مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

وسط حملة تغيير واسع في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»
TT

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

مصر إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»

يقود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تغييراً واسعاً في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية. ولدى دخوله بالبلاد إلى مرحلة جديدة للخروج من «عنق الزجاجة»، أشار إلى وجود العزيمة لإنجاز هذا التغيير في عدة لقاءات مع الشباب أخيراً. وقال للمصريين في مؤتمر للشباب قبل أسبوع، إن رفض الإصلاح الاقتصادي يعني أننا سنواجه معضلة كبيرة.
عدد سكان مصر يربو الآن على 100 مليون يعيشون في معاناة، منذ عقود، في قلب منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالاضطرابات والتربص والحروب. ولكن بات من الممكن أن يرى المرء على جانبي الطرق الدولية الجديدة مشاريع ضخمة لم يُعلن عنها رسمياً بعد، مع مرونة سياسية ودبلوماسية في التعاطي مع تقاطعات تضرب منطقة الشرق الأوسط بين حين وحين. ووفق الدكتور إبراهيم عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، المستشار الاقتصادي لوزارة الداخلية المصرية، فإن «ما يجري تطبيقه الآن من سياسات يعكس إيقاعاً هادئاً، لحقن مجموعة قرارات، في جسد الاقتصاد المصري، لتصحيح وتصويب ما ارتُكب من أخطاء في الماضي».
يتابع العديد من الخبراء والاقتصاديين ويترقبون توجهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتغلب على الواقع الاقتصادي الصعب، ويعتبرون أن من شأن ما يقوم به تغيير وجه مصر في السنوات المقبلة، مع ملاحظة أن السيسي يفضل مكاشفة الرأي العام بما يجري. وبالفعل، دعا الشعب إلى ضرورة تحمل إجراءات الإصلاح الاقتصادي، قائلاً: «أنتم مَن سيتحمل النجاح والفشل أيضاً بجانب الدولة».
على أرض الواقع تبدو الأسعار حالياً مرتفعة، والحياة مُرَّة، لدى قطاع كبير من عامة المصريين، خصوصاً بعد ما يزيد على سنة من تحرير سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وكان هذا قراراً لم يجرؤ أي رئيس سابق على الإقدام عليه. غير أنه تظهر اليوم، وفق محللين ومتابعين، بوادر للأمل لكي يشعر الناس بالطمأنينة. فوفقاً للمؤشرات والتقارير الاقتصادية، ومنها تقرير مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني، الأخير، تبدو معدلات الاستثمار بمصر مشجعة، وهي على ارتفاع. ويقول رجل الأعمال المصري، محمد أبو العينين: «انظر... في عامي 2011 و2012 كان المعدل صفراً في المائة. أما اليوم فأصبح يزيد على 5.2 في المائة. هذه معدلات جيدة. أقول لك إن هذا إنجاز ضخم جدا، مقارنة بالظروف التي مررنا بها». وبينما تؤكد الحكومة أنها تستهدف مواصلة زيادة معدل النمو للوصول به إلى 7 في المائة وأكثر، تتوقع «فيتش» أن يصل المعدل إلى 5.5 في المائة خلال العام الحالي (2018 - 2019).

انعكاسات الوضع الأمني
في السنوات الثلاث التي أعقبت إطاحة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد الشارع المصري الأمن، وانتشرت أعمال السرقة والإرهاب وخطف السيارات. وصار السفر عبر الطرق السريعة محفوفاً بالمخاطر. كذلك توقفت السياحة الأجنبية المهمة لخزينة الدولة، وهجر كثير من المستثمرين البلاد. وبالتالي، حين تولى السيسي الحكم في منتصف عام 2014 وضع على رأس أولوياته تحقيق الأمن وإنعاش الاقتصاد.
وحقاً، تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير، بعد اتخاذ إجراءات دقيقة ومعقدة. أما بالنسبة للاقتصاد، فالحقيقة على الأرض تقول إن الشكوى من الغلاء لم تمنع تدفق نحو 15 مليون مصري، إلى سواحل البحر للاستجمام و«التصييف» في شهور الحر الحالية، كما يقول الخبير الاقتصادي الذي يعيش في الساحل الشمالي الغربي، أيمن غازي. وأنعش هذا تجاراً ومشاريع عقارية، وقطاعات النقل السياحي. وظهرت في الخلفية مقاطع مصورة لمشاهير وهم يرقصون بجوار سياراتهم، وهي تتحرك، على أغنية «كيكي»، التي تم حظرها في عدة دول، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي. وانتشر المصريون بعائلاتهم في المصايف، خصوصاً على الشواطئ الممتدة من الإسكندرية حتى مرسى مطروح. ويقول أيمن غازي: «هؤلاء لديهم قدرة على الإنفاق... وحين تكون هناك حركة، فالكل يستفيد».
ولكن يقول محللون إن الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح حكومة السيسي لتداعيات كارثية نتجت عن مرحلة اضطرابات كبرى من عام 2011 إلى عام 2013. ويرون أن القضية تتجاوز ذلك إلى عقود مضت، حين كانت الدولة هي من يقوم بكل شيء نيابة عن المواطن. وفي محاولة لترسيخ أوضاع جديدة، في الوقت الراهن، فإن الدولة ستظل موجودة، لكنها لن تقدم لك الطعام في ملعقة وأنت جالس في البيت؛ فقد ورث المصريون، منذ ما قبل العهد الاشتراكي، مقولة: «إن فاتك الميري (العمل الحكومي) تمرّغ في ترابه».

تركة الاشتراكية
وحاول الرئيس الأسبق أنور السادات تغيير هذا النمط، في أواخر سبعينات القرن الماضي، لكنه لم يكمل الخطة. ومن بعده حاول مبارك فعل الشيء نفسه، وألغى بنوداً اشتراكية و«اتكالية» من الدستور والقانون، وطبق برامج للإصلاح، إلا أنه لم يتمكن من الترسيخ العملي لاقتصاد السوق المتكامل. أما اليوم، حسب الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية: «من حيث المبدأ، الأوضاع تتحسن... نعم، لكن بشكل بطيء». لقد حاول مبارك لي ذراع الأدبيات الخاصة بالاشتراكية، وعلى رأسها الاعتماد على الدولة في التوظيف والسكن ودعم الخدمات والسلع، بما فيها وقود السيارات، إلا أن المقاومة كانت أكبر من إمكانيات النظام السياسي الذي ظل يحكم لمدة 30 سنة. كانت هناك عوامل أخرى، بطبيعة الحال، تحاول أن تحرك الشارع ضد مبارك، من بينها التنظيمات الاشتراكية، وجماعة «الإخوان»، وخصومه الآخرون داخلياً وخارجياً. وشارك الاشتراكيون و«الإخوان» بقوة في الحراك الذي أسقط نظامه في 2011.
وحين تولّت جماعة الإخوان الحكم، برئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي، حاولت أن تفعل كما فعل أتباع الإمام الخميني مع شركائهم في «الثورة الإسلامية» في إيران في 1979. وبدأ إخوان مصر في إظهار «العين الحمراء» للاشتراكيين المصريين، لدرجة أن مرسي كان يلتقي بأغلب مسؤولي الأحزاب ما عدا اليساريين. ولم يكن برنامج «الإخوان» الاقتصادي واضح المعالم. ووقفت غالبية الاشتراكيين في نهاية المطاف مع السيسي، حين وقف ضد سياسات مرسي الفوضوية. لهذا من السهل أن تفهم سبب مؤازرة كثير من اليساريين لنهج السيسي بما فيه من تحولات اقتصادية كبيرة، بشرط توفير السلع الرئيسية بأسعار مناسبة للطبقات الفقيرة. وفي اجتماع لقيادات أحد أهم الأحزاب الاشتراكية في وسط القاهرة، كانت هناك ثقة في إجراءات الرئيس.
ويقول أحد هذه القيادات: «الرئيس السيسي يقوم بالتحديث، ومحاربة الفساد، وهذا مهم بالنسبة لنا». ويضيف: «في الحقيقة نرى أنه يواجه (لوبي) يرفض تحديث المجمعات الاستهلاكية التي تبيع السلع المدعومة للفقراء، ويواجه (لوبي) يرفض عودة التصنيع الوطني (القطاع العام)». ويزيد قائلاً: «في النهاية، وجود رأسمالية وطنية، أفضل من الحكم الفاشي لجماعة الإخوان».
وفي العموم، لم يعد هناك من يقبل في مصر بأن تكون الدولة هي «ماما... وبابا». وهو مصطلح شهير ظهر في فيلم «عمارة يعقوبيان» بطولة الفنان عادل إمام. وبدأت الدولة في تقليب هذه الأرض. ويقول رجل الأعمال محمد أبو العينين: «الحقيقة هناك قرارات جريئة تم اتخاذها، من أجل توصيل الدعم لمستحقيه، ولتقليل فاتورة الدعم التي تتحملها الموازنة العامة للدولة. هذه القصة بالتأكيد تجعل الناس تشعر بالأذى. لكن هناك مزايا على الاقتصاد الكلي. وهذا مهم جداً». ويضيف «أعتقد أن (ترشيد الدعم) عالج مشكلة أساسية كنا نعاني منها خلال الثلاثين سنة الماضية، وهي عملية (ترشيد الاستهلاك). وفي الوقت الحالي أصبح كل واحد يقوم بترشيد نفسه غصباً عنه. عاداتنا وتقاليدنا في الاستهلاك كان يجب أن تتغير منذ فترة طويلة»، ثم يزيد قائلاً: «يوجد برنامج إصلاح، مضت منه سنوات وباقي سنوات. إنه دواء مرّ. ونحن نقوم بالمعالجة. نريد تصحيح سياسات أربعين سنة مضت، حتى يتم بناء مصر الحديثة، من خلال تعمير الصحراء وتدشين المدن الجديدة، وتشغيل عمالة تصل إلى 11 مليون عامل في المشاريع القومية كافة».
من جانبه، يلفت غازي الانتباه إلى طريقة الاستثمار الجديدة المرتبطة بالتحديث ومواكبة العصر، سواء في الطرق أو المنشآت. ويقول إن بعض المستثمرين من المصريين والعرب، أصبحوا يعملون بعقلية أوروبية في التخطيط وتقديم الخدمات. ويضيف: «هؤلاء لديهم خبرة. ويرون أن الأجواء الاقتصادية التي تقدمها الدولة مواتية، سواء في محور قناة السويس، أو في الساحل الشمالي.. نحن ننتقل نقلة كبيرة، لكن، أصارحك القول: هذه النقلة تحتاج إلى تنظيم محلي قادر على مواكبة مثل هذه المتغيرات، وعلى كل حال، سوف تتسبب هذه المشاريع الجديدة في طفرة إيجابية بشكل عام في اقتصاد الدولة».
وعلى كل حال يمكن أن تلمس تغير الطريقة التي أصبح يفكر بها كثير من المصريين، من خلال الدردشة مع سائقي سيارات الأجرة، وأنت تتنقل معهم في شوارع القاهرة. إنهم يشكون من ارتفاع أسعار البنزين إلى أضعاف ما كان عليه أيام مبارك، لكن يوجد تفهم للأمر مع نوع من الصبر. وفي شارع مراد في محافظة الجيزة المجاورة، على سبيل المثال، تنتظر ألوف السيارات لوقت طويل، يومياً، بسبب اختناق المرور أمام ميدان النهضة. وهذا الحال كان مستمراً لسنوات دون علاج. وتقوم الحكومة حالياً بإنشاء نفق للقضاء على مشكلة التكدّس في هذا الميدان، مما فاقم مشكلة المرور أكثر من السابق، وحوَّل السير إلى مسارات جانبية صعبة. ويقول سائق الأجرة وكأنه يحثك على الصبر: «نحن، في مصر، لدينا مشكلات كثيرة. لكننا نعلم أن كل هذا سينتهي، مثلما سينتهي هذا الزحام بمجرد افتتاح النفق قريباً». ويقع على هذا الشارع سفارات عدة. ويوجد فيه كذلك فنادق كبرى ظلت مظلمة في فترة الاضطرابات قبل تولي السيسي الحكم. والآن يمكن أن ترى طوابق بأكملها مضاءة. وهذا يعني عودة الحجوزات سواء للسياح، أو رجال الأعمال. لقد انتهت تقريباً مرحلة الترويج ضد النظام الجديد على ضفاف النيل.

بيئة آمنة للاستثمار
ويقول أبو العينين، الذي يعد قطباً سياسياً واقتصادياً في البلاد منذ عقود: «نعم... كانت هناك حملات منظمة، ومدفوعة، قام بها أهل الشر، لكي يروّجوا بأن مصر غير آمنة للاستثمار، خصوصاً الاستثمار الأجنبي. لكن أريد أن أقول لك إنه في الفترة القليلة الماضية، بدأت الأمور تتحسن بشكل كبير، مقارنة بأعوام 2012 و2013 و2014. وهذا بفضل زيارات متكررة قام بها الرئيس للخارج، وأيضاً بفضل مجهودات بعض الناس ممن جاءوا وقالوا إن الدنيا، في مصر، آمنة. والتفَّ الشعب المصري في ثورته ضد حكم «الإخوان» في 30 يونيو (حزيران) 2013، حول السيسي، حين كان وزيراً للدفاع، وانتخبه رئيساً للدولة بعد ذلك بسنة.
وقال الرئيس في كلمة له قبل شهر، بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة، إن نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه مصر، منذ ذلك الوقت، تشير إلى أننا نسير على الطريق الصحيح. فأثناء حكم «الإخوان» تراجع احتياطي النقد الأجنبي في الدولة إلى أقل من 15 مليار دولار. بينما زاد في ظل حكم السيسي إلى أكثر من 44 مليار دولار. ويهدف الرئيس المصري، في برنامجه الاقتصادي، إلى تحقيق أمرين... الأول وقف تردي الأوضاع الاقتصادية، والثاني تحقيق نهضة اقتصادية واسعة وحقيقية من خلال بنية تحتية ومشروعات عملاقة توفر ملايين فرص العمل.
ويرى الرئيس أن الإصلاح في مصر، تم تأجيله كثيراً في السابق، لكنه اليوم ضرورة وليس رفاهية. ووضع البرلمان والحكومة تشريعات مشجعة، وأسساً لمشاريع عملاقة في مناطق مختلفة من البلاد، بعضها تم افتتاحه رسمياً، وبعضها ما زال تحت الإنشاء. وبالإضافة إلى توسيع مجرى قناة السويس، تقوم ببناء ميناء ضخم في منطقة جرجوب (شمال غربي مصر)، بالإضافة إلى إنشاء أكبر مزرعة سمكية في منطقة الشرق الأوسط على البحر المتوسط، بالتعاون مع مستثمرين عرب وأجانب، إلى جانب المصريين.
أبو العينين، الحاصل على جائزة «أفضل صانع في أفريقيا لهذا العام»، يضيف: «في الحقيقة الدولة المصرية قامت بعمل قانون استثمار جديد، وهذا القانون محفِّز إلى حد كبير. ويعطي مزايا خاصة للاستثمار في بعض المناطق المعينة، وإعفاءات، وغيرها... معدلات الاستثمار في تزايد. وتوقعاتي أنها ستزداد أكثر، لأنه توجد مصداقية لدى الدولة، وجدية بأنه مطلوب مشاركة حقيقية بينها وبين القطاع الخاص؛ فالمستثمر الأجنبي، والعربي أصبح له الحقوق والمزايا ذاتها التي يحصل عليها المستثمر المصري».
وأيا ما كان الأمر، هناك شروط للسير قدماً، دون عراقيل كبيرة، أو، على الأقل، لتسريع الانتقال من حال إلى حال أفضل؛ فمن جانبه، يقول الدكتور رشاد عبده، إنه لكي تقوم بنقلة حقيقية في مصر، فأنت في حاجة لعدة نقاط... «تحتاج، أولاً، أن يكون لديك سياسات اقتصادية ثابتة ومستقرة. وهذا نفتقده. تحتاج لأن يكون هناك تحدٍ حقيقي لمواجهة الفساد والبيروقراطية والروتين، وتحتاج بشكل قوي للاستعانة بالكفاءات، بعيداً عن أهل الثقة».
ويضيف أن البرلمان كذلك «يحتاج إلى أن يقوم بدوره الحقيقي نحو تحسين بيئة ومناخ الاستثمار، وإصدار تشريعات تعمل على جذب الاستثمار، والمستثمرين، وتعطيهم ضمانات، ولا نقول حوافز... هذا كله ليس موجودا بعد. هذه مشكلة كبيرة جدّاً. خصوصاً قضية عدم الاستعانة بالكفاءات. فهذه مشكلة العالم الثالث كله. من الخطأ أن تأتي بالأقرب، لا الأكفأ».
لكن الدكتور عبده يعود ويقول إنه «بلا جدال، المؤشرات الدولية والوكالات العالمية، والمنظمات الدولية، سعيدة بما يتم في مصر... نعم، لأن المؤشرات جيدة، ولأن معدل النمو، بالفعل، يرتفع، ومعدل البطالة ينخفض، وكل شيء جيد»، إلا أنه، مع هذا كله، لديك مشكلة كبيرة، وهي المواطن. ويستطرد: «المواطن يعاني بشدة نتيجة لما سُمِّي بالإصلاح، لأن هناك ضغوطاً عليه من غلاء في الأسعار، ثم هو غير قادر على أن يعيش حياة كريمة. وما إلى ذلك. أعتقد أن هذا هو التحدي».
ويوضح الدكتور عبده أن إقامة «الطرق، وغيرها من المشاريع القومية، هي بلا جدال شيء جيد، لأنها خلقت فرص عمل كثيفة وسريعة... لكن ضخّ الأموال في الخزينة العامة للدولة، معظمها قروض وسندات، بينما المطلوب أن يكون ضخ الأموال في الخزينة العامة من نتاج عمل الشعب المصري». ويزيد قائلاً: «إن شروط إنجاح نظام اقتصاد السوق في مصر، مثلما هو الحال في بيئات رأسمالية كثيرة كدول أوروبا وأميركا، يتطلب (سوق المنافسة الكاملة)»، مضيفاً: «في مصر، للأسف، لدينا سوق احتكار القلة.. عدد محدود يحتكرون السلع، ويتحكمون في الاستيراد، ويتفقون مع بعضهم بعضاً على تحديد الأسعار، بما يفوق طاقة المستهلكين».
أما الدكتور عبد الله، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، فيقول إن الوضع الاقتصادي في مصر يتلخص في «بضع نقاط، بعيداً عن المبالغات، وبعيداً عن النفاق». ويضيف: «رأس المال، بطبيعته، جبان. ولن يأتي لك أحد للمخاطرة برأسماله في بيئة استثمارية ملتهبة، ما لم تكن هذه البيئة فيها مزايا تنافسية أفضل من بيئات أخرى منافسة لك في منطقة البحر المتوسط».
ويشير عبد الله إلى ارتفاع معدلات الإقبال على الاستثمار في مصر في الفترة الأخيرة بشكل غير مسبوق، «لدرجة أنك حين تذهب إلى مقر هيئة الاستثمار، تجدها تعمل على مدار اليوم، وبسبب الزحام تضطر للانتظار إلى أن يأتي دورك». ويوضح قائلاً أن «هذا دليل على وجود إقبال كبير في هيئة الاستثمار. ووجود رؤوس أموال، وإيداعات في البنوك، وقيد شركات. نعم... هذا دليل على أن بيئة الاستثمار المصرية أصبحت بيئة جاذبة»، ويضيف أن «كل هذا يعكس أمرين... استقرار في الحالة الاقتصادية، خصوصاً بعد تعويم الجنيه، ووصوله لقيمته الحقيقية أمام كل العملات. والأمر الثاني صدور مجموعة من التسهيلات، لا يختلف عليها اثنان. وعلى رأسها المنفذ الواحد في هيئة الاستثمار».
وعن شكوى البعض من عدم شعور طبقات فقيرة بالانتعاشة الاقتصادية بعد، يقول إن «الرضا الحقيقي لا يقاس بالأكل والشرب فقط، ولكن بالوئام العام في حياة المواطنين، مثل توفير رعاية صحية وتعليم ومواصلات وبنية تحتية. وهذا ما تقوم به الدولة في الوقت الراهن، مع توفير الحماية الحقيقية للطبقات الفقيرة. ويدرك السيسي، من خلال أقواله وأحاديثه المفتوحة، أن غالبية المصريين يتحملون معه المصاعب الاقتصادية، وينتظرون العبور من عنق الزجاجة.

السيسي متفائل... والرهان على الإصلاح الاقتصادي
> خلال كلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي أمام مؤتمر الشباب، توجه بالتحية إلى «كل رب أسرة، ولكل ربة أسرة، يتحملون، في كبرياء وشموخ، مشاق توفير الحياة الكريمة لأبنائهم... أؤكد لهم أن المستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، وأنهم بوعيهم الحقيقي بمتطلبات إصلاح وطنهم، يضربون المثل والقدوة ويثبتون مجدداً مدى حكمة وعبقرية هذا الشعب».
وبين حين وآخر يستخدم الرئيس السيسي روح الفكاهة في مؤتمرات مذاعة على التلفزيون، لتلطيف أجواء الإصلاحات الصعبة؛ فبعد نحو شهرين من زيادة سعر الوقود، في مؤتمر الشباب، تحدث مداعباً الحضور: «تركبون السيارات وتقولون كيكي، وما كيكي»، في إشارة إلى تلك الرقصة. ثم التفت إلى وزير البترول، طارق الملا، قائلاً له: «زوّد البنزين... لا تقلق». وضجّت القاعة بالتصفيق.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.