تعثر هدنة غزة.. والسلطة غاضبة من كيري

عباس أحرج فابيوس وسأله: ماذا تريد مني؟ * مصادر غربية: اجتماع باريس كان للدول الضامنة وليس انتقاصا من دور مصر

جون كيري لدى اجتماعه بنظيره التركي داوود أغلو في حديقة منزل السفير التركي في باريس أمس (أ.ف.ب)
جون كيري لدى اجتماعه بنظيره التركي داوود أغلو في حديقة منزل السفير التركي في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

تعثر هدنة غزة.. والسلطة غاضبة من كيري

جون كيري لدى اجتماعه بنظيره التركي داوود أغلو في حديقة منزل السفير التركي في باريس أمس (أ.ف.ب)
جون كيري لدى اجتماعه بنظيره التركي داوود أغلو في حديقة منزل السفير التركي في باريس أمس (أ.ف.ب)

عبرت السلطة الفلسطينية، أمس، عن «استيائها» من خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وما تبعها من عقد مؤتمر باريس الذي جرى على قاعدة هذه المبادرة، ولم تدع له السلطة ولا مصر. وكشفت مصادر فلسطينية عن أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر عن هذا الاستياء خلال مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس وسأله: «لماذا تتصل بي؟»، بينما هاجمت حركة فتح، التي يتزعمها عباس، تصدر تركيا وقطر المشهد في فرنسا.
وبدا غضب فتح كبيرا من خلال تصريح مقتضب صدر عن المكتب الإعلامي لمفوضية الحركة، جاء فيه: «لا أحد يمثل الشعب الفلسطيني في أي محفل إلا أوجاع ودم الشعب الفلسطيني النازف. من يريد أن تمثله قطر أو تركيا فعليه الرحيل والعيش هناك، نحن ممثلنا الشرعي والوحيد فقط منظمة التحرير الفلسطينية».
وحسب الطرف الفلسطيني، فإن كيري وافق على خطة عباس التي أعلنها الأسبوع الماضي والتي تتضمن وقفا لإطلاق النار مدة خمسة أيام تتضمنها مفاوضات للتهدئة، مع توفير ضمانات أميركية - عربية لرفع الحصار عن قطاع غزة. إلا أن كيري أعلن بعد يومين عن مبادرة خاصة، على خلفية اتصالات مكثفة مع قطر وتركيا، تضمنت وقف القتال سبعة أيام. وقالت حماس إنها تدرس المبادرة ورفضتها إسرائيل وطلبت تعديلات عليها.
واتهم مسؤول فلسطيني كيري بمحاولة تخريب المبادرة المصرية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كيري حاول عبر إطلاق خطته الأخيرة تخريب المبادرة المصرية والملاحظات الفلسطينية عليها (خطة عباس).. هذه المبادرة هي بديل لمبادرتنا». وتابع: «كل ما في الموضوع أن كيري أراد خلق إطار بديل للمبادرة المصرية ولفهمنا حولها، بما يرضي الدور القطري والتركي». وتابع: «كيري خرج بمبادرته بعدما كنا قريبين جدا من اتفاق شامل يضمن رفع الحصار عن غزة ويحقق كل مطالب الفلسطينيين». ومضى يقول: «لو كان الموضوع رفع الحصار وإلغاء المناطق العازلة وفتح المعابر ومنطقة الصيد البحري، فلقد حصلنا على كل ذلك منذ يوم الأربعاء. كان يفترض أن يعلن عن كل ذلك، لكن خرج (خالد) مشعل (رئيس المكتب السياسي لحماس) في مؤتمر صحافي وخرب المبادرة، ومن ثم خرج كيري بمبادرة جديدة».
وردا على سؤال لماذا يسعى كيري لتخريب المبادرة المصرية لإرضاء قطر وتركيا، قال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: «إنه يريد استغلال الحرب لإعادة تقوية نفوذ الإخوان المسلمين في المنطقة، فالأميركيون يعتقدون، وهو اعتقاد خائب، أن الإسلام السياسي المعتدل المتمثل بـ(الإخوان) ومن والاهم يمكن أن يحارب الإسلام المتطرف، وبالنسبة لهم فإن هذه الحرب فرصة لإعادة الاعتبار لهم (الإخوان) في المنطقة».
وتعقيبا على مؤتمر باريس، قال المسؤول الفلسطيني: «هذا المؤتمر يأتي على قاعدة مبادرة كيري.. قاعدة دعم (الإخوان) وتقويتهم، لم ندع له ولم تدع مصر ودعيت قطر ودعيت تركيا وهذا يفسر كل شيء».
وكشف عن أن «عباس يعد مبادرة كيري الآن بحكم المنتهية بعد أن رفضتها إسرائيل، وأنه غاضب جدا من التلاعب بالدم الفلسطيني ورهنه بالتجاذبات الإقليمية».
وفي حين التزم الرئيس الفلسطيني الصمت رسميا، لكن حديثه أمس عن «الدم الفلسطيني» أعطى إشارات واضحة إلى رفضه خطة كيري وما يجري في باريس. وقال عباس: «الهم الأول والأساسي هو وقف نزيف الدم الفلسطيني، بعيدا عن كل المحاولات الإقليمية، لأن الدم الفلسطيني هو الأغلى».
وبعد انتهاء مؤتمر باريس، اتصل وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بالرئيس الفلسطيني وأطلعه على النتائج.
وقال مساعد للرئيس عباس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «أبو مازن سأل فابيوس: هل وافقت إسرائيل على وقف النار؟ فقال له: لا. فسأله: هل وافقت حماس؟ فقال له: لا. فأحرجه بسؤال: وما المطلوب مني الآن؟». وتظهر مكالمة عباس مع فابيوس حجم الغضب وعدم الرضا من دور كيري وفرنسا.
وسألت «الشرق الأوسط» عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد المجدلاني، المقرب من عباس، عن موقف القيادة الفلسطينية من مؤتمر باريس عقب انتهاء الاجتماع اليومي للقيادة، فقال: «إن معالجة قضية العدوان على شعبنا الفلسطيني يجب أن تجري في المنطقة انطلاقا من المبادرة المصرية والملاحظات التفسيرية الفلسطينية عليها التي قدمت مكملة للمبادرة المصرية». وأضاف: «نحن لا نرى أي خيار آخر أو أي طرف آخر مؤهل لمعالجة الموضوع انطلاقا من فهمنا للأحداث، أن هذا الموضوع لا يحل إلا في المنطقة ولن يحل خارجها، إضافة إلى أننا نريد أن نبعد قضية فلسطين عن التجاذبات الإقليمية لأننا لسنا طرفا، والقضية الفلسطينية أكبر من أن تكون طرفا في صراعات إقليمية».
وفي مؤشر على غضب حركة فتح والسلطة الفلسطينية من مؤتمر باريس، كتب القيادي في فتح ووزير الزراعة السابق وليد عساف على صفحته على «فيسبوك»: «أول اجتماع دولي لبحث شأن فلسطيني بغياب فلسطين. دولة قطر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني». وأضاف: «إنه مؤتمر أصدقاء إسرائيل في باريس». وتابع: «إسرائيل تحقق أول أهدافها من الحرب، استبعاد فلسطين، شكرا للمحور التركي - القطري».
ولم يتوقف الانتقاد للدور الأميركي - التركي - القطري فقط على المنطقة وفتح، بل أصدرت حركة الجهاد الإسلامي، شريك حماس في المواجهة ضد إسرائيل، بيانا حذرت فيه من «الالتفاف على الدم الفلسطيني».
وقال زياد النخالة، نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، في تصريح تسلمت «الشرق الأوسط» نسخة منه: «إننا نتعامل بحذر مع المبادرات التي يجري الحديث عنها لوقف إطلاق النار، ونحذر من الالتفاف على تضحيات ودماء الشعب الفلسطيني». وعبر عن خشيته من تحول معاناة غزة والعدوان عليها إلى ورقة في لعبة التجاذبات الإقليمية والدولية.
كذلك، لم تتشجع إسرائيل للمؤتمر الفرنسي، كما رفضت خطة كيري، وقال مسؤولون إسرائيليون إنهم يستبعدون أن تحدث محادثات باريس اختراقا في مفاوضات وقف إطلاق النار. وأوضح أحدهم: «الأحداث التي ستؤثر على وقف إطلاق النار ستأتي من غزة، وليس من باريس».
وكان المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل رفض مقترح وزير الخارجية الأميركي. وأوضح مسؤول إسرائيلي أمس أن «المجلس الوزاري يعتقد أن مقترح كيري يميل إلى مواقف حماس وتركيا وقطر، في حين تفضل إسرائيل المقترح المصري». وقال دبلوماسي أجنبي لموقع «والا» الإسرائيلي: «إسرائيل ومصر ليستا راضيتين عما يحدث في باريس - الولايات المتحدة تفضل تركيا وقطر. ولن يحقق هذا تقدما».
وتجري تركيا - كما يبدو - مفاوضات أخرى مع إسرائيل، وقالت مصادر إسرائيلية إن تركيا تدير مفاوضات جدية ومباشرة بين إسرائيل وحماس من أجل التوصل لوقف إطلاق النار.
وبحسب المصادر، فإن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو يدير هذه المفاوضات مع أحد مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي.



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.