حماس تسعى لرعاية قطرية وتركية للمبادرة المصرية

كيري يمنح القاهرة مزيدا من الوقت و«يتريث» في زيارتها

طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
TT

حماس تسعى لرعاية قطرية وتركية للمبادرة المصرية

طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)
طفلان فلسطينيان على دراجة هوائية أمس أمام مركز للشرطة كان قيد البناء لكن دمره القصف الإسرائيلي على غزة (رويترز)

في الوقت الذي رحب فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) فورا بالمبادرة المصرية، تباينت ردود الفعل داخل حركة حماس الفلسطينية بين رافض ومتردد، ومن يطلب وقتا إضافيا لبحثها. وفي غضون ذلك، كشفت مصادر مقربة من حركة حماس، لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك مسعى داخل الحركة باتجاه «وساطة أكبر» برعاية قطر وتركيا إلى جانب مصر.

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أمس، إنه يرحب المبادرة المصرية للتهدئة ويثمن الجهود التي بذلتها مصر لحماية الشعب الفلسطيني. ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بهذه المبادرة «حفاظا على دماء شعبنا والمصالح الوطنية العليا». كما طالب بأن تمهد هذه المبادرة لجهد سياسي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ويصل عباس اليوم إلى مصر من أجل لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بهدف التشاور والتنسيق لإنجاح المبادرة المصرية، لتحقيق وقف إطلاق النار فورا، فيما يزور تركيا بعد يومين لنفس السبب. وكان من المفترض أن يتوجه عباس أمس إلى مصر، لكن طرح المبادرة المصرية إلى الواجهة وطبيعة رد الفصائل عليها وترتيب بعض المواعيد، إضافة إلى وصول وزيري خارجية ألمانيا وإيطاليا إلى رام الله للقائه، أجل الزيارة يوما واحدا. وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية إن عباس يجري اتصالات عربية ودولية في هذه الأثناء من أجل تثبيت وقف إطلاق النار.

وكانت مصر طرحت مبادرة على إسرائيل وحماس من أجل وقف الأعمال العدائية من الجانبين، على أن يجري لاحقا فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية. ووافقت إسرائيل على المبادرة التي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنها «فرصة لتجريد القطاع من الصواريخ». وأعلن نتنياهو للصحافيين «وافقنا على المبادرة المصرية من أجل إعطاء فرصة لنزع سلاح القطاع (غزة) من الصواريخ والأنفاق عبر السبل الدبلوماسية». وأضاف «لكن إذا لم تقبل حماس مبادرة وقف إطلاق النار كما يبدو الوضع الآن فإن إسرائيل ستكون لديها كل الشرعية الدولية لتوسيع العملية العسكرية لتحقيق الهدوء المنشود».

وظهرت تباينات واضحة، أمس، بين حماس الخارج والداخل بشأن المبادرة المصرية، وسط خلاف مع حركة الجهاد الإسلامي، بحسب ما قالت مصادر فلسطينية مطلعة في غزة لـ«الشرق الأوسط». وأكدت المصادر أن حركة حماس «غاضبة» من عدم التشاور معها بشأن الورقة المصرية. وأوضحت أن «مصر تشاورت مع السلطة وإسرائيل وأطراف أخرى لكنها لم تتشاور مع حماس». وكشفت عن أن هناك «تيارا في حماس يسعى الآن لوساطة أكبر ودخول أطراف أخرى مثل قطر وتركيا على الخط، وأن تكون التهدئة برعايتهم كذلك إلى جانب مصر».

وجاء ذلك بالتزامن مع ما أورده موقع «واللا» الإسرائيلي عن مصادر لم يسمها بأن «قطر تقف وراء رفض حماس للمبادرة المصرية». لكن فوزي برهوم، الناطق باسم حماس، نفى الأمر، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حركته «لا تختار الوسطاء ولا تدعوهم للتوسط وإنما عليهم المبادرة بالتضامن مع قطاع غزة والشعب الفلسطيني ومساعدتنا في رفع الظلم». وأضاف «مصر موجودة في قلب المعادلات السابقة ولسنا ضد أن تكون حاضرة اليوم، لكن هناك ثلاث اتفاقيات حصلت سابقا، وهناك بنود طويلة وعريضة، فلماذا لم تلزم مصر إسرائيل بالالتزام بهذه البنود؟». وتابع قائلا «وعلى الرغم من ذلك ما زلنا نطمح إلى دور مصري يلبي طموحات الشعب الفلسطيني، لكن من أراد أن يساعد مصر فلن نمانع. نريد من الكل العربي والمسلم أن يتدخل حتى لو كان تدخلا دوليا، المهم في من يتدخل أن يرى الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني».

وتحدث برهوم عن «حالة من عدم رضا» في أوساط حماس من الطريقة التي عرضت بها مصر المبادرة. وقال «ليست هكذا تكون المبادرات، تلقى في الإعلام ثم يطلب منا أن نلتزم بها. هناك بروتوكول تواصل رسمي يحكم الدول والكيانات. كان من باب أولى أن يتواصلوا معنا بشكل رسمي ويتلقوا ردا رسميا وليس عبر وسائل الإعلام»، مؤكدا أنهم لم يتسلموا نسخة من المبادرة.

وردا على سؤال حول طلبات حماس، قال برهوم «حركة حماس ليست عدمية ولا تريد أن يبقى قطاع غزة تحت القصف الدم. الحرب فرضت علينا ولم نكن نختارها ولا نرغب بها، لكن قدرنا أن نخوض هذه الحرب لندافع عن شعبنا، وبالتالي وقف هذه الحرب أمر مهم جدا ورفع الظلم عن قطاع غزة».

وكان تضاربا ساد موقف حماس من المبادرة، فبعد ساعات من إعلان ناطقين في الحركة في غزة بينهم سامي أبو زهري أنها لم تعرض عليهم وأنهم غير ملزمين بها، خرج عضو المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق ليعلن أن حركته ما زالت تجري مشاورات مكثفة بشأن المبادرة المصرية لتثبيت وقف إطلاق النار. وأوضح أبو مرزوق في تصريح مقتضب على صفحته على «فيسبوك» قائلا «ما زلنا نتشاور ولم يصدر موقف الحركة الرسمي بشأن المبادرة المصرية».

ثم خرج مشير المصري، وهو ناطق آخر للحركة، بعد ذلك ليعلن أن المبادرة المصرية ولدت ميتة. وأضاف المصري أن شروط حماس لوقف إطلاق النار هي رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح معبر رفح وتقديم ضمانات دولية لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق التهدئة.

وتخالف هذه المعلومات تصريحات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي، التي أكدت فيها أن «الأشقاء المصريين تشاوروا في المبادرة التي طرحوها لوقف عدوان الاحتلال على قطاع غزة مع كل الأطراف». وعدت عشراوي المبادرة نابعة من الوعي والإدراك بخطورة الوضع في القطاع. وأقرت عشراوي بوجود عدة آراء داخل المقاومة الفلسطينية «تتناقض» في رأيها حول المبادرة المصرية. وعقبت عشراوي على ذلك قائلة إنه يجب النظر إلى المضمون وليس اللغة، وإنها تدرك أن الأمور تحتاج إلى بحث أكبر ووقت أكثر.

من جهتها، رفضت حركة الجهاد الإسلامي المبادرة المصرية صراحة، وأعلنت في تصريح مقتضب «أبلغنا الجانب المصري موقفنا بعدم قبول هذه المبادرة التي لا تلبي حاجات شعبنا وشروط المقاومة التي لم تستشر فيها». وأضافت «هذه المبادرة غير ملزمة لنا، وسرايا القدس ستواصل عملياتها، جنبا إلى جنب مع كل الفصائل والأجنحة العسكرية، دفاعا عن شعبنا في مواجهة العدوان الإسرائيلي». وجاء إعلان الجهاد على الرغم من أن الحركة قالت سابقا إنها ستصدر موقفا موحدا مع حماس من التهدئة في مؤشر آخر على وجود تباينات واسعة حول قبول ورفض التهدئة بين فصائل المقاومة.

وفي سياق الجهود لوقف إطلاق النار، التقى عباس أمس بوزير الخارجية الألماني، ويفترض أنه التقى كذلك في وقت متأخر بوزيرة الخارجية الإيطالية فيديريكا موغيريني. وأكد عباس للوزير الألماني فرانك فالتر شتاينماير ضرورة التزام كل الأطراف بالمبادرة المصرية الساعية لتثبيت وقف إطلاق النار حفاظا على حياة أبناء شعبنا، ووقف إراقة الدماء، وتجنيب المنطقة مزيدا من التدهور وعدم الاستقرار.

وفي القاهرة، أكدت الخارجية المصرية، أمس، أنها لا تزال في انتظار «ردود رسمية» من جهة الفصائل الفلسطينية على المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار في غزة، وأن الموقف الرسمي المصري «لن يستبق الأحداث». وقال السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم تصلنا أي ردود رسمية من جهة الفصائل الفلسطينية حتى الآن (عصر أمس)، وعندما تصل الردود سنقوم بتقييم الموقف».

وحول ما نقلته تصريحات إعلامية لقيادات حركة حماس أمس من أنهم لم تصلهم «رسميا» أي مبادرة مصرية، أوضح عبد العاطي أن المبادرة المصرية أعلنت بشكل موسع منذ الثامنة من مساء الاثنين بتوقيت القاهرة، وعرضت على اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولاقت تأييدا عربيا ودوليا موسعا.

وعن الاستعداد للخطوات اللاحقة، التي تتضمن استقبال وفود رفيعة المستوى من الحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية في القاهرة خلال 48 ساعة منذ بدء تنفيذ المبادرة، أوضح عبد العاطي أن ذلك أمر لاحق بعد قبول الطرفين للمبادرة ودخول الاتفاق حيز النفاذ.



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended