وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق: فتح معركة الرئاسة مبكراً يؤخر تشكيل الحكومة

تحدث لـ «الشرق الأوسط» عن انفتاح سعودي على لبنان بعد تأليفها

وزير الداخلية نهاد المشنوق
وزير الداخلية نهاد المشنوق
TT

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق: فتح معركة الرئاسة مبكراً يؤخر تشكيل الحكومة

وزير الداخلية نهاد المشنوق
وزير الداخلية نهاد المشنوق

وصف وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية بأنها «زيارة سياسية ناجحة»، مشيداً بالموقف السعودي حيال لبنان «الذي يتعامل مع الدولة اللبنانية»، متوقعاً انفراجات في العلاقات الثنائية بعد تأليف الحكومة الجديدة.
وأقر المشنوق في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الاتهامات اليمنية لـ«حزب الله» صحيحة، منبهاً إلى أنه «لم يعد يصح لكل هذه التطورات الدولية أن يكون حزب الله جزءا منفذا للسياسة الإيرانية بالمنطقة ولا يتوقع بالوقت نفسه صدور قرارات دولية بحقه».
واعتبر المشنوق أن مقاربة عملية تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة من خلال الأعداد، خاطئة، ورأى أن الخلل الرئيسي الذي يؤخر تشكيل الحكومة هو أن معركة الرئاسة انفتحت مبكراً، والطموحات بالوراثة السياسية أو الطموحات الرئاسية أدخلت البلد باشتباك. وأشار إلى أن «شهر العسل بين المستقبل والتيار الوطني الحر تحول إلى تفاهم بعناوين محدودة وأفق محدود».
وفيما يأتي نص الحوار:

> كيف تصف نتائج زيارتك الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية؟
- لا أستطيع إلا أن أكون في موقع التقدير والشكر لما قاموا به. أنا وزير في حكومة تصريف أعمال، ولن أكون وزيراً في الحكومة المقبلة انسجاماً مع قرار فصل النيابة عن الوزارة في تيار المستقبل. هو تكريم معنوي كبير، ولا أستطيع إلا أن أكون شاكراً ومقدراً له، باعتبار أنه تقدير سياسي، أكثر منه لتبادل المعلومات الأمنية. كل النقاشات أخذت منحى سياسياً في المنطقة وليس فقط في لبنان، وتناولت الموضوع السوري، والعراقي، واللبناني تحديداً. وأنا بالتأكيد شاكر ومقدر وممتن لإصرار وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف على إتمام هذه الزيارة وتحقيقها.
لأول مرة أجلس مطولاً معه لنتناقش، وهو شخص رصين يعبّر عن أفكاره بأقصر جمل ممكنة وبشكل واضح لا يترك مجالاً للاجتهاد. القيادات الأمنية أيضاً، كل واحد بمسؤولياته أو بطباعه الشخصية يعرف المهام المكلف بها وكيفية تنفيذ التعليمات من القيادة بشكل سليم. ثالثاً، واضح أن الجو الغالب بالسعودية هو جو تغيير بالكامل يتدرج في كل موضوع. عموماً في كل المجالات، هناك تغييرات كبرى تحتاج لوقت كي تظهر نتائجها، ولكن الانطباع الأول أنها كلها تبشر بالخير والنجاحات.
السعودية بطبيعتها سواء بالموضوع الديني أو الاقتصادي أو السياسي هي دولة قائدة بالمنطقة، وأنا أعتبر وأكرر دائماً أن التوازن بالمنطقة لا سيما في ظل هذا التمدد الإيراني، لا يقوم إلا على تحالف سعودي - مصري صلب، لأن كل دولة من الدولتين تمتلك عناصر قوة وخصوصيات ومشتركات كثيرة. ومؤخراً دخلت الإمارات باعتبارها دولة متماسكة وجدية بالمعنى العسكري والأمني وبمعنى القوة الناعمة.
> كيف ترى مستقبل العلاقات مع المملكة؟
- ما لاحظته من خلال النقاشات أن هناك قراراً بالتعامل مع الحكومة اللبنانية الرسمية التي ستؤلف، وتطوير العلاقات الرسمية والتبادل الاقتصادي والتجاري، وهناك تحضير لتوقيع معاهدات اقتصادية ومالية وتجارية بين البلدين. هم ينتظرون تشكيل الحكومة لإعادة إحياء اللجنة الوزارية العليا التي يرأسها من الجانب السعودي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن الجانب اللبناني رئيس الحكومة. ومن المتوقع بعد تشكيل الحكومة وحصولها على الثقة، سوف تكون هناك زيارات لمسؤولين سعوديين كبار للبنان لتنسيق الاجتماعات وتحضير الملفات.
> كانت للمملكة ملاحظات على الأداء اللبناني، أولاً النأي بالنفس في المواقف الدولية والعربية، ثانياً وجود فريق لبناني يمارس نشاطات تضر بأمن المملكة ودول عربية أخرى.
- موقفهم من التدخل الإيراني ومن حراك «حزب الله» في البلاد العربية، تحديداً، لم يتغير. الاعتراضات السعودية نفسها لم تتغير، لكن الفرق هو اعتماد وسيلة مواجهة مختلفة، وذلك عبر الاستمرار بالعمل مع الدولة بشكل رسمي وأن تكون موجوداً بنفس الساحة تمارس دورك الطبيعي من خلال اتفاقات فيها مصلحة للبنان والسعودية، اقتصادية أو تجارية. شخصياً أعتقد أنه بعد كل الذي حصل من ممارسات بشأن ما يسمى «النأي بالنفس» والتعرض الذي حصل حيال السعودية، يجب أن تتم إعادة النظر بمسألة النأي بالنفس، وما هي حدودها وضوابطها وجديتها وما هو مضمونها، لأنها أصبحت مجال استنساب. كل قوة سياسية تستعمله بما يناسب مصالحها. لبنان بلد ليبرالي ومستوى الحريات فيه مرتفع، لكن هذه لا يجب أن تكون ذريعة لممارسات وأفعال وأقوال تهدد علاقات لبنان بمحيطه العربي ومسؤوليات لبنان تجاه عروبته وثوابت هذه العروبة.
شكوى اليمن محقة
> وزارة الخارجية اليمنية قامت بإرسال رسالة للبنان تشكو فيها تدخل «حزب الله» باليمن. كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟
- هذا تطور جديد، ولكن كل الناس تعرف أن هذا صحيح. سبق للحكومة اليمنية نفسها أن نشرت بطاقات هوية ومعلومات عن أفراد لبنانيين مهما كانت صفتهم، مستشارين أو مقاتلين أو خبراء في صناعة الصواريخ أو تركيبها. معروف هذا الأمر وليس هناك مفاجأة. أعتقد أن الموقف اليمني موقف طبيعي، لأنه لم يعد يصح بعد كل هذه التطورات الدولية أن يكون حزب الله منفذاً للسياسة الإيرانية بالمنطقة، ولا يتوقع بالوقت نفسه قرارات دولية بحقه.
لماذا هو نيجيريا مثلاً؟ لماذا يقوم بتدريبات في نيجيريا وإنشاء مخازن أسلحة فيها؟ وما الهدف من الـ10 آلاف بدلة عسكرية التي ضبطت في الكويت؟ تمتين الاستقرار هناك؟ الأمور وصلت إلى مرحلة أن كل الناس ترفض الاستمرار في هذه السياسة. الموقف اليمني تعبير عن أن حزب الله مشكلة حقيقية للبنان بعلاقته بمحيطه العربي بقدر ما هو مشكلة للعرب.
> ألا يخشى من أن يُنفس الضغط الدولي الشديد على إيران بمكان مثل لبنان؟
- لنفترض ذلك، وبعدها؟ أول قرار عسكري تأخذه إيران سيكون آخر قرار لها. أولاً سوف تخسر كل المؤيدين لها بالمنطقة وستخسر كل ما يمكن أن تسميته بـ«الحليف»، وهم يعرفون المعادلة الدولية، وأن أي تهديد مباشر بالمنطقة سيكون أول وآخر قرار، لأنه لم يعد هناك مجال للمفاوضات. أمن إسرائيل همّ أميركي روسي، فكيف يمكنهم أن يواجهوا ذلك؟ وفي رأيي كما أن الإيرانيين يمتلكون كفاءة بالكلام الكبير والتأويل، أيضاً يمتلكون كفاءة بالمفاوضات و«الالتفاف» عند الضرورة القصوى، وليس أمامهم أي خيار آخر. منذ عام 2006 حتى اليوم لم تكن هناك طلقة واحدة على الحدود اللبنانية، أليس ذلك دليلاً على الالتزام بالقرارات الدولية ومعرفتهم أن هذه القصة أكبر من قدرتهم وأكبر من قدرة إيران؟
قواعد رقمية لتشكيل الحكومة
> في الشأن اللبناني، الكل ينتظر الحكومة في الخارج ولا يوجد ما يبشر بولادة حكومة. هل توافق على ذلك؟
- معايير تأليف الحكومة منذ اليوم الأول وضعت خطأ، لأنها وُضِعَت وفق قواعد رقمية كأنها تتشكل على الآلة الحاسبة أو ماسورة الخياط، اسميها «ماسورة الخياط الباسيلي» (نسبة لوزير الخارجة جبران باسيل) وهذا وهم في الحقيقة، لأن الحكومة تشكل وفق قواعد دستورية أولاً ووفق أعراف النظام التوافقي اللبناني وتفاهماته السياسية، وليس فقط معايير حسابية رقمية.
«التيار الوطني الحر» كل يوم يحكي عن القوة. أي قوة؟ أعتقد أن الخلل الرئيسي الذي يؤخر تشكيل الحكومة هو أن معركة الرئاسة انفتحت مبكراً، والطموحات بالوراثة السياسية أو الطموحات الرئاسية أدخلت البلد باشتباك وأسئلة لا أحد يمتلك أجوبتها، وبالتالي أنت تدور في حلقة مفرغة.
> لكن في بداية العهد تم تأليف الحكومة بسرعة قياسية؟
- تمّ بسبب التفاهم السياسي، ولأنه لم يكن مطروحاً في تلك اللحظة أن أطرافاً تخوض معركة رئاسية عبر تأليف الحكومة كما هو حاصل اليوم. مثلاً عندما كانت حصة القوات 8 نواب، كان نائب رئيس الحكومة من حصتهم، إلى جانب وزيرين آخرين. بعدها جاءت الانتخابات ودخلت كل القوى بأحجامها، برزت المعادلة الرقمية لدى «التيار الوطني الحر» على قاعدة كل 4 نواب لهم وزير. عندما كان عدد نواب القوات أقل حصلوا على نائب رئيس الحكومة واليوم ثمة من يريد حرمانهم من هذا المكسب رغم أنهم ضاعفوا حجم كتلتهم. ما هذه المعادلة؟
> التفاهم السياسي الذي كان قائماً سهل ولادة الحكومة؟
- نعم بين الجميع. التفاهم السياسي على انتخاب الرئيس استمر وعاش في تشكيل الحكومة، الآن لا يوجد انتخاب رئيس بل هناك أحلام رئاسية، والناس تدخل بحسابات رقمية لن توصل إلى مكان لا الأحلام الرئاسية ولا الذين يعتبرون أنفسهم لهم الحق بالرئاسة. أعتقد أنه بالنسبة لـ«التيار الوطني الحر»، الموضوع الرئيسي هو الموضوع الرئاسي، أما في «القوات اللبنانية» فالموضوع الرئيسي هو حق الفيتو على الرئاسة، أي الشراكة الحاسمة في تقرير هوية الرئيس المقبل.
> شهر العسل بين المستقبل والتيار الوطني الحر، هل انتهى أم اهتز؟
- برأيي تحول إلى تفاهم بعناوين محدودة وأفق محدود، وليس مفتوحاً كما في البداية. الحريري قادر على أن يكون نقطة ارتكاز لأكبر عدد ممكن من القوى السياسية، لم يعد قادراً أن يبقى على تحالف انفرادي مع التيار الوطني الحر، لكن من الواضح أنه يفصل تماماً بين التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية، ومحافظ على حدود وسطية من العلاقة ومع ذلك رئيس الجمهورية لم يقصر فيه أيضاً، فالبيان الذي صدر حول «مسألة» الصلاحيات، لغته قديمة عمرها عشرات السنين لا علاقة له بالواقع الآن والتطور الدستوري الذي حصل. ثم ما لبث أن استدرك الرئيس هذا الأمر بتسريبات صدرت عن زواره وهذا يحسب له. لكن المؤسف أنه عند البعض الأحلام والأوهام أصبحت موجودة بالسياسة اللبنانية أكثر بكثير من الوقائع والحقائق.
> نرى عودة للتكتلات السياسية، إذا نظرنا إلى التقارب بين «المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات»، هل هي عودة لمنطق 14 آذار؟
- لا أعتقد أنه بالإمكان إرجاع الساعة إلى الوراء. 14 آذار لحظة مجيدة في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية ولها ظروف لم تعد قائمة اليوم. لكن أعتقد أنه واضح أن هناك إمكانية جدية للتفاهم على الحد الأدنى بما يخدم مصلحة الاستقرار والتفاهم والإنماء بلبنان. وهذا متوفر في القوى الثلاث أكثر بكثير مما كانت عليه في البدايات. الفرق بينه وبين «14آذار»، أن الأخير كان مشروعاً وطنياً شاملاً له عناوين كبرى تتعلق بالسيادة والاستقلال وبمواجهة قوى كبرى سواء حزب الله أو النظام السوري. الآن ليست نفس العناوين مطروحة بل أقل من ذلك بكثير والتفاهم عليها ممكن، أصبح هناك إجماع إلى حد ما. مثلاً موضوع حزب الله لم يعد ممكنا إنهاؤه من دون تفاهم إقليمي، ولا يمكن إنهاؤه وفق تفاهم محلي، وهنا نتحدث عن إنهاء حالته العسكرية وليس إنهاء الحزب الموجود هو وجماعته. الأمر محصور بوجوده العسكري وتمدده وتدخله في سوريا واليمن أو بأي مكان فيه اشتباك وعدم استقرار، لأنه عملياً السياسة الإيرانية لم تكن ولا مرة جزءاً من الاستقرار بأي مكان دخلت عليه.
> ماذا عن المرحلة التالية لك ما بعد الوزارة؟
- مرتاح شخصياً ومرتاح سياسياً، وكما ذكرت قبل، وأكرر، أنا بحاجة لإجازة طويلة وبعدها أقرر أين يكون تموضعي «التنظيمي» إذا صح التعبير، ولا أقول السياسي تماماً، لأنني لست في وارد ترك الحريرية السياسية وإرثها الوطني الكبير. أما ما هو دوري فيها وأين؟ فأريد أن أعطي نفسي وقتاً كي أقرر. لا أريد أن أتعجل وأنا لست من النوع الذي يتحمس للانشقاقات والانقلابات. أنا حريص على جمهور رفيق الحريري وتيار المستقبل بمعناه العريض وليس التنظيمي، وحريص على علاقتي السياسية والشخصية بالرئيس سعد الحريري. أما الدور وشكل الدور فمسألة بحاجة إلى تفكير وتأنٍ.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.