مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

كنا الطرف الأقوى شعبيا وتنظيميا وقياديا في انتخابات 1989 وفزنا بالأغلبية

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988

لعبت الانتخابات التي انتظمت في تونس 1989 دورا حاسما في تحديد مستقبل البلاد وكذلك العلاقة بين حركة النهضة والسلطة ، فقد منحهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فرصة المشاركة في الانتخابات لكن كانت مشروطة، أي أنه لا تتعدى مشاركتهم الست دوائر، لكن الحماس أخذ القياديين وخاصة بعد النتائج التي رأوا أنها إيجابية لصالحهم، فوسعوا نشاطهم، وسعوا إلى تحالفات مع الأحزاب المعارضة في تونس وقتها في تحد واضح لبن علي رغم تحذيراته المباشرة.
ونتائج الانتخابات وقتها كانت جرس الإنذار الذي قرر بعده نظام بن علي التخلص من الحركة كليا، بعد ما أبداه من انفتاح على التعامل معها منذ وصوله إلى الحكم سنة 1987 فتغيرت السياسة وكثفت الاعتقالات، وصدرت بحق الكثير من الأسماء فيها أحكام تراوحت بين السجن لسنوات طويلة أو الإعدام والقضية الأساسية وقتها كانت قضية «براكة الساحل» التي حوكم فيها الجبالي بـ16 عاما.

دولة المجتمع أو مجتمع الدولة قرروا إجراء انتخابات سنة 1989. ونحن كنا شاركنا فيها بصفة جزئية، في خمس أو ست ولايات (محافظات) فقط فبالتالي من المفترض أننا لم نكن مصدر خوف أو قلق، وطلبنا أن نتعامل ونتعاون مع المعارضة ومن طرفه رحب أحمد المستيري بالفكرة.
رغم ذلك كانت هناك مخاوف من مشاركتنا خاصة من طرف الحزب الحاكم الذي كانت شعبيته ضعيفة ، وبمثابة هيكل بلا روح أو جيش بلا جنود ، ووكذلك هناك جهات أجنبية، وكنا على علم بهذا لذلك لم نحاول الدخول بقوة.
وهنا بدأ الجدل ووصلنا نوع من التحذير أو كان تهديدا بأنه إذا تحالفنا مع المعارضة ودخلنا بقوة فإن هذا يهدد التوازنات في البلاد، وسيعد بمثابة إعلان حرب وأننا سنواجه ما لا يعجبنا وكان هذا الكلام من حامد القروي، الذي قال: إن هذا الكلام ليس منه شخصيا بل من الرآسة وقال محذرا: أنتم تلعبون بالنار.
نحن رفضنا هذه التهديدات وكنا وقتها متحمسين جدا لكن في نفس الوقت كنا متخوفين من الخطر، لم يكن خطر الاعتقالات هو الذي يخيفنا، لكن كنا نعتقد أن ما نقوم به سابق لأوانه وأنه من الأفضل لنا أن نسير بأقل سرعة، وبما أن فرصة الانتخابات موجودة كنا نريد المحافظة على الحريات ونندمج أكثر في العمل السياسي، لأنه حقيقة ومن دون غرور كنا الطرف الأقوى على كل المستويات الشعبية والتنظيمية والقيادية، وكنا على قناعة أن الحزب الدستوري والتجمع (الحزب الحاكم) كان أكذوبة كبيرة وليس لديه أي شعبية، كانوا عبارة عن ميليشيا في صورة أداة ادارية أمنية، مالية ، تخدم مصالهم الشخصية ، فكانت اجتماعاتهم الإنتخابية لا تجمع أكثر من بضع ميئات ، في حين تشهد اجتماعات «القائمات المستقلة» الآلاف.
شعرنا بنوع من الغرور السياسي والحماس الجماهيري، أو يمكن أن تعديه البهتة السياسية وقتها، حقيقة غامرنا وبدأنا نتقدم بكفاءات شبابية جديدة ليس على المستوى القيادي أي مستوى الصف الأول بل على مستوى الصف الثاني والثالث، ومتعاطفين وقدمنا ما يسمى بالقائمات البنفسجية المستقلة.
كانت انتخابات 1989 مرحلة حاسمة ومنعطفا خطيرا في مستقبل تونس، وأتحدث إليك وأنا على علم بتفاصيل الأمور وأعطيك مثالا لنتائج محافظة سوسة وقتها كانت نتائج قوائمنا البنفسجية 62 في المائة، وسأشرح لك مراحل التزوير كيف جرت، بعد الاقتراع يجري فتح الصناديق بعد طرد الجميع من مراكز الاقتراع وتستبدل الأوراق البنفسجية بالحمراء، وأخبرني بهذا الأمر أحد أقربائي الذي شاركهم العمل وهو لم يكن من المنتمين للحزب فقط كان مهاجرا في فرنسا وعاد إلى تونس راغبا في فتح «مغازة» لبيع المواد الغذائية ووعدوه بالحصول على ترخيص إذا كان من المتعاونين في هذه الأعمال وبما أنه لا توجهات سياسية له لم ير ضررا في الموضوع.
وأكد أننا حصلنا على 75 في المائة في منطقة خزامة الشمالية وهي من الضواحي الراقية التابعة لمحافظة سوسة، ويمكن القياس على ذلك في بقية مناطق الجمهورية، وكانت الانتخابات يوم الأحد ومن المفترض إعلان النتائج يوم الاثنين، وقدمت وزارة الداخلية النتائج لابن علي وكانت رهيبة وكارثية بالنسبة له فجمع المقربين منه فجر الاثنين وبقوا يفكرون في حل للموضوع.
أبلغني وقتها صديق لي وهو صحافي يعمل مراسلا لصحيفة «لوموند» الفرنسية اسمه ميشال دوري، وأنا كنت أشك أنه يعمل مع الاستخبارات الفرنسية .
في ذلك الوقت قرر نظام بن علي أن تنتهي النهضة ولا يبقى لها وجود في البلاد، انه قرار تصفية الحركة، وكانت ثائرتهما تثور خاصة عندما نتحدث عن التزييف وعن مسألة طرد الملاحظين وفتح الصناديق. وقتها فقط فهمت قيمة كلام مراسل «لوموند» ميشال وتذكرت جملته: حمادي أنتم تخيفونهم هل أنتم على وعي بهذا؟

* صحيفة «الفجر».. وقرار الإيقاف
* علمنا أنه يجري الترتيب لاعتقال راشد الغنوشي الذي ذهب وقتها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر وقرر البقاء هناك، وفي ذلك الوقت تقرر تعويضه بقيادة مشتركة، وكان معنا عبد الفتاح مورو الذي شغل بعد فترة بوظيفته (المحاماة)، وبقي في القيادة علي العريض وزياد الدولاتي وأنا.
وقرر نظام بن علي أن يبدأ بسجن هذه القيادات فبدأوا بزياد وعلي قبلي، ثم قبضوا علي بتهمة المقال الذي كتبته وقتها.
وبالنسبة لعلي العريض والدولاتي كانت تهمهما التحريض على الاحتجاجات وتنظيم مظاهرات وأنا كانت الحجة ضدي المقال الذي كتبته.
تم إيقافي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1989. وفي شهر مارس (آذار) 2000 جاءت الحادثة الشهيرة التي عرفت بـ«حادثة باب سويقة»، وباب سويقة حي في قلب تونس العاصمة اتهم عناصر من النهضة بالتهجم عليه وحرق حارسه وهو عجوز، وصلتنا معلومات بعدها أنهم امتنعوا عن إسعافه وتركوه يموت ووظفوا الحادثة إعلاميا بشكل كبير جدا، ونجحوا حتى في الوصول إلى توظيف الأطراف المعارضة الأخرى في البلاد التي استنكرت العملية والعنف بصفة عامة ، منهم أحمد المستيري، ومحمد مواعدة، ونجيب الشابي، إلا منصف المرزوقي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان.
كان موقف نجيب الشابي وقتها: التبرؤ من مثل هذه الأعمال وقال: إن النهضة تجاوزت الحد «كثرتلها»، ومواعدة كان موقفه أن لا للعنف، أما الحزب الشيوعي فطالب باشد العقاب.
النظام ركز في عمله وقتها على حشد الرأي العام والسياسي داخليا وخارجيا وتحريك الآلة الإعلامية، ثم جاءت قضية «براكة الساحل» التي كانت حول أن كولونيلات من الجيش يعملون بالتعاون مع «النهضة» يخططون لانقلاب، وأوقف 12 كولونيلا وقتها، ومنهم أخو أحمد نجيب الشابي وصنفت القضية على أنها قضية أمن دولة، وعدها قضية أمن الدولة تشمل أربع تهم كبرى هي: نية القتل، التطاحن، استعمال السلاح، وتهديد أمن الدولة ووحدة الوطن.
راشد الغنوشي كان في لندن وحكم عليه غيابيا، كما حكم علي أيضا في نفس القضية بتهمة التدبير باعتباري قياديا في الحركة.
وحوكمت بهذه التهمة في المحكمة العسكرية، وكانت محاكمة رائعة أعدها ملحمة.
كانت رائعة في تصرفنا كمتهمين ومداخلات المحامين، وتورط القضاة، كانت التهم واهية، وفي ذلك الوقت كانوا يقرأون علي التهم حول «براكة الساحل» وأجيب بأني لم أسمع عنها في حياتي من قبل، وكنت أسأل ما هي هل هي مكان أم مقر؟ وكشف المحامون زيف المدعي العام وهو كولونيل عينه بن علي وبعد القضية حصل على رتبة جنرال، وكانت المحاكمة رغم أنها عسكرية سياسية، وحتى الأسلحة التي زعموا أنهم وجدوها عندنا كانت عبارة عن عصي وآلات حادة ومسدسات «من عهد هتلر» ضحك المحامون وقتها، وقلت لهم بأننا لو كنا سنقوم بانقلاب عسكري بهذه الأسلحة فبئس الانقلاب.
وصدرت أحكام قاسية على مجموعة من المتهمين في القضية لكن الحكم علي كان السجن 16 عاما.

* قضية «براكة الساحل»
* أعلن وزير الداخلية التونسي مطلع التسعينات عبد الله القلال في مؤتمر صحافي كبير عقده في مايو 1991 عن مؤامرة كبرى لتغيير نظام الحكم بالقوة من قبل «جناح سري» تابع لحركة النهضة من بين عناصره عدد من الأمنيين والعسكريين.
وأورد عبد الله القلال وقتها عن كون قيادات عسكرية وأمنية قريبة من زعامة حركة النهضة المحظورة عقدت اجتماعا سريا في مسكن خاص في قرية «براكة الساحل» ـ بالقرب من مدينة الحمامات السياحية 50 كلم جنوب العاصمة تونس ـ واتفقت على الانقلاب على بن علي وناقشت سيناريوهات لقتله وإبعاده عن الحكم.
وقد قامت قوات الأمن وقتها باعتقال مئات الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى تلك «المؤامرة الكبيرة جدا».
لكن لما توسعت دائرة الإيقافات بناء على اعترافات أخذت من المتهمين تحت التعذيب شكت مصالح الأمن والحكومة في جدية تلك المؤامرة.. وتبين أن غالبية الموقوفين من بين العسكريين من بين الليبراليين والمدنيين الموالين للسلطة الذين وقع إقحام أسمائهم في ملفات التحقيق بهدف «إرباك النظام».
فوقع الإفراج عن الغالبية الساحقة من العسكريين المتهمين في تلك القضية والاعتذار لهم بعد تغيير وزير الدفاع الوطني صلاح الدين بالي بعبد العزيز بن ضياء. في المقابل حوكم عشرات من الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة أمام المحكمة العسكرية العليا بتهمة التآمر على أمن الدولة وأمام محاكم حق عام عادية بتهم متفرقة صدرت ضدهم في أعقابها أحكام تراوحت بين البراءة والسجن المؤبد. وكان بينهم حمادي الجبالي وعلي العريض حضوريا وراشد الغنوشي وعشرات من رفاقه في المنفى غيابيا.

* النهضة وبن علي.. بعد 1989
* كان السماح لقيادة حركة النهضة ـ التسمية الجديدة لحركة الاتجاه الإسلامي منذ فبراير (شباط) 1989 - بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة في أبريل (نيسان) من نفس السنة سلاحا ذا حدين.
فقد مكنت تلك المشاركة آلافا من مناضلي الحركة من الانتقال من السرية إلى العلنية وتنظيم آلاف التظاهرات الثقافية والسياسية الشعبية دون التخوف من التبعات الأمنية والقانونية التي أنهكتهم منذ بدء مسلسل المحاكمات السياسية للقيادة التاريخية في صائفة 1981.
ومكن انفراج العلاقة بين السلطة وقيادة النهضة من انفتاح وسائل الإعلام التونسية ومؤسسات رسمية في الدولة على قياديين في النهضة مثل عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحمادي الجبالي والفاضل البلدي وعلي العريض.. وعلى بعض قياداتها التي ظلت في «المنفى الاختياري».
وسمح لعدد من قادة الحركة ورموزها بالتنقل الحر بين تونس والخارج والبروز في المحافل العامة وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات العربية والغربية.
لكن تلك المشاركة في الانتخابات أثارت مخاوف المؤسسات الأمنية والسياسية للنظام وحلفائه داخل «الأحزاب العلمانية» ومنظمات «المجتمع المدني» الذين تخوفوا من «تغول الإسلاميين» في مرحلة أثبتت فيها نتائج الانتخابات ضعف تلك الأحزاب والمنظمات وهشاشتها وقلة إشعاعها.
ودخلت تونس منعرجا جديدا بعد عملية تزييف نتائج تلك الانتخابات وعدم الاعتراف بفوز أي من القائمات التي رشحتها المعارضة عموما وحركة النهضة خاصة.
ودفعت العلاقة مجددا بين السلطة والنهضة نحو التوتر. فهم بن علي وأنصاره أن «استعراض القوة الشعبي» الذي قام به أنصار حركة النهضة في تلك الانتخابات يوحي بكونهم لا يريدون المشاركة في الحكم بل وراثته.. وأنهم أصروا على تقديم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية وأنزلوا آلاف الأنصار إلى الشوارع لدعمهم للبرهنة على كونهم «القوة السياسية» الأكبر في البلاد..
وتحدث قياديون من النهضة لاحقا عن كون بن علي فهم أن حركتهم قامت بخطأ سياسي فادح عندما رفضت أن تترشح في 4 أو 5 دوائر لا غير «حتى لا تحدث اختلالا فجا في التوازنات السياسية في البلاد».
واتهم هؤلاء القياديون بعض رفاقهم بـ«حرق المراحل» وبـ«القفز على الواقع».. وبالخلط بين المشاركة في انتخابات تعددية لأول مرة والقيام بـ«انقلاب انتخابي سياسي» من خلال محاولة «تغيير النظام فجأة» عبر صناديق الاقتراع.. عوض الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت للحركة بعد الإطاحة بحكم بورقيبة وبينها تحسن هامش الحريات العامة والفردية وأوضاع حقوق الإنسان.
لذلك قرر بن علي أن يزيح المعارضة الإسلامية من طريقه قبل أن «يشتد عودها» أكثر.. فكانت المواجهات الدامية والدرامية انطلاقا من عامي 1990 و1991.
بدأت الاعتقالات جزئية لشخصيات مثل القياديين صالح البوغانمي وعلي العريض وحمادي الجبالي ثم تطورت إلى حملة واسعة شملت آلاف المنتمين للحركة وعشرات الآلاف من المتعاطفين معها وبينهم من دعموا قائماتها الانتخابية في 1989.
وبلغت حملة الاعتقالات أوجها في 1992 بعد الكشف عن «أجنحة سرية» للحركة تضم أمنيين وعسكريين ومدنيين مدربين على العنف وحمل السلاح كانوا يعدون للإطاحة بحكم بن علي وتنظيم «ثورة شعبية شاملة» ضده تشمل اغتياله وإحداث «فراغ دستوري» في أعلى هرم السلطة تستغله قيادة الحركة لتسلم الحكم.

* حامد القروي
* حامد القروي من دعائم نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، فقد اعتمد على حنكته السياسية في إدارة البلاد خلال قرابة عشر سنوات هي الأصعب في إرساء «التغيير» الذي وعد به التونسيين من خلال بيان السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
من مواليد مدينة سوسة الساحلية في 30 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1927 شغل منصب الوزير الأول (رئيس الحكومة التونسية) بين 27 سبتمبر (أيلول) 1989 و17 نوفمبر 1999 وهي الفترة التي شهدت استئصال التيارات الإسلامية التونسية ممثلة بالأساس في حركة النهضة من الحياة السياسية والزج بقياداتها في السجون. درس القروي الطب في فرنسا وتخصص في الأمراض الصدرية. انتخب بمجلس النواب (البرلمان التونسي) خلال فترة النظام البورقيبي وذلك إبان سنوات 1981 و1986 و1989.
عين وزيرا للشباب والرياضة بين شهر أبريل 1986 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 ثم مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان من بين مهندسي تغيير 1987 نظرا للقرابة العائلية التي تربطه بالرئيس التونسي الأسبق بن علي. عين سنة 1988 وزيرا للعدل. وفي سنة 1989 وإثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح رئيسا للحكومة التي أمنت التغيير السياسي وأرست دعائم الدولة وأخرجت معظم المنافسين السياسيين لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الاشتراكي الدستوري) من الحياة السياسية.
لم يلعب حامد القروي دورا سياسيا قويا أثناء فترة حكم بن علي، واقتصر أساسا على التنسيق الحكومي. خلفه محمد الغنوشي في رئاسة الحكومة، وبعد مغادرته الوزارة الأولى بقي نائبا أول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) وهو يأتي في المرتبة الثانية في الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة.

* أحمد المستيري
* أحمد المستيري من أبرز معارضي نظام بورقيبة وكان من بين الأوائل الذين وقفوا في صفوف المعارضة ومن داخل نظام الحكم البورقيبي نفسه. أسس نهاية عقد الثمانينات حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو أول حزب سياسي معارض يشارك في الانتخابات البرلمانية التي عرفتها تونس سنة 1981.
ولد المستيري بالضاحية الشمالية للعاصمة المرسى في 2 يوليو (تموز) 1925 وانضم في شهر يناير (كانون الثاني) 1952 إلى الديوان السياسي السري للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أصبح يقوده فرحات حشاد والصادق المقدم.
دافع كمحام عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتعرض لمحاولة اغتيال من قبل المنظمة الإرهابية المسماة «اليد الحمراء».
شغل حقيبة وزارة العدل خلال السنوات الأولى للاستقلال وساهم في إصلاح الجهاز القضائي وكتابة قانون الأحوال الشخصية الذي مكن المرأة التونسية من الحرية. كما سمي على رأس وزارات الدفاع والمالية والتجارة في عهد بورقيبة، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بفعل المعارضة العلنية لتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في تونس.
طُرد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في 29 يناير 1968 لكن فشل تجربة التعاضد ومحاكمة بن صالح أعادته من جديد إلى وزارة الداخلية سنة 1970. غير أنه استقال في 21 يونيو (حزيران) 1971 نظرا لعدم الوفاء بالوعود التي قطعها الرئيس بورقيبة بخصوص الانفتاح السياسي.
علق بورقيبة نشاط أحمد المستيري من الحزب الحاكم، ثم طرده نهائيا في 21 يناير 1972. وفي 20 يوليو 1973 طُرد من البرلمان الذي حافظ على عضويته منذ الاستقلال.
انسحب سنة 1986 من الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة 1978. ووضع حدا لكل نشاط سياسي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended