنت استعدادها لإرسال طائرات. وأصيبت خزانات الوقود التي تزود العاصمة الليبية طرابلس باحتياجاتها بصواريخ، مما أدى لاشتعال حريق هائل في الموقع القريب من المطار، علما بأن الخزان يحوي ستة ملايين لتر من الوقود وهو قريب من خزانات أخرى تحوي غازا وديزل.
ودعت وزارة النفط والغاز عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» المواطنين القاطنين بالجوار لأخذ الحيطة والحذر مخافة انتشار النيران وانتقالها إلى باقي الخزانات الأخرى.
وبينما قال محمد الحريري، المتحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط، إن الحريق خرج عن السيطرة وإن رجال الإطفاء انسحبوا من الموقع مع استئناف الاشتباكات في المنطقة، دعت مديرية أمن طرابلس جميع المؤسسات العامة والخاصة والمواطنين الذين يملكون صهاريج لنقل المياه لتعبئتها بالمياه والتوجه بها بسرعة إلى مستودعات النفط والغاز بطريق المطار لمساعدة فرق الإطفاء التي تكافح الحريق الذي نشب هناك.
وطبقا لما بثته وكالة الأنباء المحلية، فقد ناشدت المديرية الأطراف المتنازعة وقف إطلاق النار في المنطقة المحيطة بمكان الحريق وذلك لمساعدة دخول سيارات نقل المياه. وحذر الحريري من وقوع كارثة طبيعية وإنسانية إذا امتدت النيران إلى خزانات الغاز المنزلي في الموقع نفسه. وقال في تصريحات له أمس «إذا حصل هذا الأمر هناك خطر في حصول انفجار ضخم من شأنه أن يلحق أضرارا بمنطقة شعاعها يمتد لما بين ثلاثة إلى خمسة كيلومترات».
وفي تعبير واضح عن حجم الكارثة التي تواجهها السلطات الليبية، قال الحريري إن رجال الإطفاء عملوا خلال ساعات على إخماد النيران لكن دون جدوى، وأضاف «وقد نفدت احتياطياتهم من المياه وغادروا المكان.. يبقى أمامنا خيار التدخل الجوي». كما وجهت حكومة الثني نداء عاجلا إلى الذين يملكون سيارات إطفاء في مدينة طرابلس وضواحيها، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، بسرعة التوجه إلى مستودعات شركة «البريقة» للنفط والغاز بطريق المطار لمساعدة فرق الإطفاء التي تكافح الحريق الناشب هناك. وطالبت الحكومة الأطراف المتنازعة بوقف إطلاق النار في هذه الظروف الحرجة لتمكين فرق الإطفاء من أداء واجبها.
وقالت الوكالة الرسمية إن عشرة سيارات إطفاء دخلت إلى مستودع شركة «البريقة» من أجل المساعدة في إطفاء الحريق بالمستودع وتجنيب المنطقة كارثة بيئية قد تحدث. ونقلت عن مصدر بالحكومة أن هذا العدد من السيارات لا يكفي لإخماد هذا الحريق نظرا لضخامته.
وكانت الحكومة ناشدت جميع الأطراف المتنازعة التوقف فورا عن إطلاق النار المتبادل نظرا لاندلاع النيران في الخزان الثاني للوقود بمستودع طريق المطار. وأكدت الحكومة في بيان لها، هو الثاني من نوعه خلال 24 ساعة فقط، أن اندلاع النيران في الخزان الثاني يندر بوقوع كارثة قد تتسبب في أضرار جسيمة سواء للسكان أو البيئة.
وأعلنت الحكومة في وقت سابق من مساء أول من أمس عن نشوب حريق هائل بمستودعات «البريقة» للنفط والغاز بطريق المطار جراء إصابتها بقذائف متبادلة بين الأطراف المتنازعة بالمنطقة. وأكدت الحكومة أنها سخرت كل إمكاناتها من خلال الاستعانة بجميع وحدات الدفاع المدني بطرابلس وكذلك فرق الإطفاء والمهندسين والتقنيين التابعين لشركة «البريقة». وأوضح بيان الحكومة أنها قد أجرت اتصالات بعدد من الدول طلبت فيها المساعدة الفنية للمشاركة في إطفاء الحرائق، مشيرة إلى أن عددا لم تحدده من هذه الدول قد أعربت عن استعدادها لإرسال طائرات وفرق متخصصة في إطفاء الحرائق.
وحذرت الحكومة في بيانها الجماعات المتصارعة من مغبة عدم التوقف عن إطلاق النار لإعطاء الفرصة لفرق الإطفاء للقيام بأعمالها، محملة هذه الأطراف مسؤولية الكارثة الإنسانية والبيئية التي ستحل بالعاصمة طرابلس في حال عدم التمكن من إطفاء هذا الحريق.
من جهتها، حثت شركة «البريقة» لتسويق النفط كل الأطراف على تحكيم صوت العقل والانحياز الكامل لثورة السابع عشر من فبراير (شباط) والوقوف بقوة في صف الشعب، وناشدت الجميع الحفاظ على ممتلكات الدولة ومرافقها الحيوية. وحذرت الشركة في بيان لها من المساس بمواقعها ومستودعاتها تجنبا لأي كوارث تنتج من سقوط القذائف على خزاناتها الممتلئة بالوقود وما يتبعه ذلك من انفجارات وأضرار مادية وبشرية وترويع للسكان الآمنين بالمنطقة.
وأسفرت المواجهات بمختلف الأسلحة الثقيلة بين ثوار الزنتان الذين يسيطرون على مطار طرابلس منذ سقوط النظام السابق وتشكيلات من ثوار مصراتة متحالفين مع غرفة ثوار ليبيا المحسوبة على الإسلاميين، بحجة وضع حد لهيمنة ثوار الزنتان على هذه المؤسسة الحيوية، عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، وأضرار مادية بالمطار ومنشآت مدنية أخرى، من بينها مستودع خزانات النفط ومخازن الأدوية، علاوة على إحراق 20 طائرة من الأسطول الليبي المجدد حديثًا، قدرت بنحو ملياري دولار.
وقالت وزارة الصحة إنه منذ اندلاع الاشتباكات قبل أسبوعين قتل 94 شخصا في العاصمة، وأصيب أكثر من 400 شخص، حيث تتبادل الميليشيات المتناحرة إطلاق الصواريخ ونيران المدفعية في جنوب طرابلس.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.