توقعات بزيادة تدهور الليرة التركية وإحجام الصين عن التمويل

بعد دعوة إردوغان المواطنين إلى تحويل العملات الأجنبية والإعلان عن سندات اليوان

خسرت الليرة أكثر من 25% من قيمتها حتى قبل عقوبات ترمب الأخيرة (رويترز)
خسرت الليرة أكثر من 25% من قيمتها حتى قبل عقوبات ترمب الأخيرة (رويترز)
TT

توقعات بزيادة تدهور الليرة التركية وإحجام الصين عن التمويل

خسرت الليرة أكثر من 25% من قيمتها حتى قبل عقوبات ترمب الأخيرة (رويترز)
خسرت الليرة أكثر من 25% من قيمتها حتى قبل عقوبات ترمب الأخيرة (رويترز)

توقع خبراء اقتصاديون مزيداً من الانهيار لليرة التركية في الوقت الذي جدد فيه الرئيس رجب طيب إردوغان مناشدته للمواطنين تحويل مدخراتهم من الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والذهب إلى الليرة لرفع قيمتها، بعد تدهورها إلى أدنى مستوى على خلفية العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد وزيري العدل والداخلية التركيين.
ورأى الخبراء أن إردوغان يدرك نقاط ضعف اقتصاد بلاده المعتمد على النقد الأجنبي، في الوقت الذي لم تتضح فيه الإجراءات التي سيتخذها لمواجهة الغضب الأميركي بعد الرد بالمثل بعقوبات مماثلة بحق وزيري العدل والداخلية الأميركيين. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية بحق وزيري العدل والداخلية التركية الأربعاء الماضي، على خلفية فرض الإقامة الجبرية على القس أندرو برانسون المتهم بدعم الإرهاب والتجسس والمسجون منذ أكثر من عامين، ما أعطى ضوءاً أخضر للمستثمرين الأجانب للرحيل عن تركيا قبل تطبيق المزيد من الإجراءات الأكثر تشدداً حال عدم إطلاق سراح القس.
وزاد الإجراء الأميركي الأخير من الصعوبات التي تواجه اقتصاد تركيا المصنف ضمن الفئة «المعرضة للخطر الشديد».
وخسرت الليرة أكثر من 25% من قيمتها حتى قبل عقوبات ترمب الأخيرة، وعانت الشركات التركية التي اعتمدت على الاقتراض بالدولار الأميركي لسداد ديونها، كما خرج التضخم عن السيطرة وارتفع إلى حدود 16% في يوليو (تموز) الماضي على أساس سنوي.
ويتوقع الخبراء أن تواجه تركيا مزيداً من العقوبات الأميركية المباشرة إذا لم تفرج عن برانسون، وأن تتبع الولايات المتحدة النهج نفسه الذي اتبعته مع روسيا بوضع كبار رجال الصناعة الداعمين لإردوغان في القائمة السوداء، وأن تستهدف العقوبات بعض ممولي المشروعات الضخمة التي وعد بها إردوغان، والتي تتكلف أكثر من 200 مليار دولار على هيئة استثمارات في المطارات والكباري وقنوات الشحن التي يعتمد عليها إردوغان لتحقيق النمو.
وذكرت وكالة «بلومبيرغ» في تقرير لها نُشر، أمس (الأحد)، أنه من المحتمل أن تعطل العقوبات صفقة نظام الدفاع الصاروخي الروسي (إس - 400)، وأن تفرض أميركا عقوبات فادحة على مصرف «خلق بنك» الحكومي، الذي كثيراً ما يقدم القروض للحكومة، والذي يقضى نائب مديره السابق عقوبة السجن في الولايات المتحدة لتورطه في انتهاك العقوبات الأميركية على إيران في الفترة ما بين 2010 و2015.
وحسب ماكس هوفمان، المدير المساعد بمركز «أميركان بروغرس» البحثي الأميركي، فإن الغرامة المتوقعة نتيجة للخروقات السابقة تقدر بمليارات الدولارات؛ ما يعني المزيد من الانهيار لليرة التركية.
وكان إردوغان قد تعهد عقب إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية في يونيو (حزيران) الماضي، بالسيطرة على السياسات المالية، لكن في ضوء العقوبات الأميركية الأخيرة؛ فإنه من المرجح «حدوث المزيد من الانهيار لليرة؛ ما يعزز من احتمالية رفع نسب الفائدة على الودائع المصرفية»، وفق جاسون توفاي، الخبير الاقتصادي بمؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» في لندن.
وتقدَّر قيمة الديون الأجنبية المستحقة على المصارف التركية نفسها بنحو 100 مليار دولار من المفترض سدادها خلال الأشهر الـ12 المقبلة، ويصل سعر الليرة حالياً إلى 5 ليرات للدولار.
من جانبه، قال إردوغان إن تركيا تعتزم إصدار سندات مقوّمة باليوان للمرة الأولى؛ في خطوة لتنويع مصادر التمويل وتجاوز مطالب الأسواق الغربية. وكان برات البيراق وزير المالية والخزانة التركي، قد أعلن أن بلاده ستحصل على قروض بقيمة 3.6 مليار دولار من الصين لتطوير مشاريع البنية التحتية لقطاع الطاقة والنقل.
لكن الخبير الاقتصادي التركي مصطفى سونماز، شكك في إقدام الصين على تقديم قروض تمويلية لتركيا، في ظل ما تعانيه البلاد من مخاطر اقتصادية. وقال إنه لن يكون من السهل الحصول على أي تمويلات من الصين بينما ترفض الأسواق الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي إقراض تركيا.
وأشار سونماز إلى أن الحكومة التركية تتجه نحو السوق الصينية للاقتراض الخارجي من أجل التغلب على الصعوبات التي يواجهها الرئيس التركي في توفير تمويل ضمن خطته المعلنة لمدة 100 يوم، قائلاً إنها المرة الأولى التي نصدر فيها سندات باليوان الصيني.
وقال سونماز إن الصين، مثل أميركا والاتحاد الأوروبي، تنظر أولاً في قرار تقديم القرض إلى معدل المخاطر الاقتصادية التركية، قائلاً: «وصلت تركيا في مؤشر معدل المخاطر إلى مستوى 345 نقطة. بينما اليونان التي تواجه أزمة اقتصادية عنيفة، وصلت إلى مستوى 317 نقطة في مؤشر المخاطر؛ لذلك فإن الأسواق الصينية ستنظر إلى حالة الاقتصاد التركي المتدهور قبل تقديم التمويلات إلى تركيا. والرأي الغالب هو أن الصين لن تخاطر».
أما بالنسبة إلى دعوة إردوغان للمواطنين بتحويل أموالهم من الدولار والعملات الأجنبية إلى الليرة التركية، فرأى سونماز -في مقابلة صحافية- أنها لن تفيد في شيء، قائلاً: «هذه الدعوات لا جدوى منها. لأننا شاهدنا في السابق أنه بعد مثل هذه الدعوات لم يتراجع سعر الدولار ولو بنسبة قليلة».
وسبق أن فعل إردوغان الشيء نفسه عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 2016 ولم تُجدِ كثيراً في تعديل أسعار الصرف.
بالتوازي، قالت وزيرة التجارة التركية روحصار بكجان، إن الانفتاح على أسواق عالمية جديدة، مثل الهند وأميركا اللاتينية والصين والمكسيك وأفريقيا، سيكون من أولويات وزارتها خلال المرحلة المقبلة.
وقالت بكجان، في تصريحات، أمس (الأحد)، إن تركيا ستواصل نهضتها في قطاع التصدير، عبر استراتيجيات خاصة، إذ ستؤسس 35 مركزاً تجارياً في الأسواق العالمية الكبرى. وأضافت أن توحيد وزارتي الاقتصاد والجمارك تحت سقف واحد (وزارة التجارة)، جعل هناك إمكانية لتقديم الخدمات لجميع العاملين في قطاع التجارة، من مركز واحد قوي.
وتابعت: «رؤيتنا المستقبلية هي تقديم الخدمات لجميع العاملين في قطاع التجارة من مركز واحد، وخدماتنا ستصل إلى الجميع ابتداءً من أصغر التجّار إلى أكبر المنتجين».
وذكرت أن وزارتها ستتّبع استراتيجيات استباقية خلال المرحلة القادمة، من أجل فتح آفاق جديدة للبلاد، وزيادة إنعاش وتسريع نمو قطاع الاقتصاد.
وارتفعت الصادرات التركية في يوليو الماضي، إلى 14.1 مليار دولار، بنسبة زيادة بلغت 11.8% على أساس سنوي، وفق مجلس المصدرين الأتراك.
وقالت الوزيرة التركية إن «هدفنا هو الارتقاء إلى مستوى الدول ذات الدخل العالي، ولتحقيق هذا الهدف علينا زيادة الصادرات التكنولوجية، والسلع ذات القيمة المضافة العالية، وعلينا الاستثمار في القطاعات الواعدة مثل البرمجيات والتكنولوجيا العالية، والذكاء الاصطناعي». وأشارت بكجان إلى أن بلادها ستستخدم الدبلوماسية التجارية بشكل فعّال مع الدول الأخرى.
وأكّدت أن تركيا ستُقدِم في المرحلة المقبلة على جميع الخطوات الرامية لتعزيز علاقاتها التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي، ودول الجوار.



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.