جيريمي هنت... وجه الدبلوماسية لعهد «بريكست» في بريطانيا

لُقب بـ«منقذ» النظام الصحي وكان من أنصار البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي

جيريمي هنت... وجه الدبلوماسية لعهد «بريكست» في بريطانيا
TT

جيريمي هنت... وجه الدبلوماسية لعهد «بريكست» في بريطانيا

جيريمي هنت... وجه الدبلوماسية لعهد «بريكست» في بريطانيا

قد لا يكون اسمه متداولاً بين دبلوماسيي العالم، إلا أن وزير الخارجية البريطاني الجديد جيريمي هنت صنع لنفسه هوية سياسية فريدة قادته إلى مكانة مرموقة في هرم السلطة البريطاني. إذ جاء تعيين هنت، بعد الاستقالة الصادمة لوزير الخارجية بوريس جونسون، مفاجأة في عواصم العالم وفي أروقة «وايتهول» على حد سواء، وبخاصة بعدما كان أمام هنت، وهو وزير الصحة السابق، عراقيل هددت بإبعاده عن منصبه قبل أشهر قليلة. وفي حين أرجع البعض تعيين وزير الخارجية الجديد إلى سعي رئيسة الوزراء تيريزا ماي لحماية منصبها من «المتمردين» في صفوف حزبها، فإنه في واقع الأمر يحظى بشعبية واحترام كبير داخل حزبه المحافظ، ويُعتبر وجهاً يتوافق عليه مختلف أطياف الحزب الحاكم رغم انقساماته. واليوم سيواجه هنت تحدياً من نوع خاص... يتمثل في تحقيق التوازن بين دوره في تطبيق سلس لـ«بريكست» (انسحاب بريطانيا من الأسرة الأوروبية) واستعادة وهج الدبلوماسية البريطانية على الساحة الدولية.

قبل أشهر معدودة، كان جيريمي هنت يواجه تهديد الإقالة على خلفية الأزمة الخانقة التي كانت تهدد «خدمة الصحة الوطنية» البريطانية (إن إتش إس). فلقد واجه هنت الذي كان يشغل في حينه حقيبة وزير الصحة تحديات عدة، كان من أبرزها شح الموارد المالية، وإضرابات للأطباء الشباب، وسخط المواطنين عن مستوى أداء المستشفيات والعيادات الحكومية.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعدت الصحف المحلية والنشرات الإخبارية عناوين تتوقع إبعاد هنت عن منصبه على رأس وزارة الصحة. إلا أنه بعد دقائق خرج من الباب الأمامي لمقر رئيسة الحكومة (الرقم 10 داونينغ ستريت) محتفظاً بحقيبته الوزارية، بل أضاف إليها حقيبة أخرى هي الرعاية الاجتماعية.
بذا نجح هنت حيث فشل آخرون قبله؛ وذلك بعدما نجح في تأمين ميزانية إضافية للـ«إن إتش إس»، وإقناع رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي بضرورة ضخ 20 مليار جنيه إسترليني إضافي في «الخدمة» التي تعدّ العمود الفقري للدولة البريطانية. ومن ثم، لُقّب بعضهم هنت بـ«منقذ خدمة الصحة الوطنية»... إحدى جواهر التاج البريطاني.
أكثر من هذا، أصبح هنت، الأب الخمسيني لثلاثة أطفال، الوزير الذي شغل أطول فترة على رأس وزارة الصحة منذ إنشاء «خدمة الصحة الوطنية» التي تمولها الحكومة، وهي فترة تجاوزت 5 سنوات وشهوراً. ونقلت صحيفة «الغارديان» – المحسوبة على تيار اليسار المناوئ للمحافظين – عن مسؤول رفيع في قطاع الصحة قوله، إنه «في بيئة تعيق فيها مفاوضات (بريكست) عمل مختلف الوزارات وتعرقل تحقيق أي إنجاز كبير، سيستطيع هنت التباهي بأنه أنقذ الخدمة (وهذا إنجاز كبير)».

- بداية مسيرة متعثرة
ولد جيريمي هنت يوم أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1966 في العاصمة البريطانية لندن، وحياته المهنية بعيداً عن السياسة. فبعدما تخرج في جامعة أكسفورد (كلية مودلين) بشهادة علوم سياسية واقتصاد وفلسفة، وفيها ترأس منظمة طلاب حزب المحافظين في عام 1987. عمل هنت مع إحدى الشركات التي تقدم استشارات استراتيجية لمدة سنتين، قبل أن يقرر السفر إلى اليابان والعمل مدرّس لغة إنجليزية.
وبعد العودة إلى بريطانيا، جرب هنت حظه في مشروعات استثمارية، كان بينها محاولة تصدير مواد غذائية بريطانية إلى اليابان، لكنها باءت كلها بالفشل. وهكذا انتقل إلى مشروع جديد متعلق بتقنية المعلومات، تشارك فيه مع أحد أصدقاء طفولته في عام 1991، وباع الرجلان الشركة بعد بضع سنوات، ليؤسسا شركة تقدم خدمات تعليمية أثارت اهتمام مؤسسات كبيرة. وفي يناير 2017، باع هنت رصيده من الشركة، واسمها «هوت كورسز»، إلى جهة أسترالية، وحقق عبر هذه الصفقة ربحاً قدّر بـ14 مليون جنيه إسترليني.
وعاد هنت في بداية الألفية إلى الاهتمام بالسياسة، وانتخب نائباً عن دائرة جنوب غربي سري (في الريف جنوبي لندن) في الانتخابات العامة لعام 2005. ودعم هنت حملة ديفيد كاميرون لترؤس حزب المحافظين، وكوفئ بتعيينه وزير ظل لشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، ليعيّن بعد سنتين من ذلك وزير ظل للثقافة والإعلام والرياضة.

- في السلطة
وفي الحكومة الائتلافية التي شكلها كاميرون، بالتحالف مع حزب «الديمقراطيين الأحرار» في انتخابات 2010، تولى هنت رسمياً حقيبة الثقافة والإعلام والرياضة، وأُضيف إليها إدارة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها لندن في 2012، ثم أسندت إليه حقيبة وزارة الصحة في العام نفسه، ولقد احتفظ بها في حكومتي كاميرون وماي، حتى تاريخ تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً لبوريس جونسون في الخارجية يوم 9 يوليو (تموز) الحالي.
عقب تقديم كاميرون استقالته في 2016، بعدما صوّت غالبية البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، طُرح اسم هنت لقيادة حزب المحافظين، إلا أنه لم يحظَ بالدعم الكافي. وكانت استقالة رئيس الوزراء كاميرون قد تزامنت آنذاك مع فضيحة إضراب الأطباء، الذي كان الأول من نوعه منذ 40 سنة. كما أن دعم هنت العلني للبقاء في الاتحاد الأوروبي حال دون اعتباره مرشحاً توافقياً في بيئة محافظة منقسمة على نفسها، شريحة واسعة منها متحمسة لتنفيذ رغبة الشعب البريطاني بالخروج.
في المقابل، واجه هنت سلسلة انتقادات قاسية، واتهامات باستغلاله مناصبه السياسة لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية. وفي أبريل (نيسان) الماضي، اضطر إلى تقديم اعتذار لتخلفه عن الكشف عن امتلاكه مجموعة من الشقق الفاخرة. ويومذاك أرجع هنت الأمر إلى «خطأ إداري». إلى ذلك، واجه أداء هنت في وزارة الصحة انتقادات حادة، أهمها الحاجة الماسة إلى إعداد المزيد من الأطباء والممرضات، وتردي مستويات الرعاية الصحية المتاحة لكبار السن، وارتفاع معدل الانتظار لتلقي العلاج. وهذه المهمة، بعد انتقال هنت إلى وزارة الخارجية، الآن باتت ملقاة على عاتق مات هانكوك الذي أصبح وزيراً للصحة، بينما جرى تعيين المدعي العام جيريمي رايت وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة خلفاً لهانكوك.

- تحدي «بريكست»
قد يكون منصب وزير الخارجية مكافأة لمعظم السياسيين البريطانيين الساعين إلى ترؤس حزب المحافظين، وشق طريقهم صعوداً نحو رئاسة الوزراء، إلا أنه في حالة جيريمي هنت قد يشكل تحدياً قد يؤول إلى إنهاء مسيرته السياسية، أو على الأقل عرقلة تقدمه نحو «داونينغ ستريت». وثمة من يقول، إنه بينما اختار سلفه المثير للجدل بوريس جونسون «القفز من السفينة قبل ارتطامها بحائط بريكست»، ظل هنت داعماً ومخلصاً لتيريزا ماي. ونقل الإعلام البريطاني عن أحد الوزراء قوله، إن «هنت يمضي الكثير من الوقت في مدح رئيسة الوزراء»، كما عبر عن دعمه الكامل الخطة التي طرحتها لتقنين علاقة بلادها مع الاتحاد الأوروبي.
وحقاً، كما سبقت الإشارة، كان هنت رافضاً لفكرة «بريكست»، ولم يتردد في إعلان موقفه علانية بعكس موقف ماي الملتبس، إلا أنه غيّر رأيه في العام الماضي؛ إذ قال خلال مقابلة مع إذاعة «إل بي سي»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، إنه «غيّر رأيه في هذه المسألة جزئياً بسبب ما شهده من غطرسة مخيّبة للآمال» في سلوك الاتحاد الأوروبي أثناء المفاوضات.
على أي حال، يواجه هنت في منصبه الجديد تحدي الموازنة بين الحفاظ على مكانة بلاده على الساحة الدولية، وتنفيذ رغبة ناخبيه بالخروج من الاتحاد الأوروبي بأقل خسائر اقتصادية ومالية ممكنة. ولعل ما يزيد من صعوبة هذا التحدي هو الهجوم بغاز الأعصاب الذي استهدف عميلاً روسياً مزدوجاً سابقاً وابنته في أحد شوارع مدينة سولزبري البريطانية، الذي أدى إلى موت مواطنة بريطانية قبل أيام في حادث متصل. ولقد اتهمت الحكومة البريطانية روسيا بالوقوف وراء الهجوم ضد العميل سيرغي سكريبال، وأطلقت بالتعاون مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو» حملة طرد جماعية لعشرات الدبلوماسيين الروس. لكن روسيا رفضت الاتهامات البريطانية، وطالبت لندن بتقديم دلائل ملموسة على مزاعمها، وهو أمر يتوقع أن يعقّد مهمة وزير الخارجية الجديد.

- ترمب... وأزمات أخرى
أكثر من هذا، إذا لم تكن هذه التطورات غير المسبوقة تحدياً كافياً، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ساهم في زيادة تعقيد المشهد السياسي البريطاني خلال الزيارة الرسمية التي قام بها لبريطانيا في الأسبوع الماضي. إذ استبعد ترمب في مقابلة مع صحيفة «الصن» إبرام اتفاق تجارة حرة تتطلع له بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي في حال طبقت ماي خطتها التي تحافظ على علاقات تجارية وثيقة مع الاتحاد. ولم يقف الرئيس الأميركي، الذي أثارت زيارته جدلاً واسعاً، عند هذا الحد، بل امتدح «صديقه» بوريس جونسون، ورأى أنه «قد يكون رئيس وزراء جيداً».
وإلى جانب هذه القضايا، تعمل لندن مع مختلف الأفرقاء على حل أزمة الحرب السورية، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والسلام في الشرق الأوسط، والتهديدات الأمنية والسيبرانية التي تطرحها روسيا.
لكن رغم كل الأزمات، يبدو أن تفاصيل الـ«بريكست» الداخلية طغت على عمل وزارة الخارجية خلال الأشهر الماضية، بل إنها أطاحت بوزير سابق يتمتع بنفوذ وشعبية داخل حزبه المحافظ وخارج الحدود البريطانية. ولم يبرهن خليفته حتى الآن عن نيته إعادة تركيز الوزارة على القضايا المنوطة بها؛ إذ اكتفى هنت خلال الأيام العشرة الماضية منذ تعيينه بالتعبير عن دعمه الكامل لخطة رئيسة الوزراء وصورة على «تويتر» تعكس مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأخيرة ببروكسل ومتابعته مباريات كأس العالم.
أما جونسون، سلف هنت، فلقد خصّص أول كلمة له أمام البرلمان، بعد موجة استقالات ضربت الحكومة من بعده، لقضية الخروج من الاتحاد الأوروبي. وحذّر جونسون، الذي يراه البعض الآن منافساً محتملاً لماي، من أن خطتها ستترك بريطانيا «في حالة دائمة وتعيسة من الرقص على الحبال». وقال، إنه من خلال عرض اتباع قوانين الاتحاد الأوروبي بشأن التجارة في السلع، ومن دون أن يكون لبريطانيا أي رأي في وضع هذه القوانين «فإننا نتطوع لنكون تابعين اقتصادياً»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية. إلا أنه أكد أنه «لم يفت الوقت لإنقاذ (بريكست). لدينا وقت في هذه المفاوضات. لقد غيّرنا المسار مرة ونستطيع تغييره مرة أخرى». كذلك اعتبر جونسون أن ماي عادت عن «رؤيتها الرائعة» حول «بريكست» التي اشتملت على الانفصال عن محاكم الاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، وإبرام اتفاقيات تجارة جديدة.
من جانب آخر، عرضت رئيسة الوزراء ماي اقتراحها القاضي بإنشاء منطقة تبادل حر للسلع بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، قبل أسبوعين على وزرائها في مقر إقامتها الريفي في تشيكرز. وأوضحت أن خطتها تسعى إلى الحفاظ على علاقة تجارية وثيقة مع الاتحاد، على أن يواكب ذلك وضع «مجموعة من القواعد المشتركة». لكن أنصار الانفصال اعتبروا أن خطة ماي بمثابة خيانة لتصويت البريطانيين على مغادرة الأسرة الأوروبية، وفي مقدمهم جونسون وزميله المستقبل أيضاً وزير «بريكست» ديفيد ديفيس.


مقالات ذات صلة

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

حصاد الأسبوع شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت

فاضل النشمي (بغداد)
حصاد الأسبوع ليندنر اختلف مع سياسة ميركل المتعلقة بالهجرة وفتحها أبواب ألمانيا أمام مئات آلاف اللاجئين السوريين

كريستيان ليندنر... الزعيم الليبرالي الذي أسقط عزله الحكومة الألمانية

رجل واحد حمله المستشار الألماني أولاف شولتس مسؤولية انهيار حكومته، وما نتج عن ذلك من فوضى سياسية دخلت فيها ألمانيا بينما هي بأمس الحاجة للاستقرار وتهدئة

راغدة بهنام ( برلين)
حصاد الأسبوع شيل

ألمانيا... الحزب الديمقراطي الحر «شريك الحكم» شبه الدائم

مع أن «الحزب الديمقراطي الحر»، الذي يعرف في ألمانيا بـ«الحزب الليبرالي»، حزب صغير نسبياً، مقارنةً بالقطبين الكبيرين «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» (المحافظ)

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع لقاء ترمب وبوتين على هامش "قمة العشرين" عام 2017 (آ ف ب)

موسكو تترقّب إدارة ترمب... وتركيزها على سوريا والعلاقة مع إيران

لم تُخفِ موسكو ارتياحها للهزيمة القاسية التي مُنيت بها الإدارة الديمقراطية في الولايات المتحدة. إذ في عهد الرئيس جو بايدن تدهورت العلاقات بين البلدين إلى أسوأ

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع يأتي انتخاب «عرّو» في وقت حرج لإقليم أرض الصومال لا سيما مع تحديات استمرار رفض مقديشو توقيع الإقليم مذكرة تفاهم مع إثيوبيا

عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»... دبلوماسي يقود «أرض الصومال» في «توقيت مصيري»

حياة مغلفة بـ«هم الاستقلال»، سواءً عن المستعمر القديم في السنوات الأولى، أو تشكيل «الدولة المستقلة» طوال فترتَي الشباب والشيخوخة، لم تثنِ عبد الرحمن محمد عبد

محمد الريس (القاهرة)

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».