قمة هلسنكي تطبّع العلاقات الأميركية ـ الروسية

ترمب وبوتين عقدا اجتماعاً ثنائياً استمر ساعتين... وبحثا سوريا وإيران ومزاعم تدخل موسكو

الرئيسان الأميركي والروسي عقدا مؤتمراً صحافياً بعد اجتماعهما في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي عقدا مؤتمراً صحافياً بعد اجتماعهما في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
TT

قمة هلسنكي تطبّع العلاقات الأميركية ـ الروسية

الرئيسان الأميركي والروسي عقدا مؤتمراً صحافياً بعد اجتماعهما في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي عقدا مؤتمراً صحافياً بعد اجتماعهما في هلسنكي أمس (إ.ب.أ)

في أقوى مؤشر إلى أن العلاقات الأميركية - الروسية قد تكون مقبلة على مرحلة انفراج، انتهت قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، أمس (الاثنين)، بما بدا أنه اتفاق على التعاون في المجالات الكثيرة الممكن التعاون فيها، مثل مكافحة الإرهاب، وسباق التسلح، وأزمتي سوريا وأوكرانيا، وحتى في قضية التحقيق في مزاعم تدخل الاستخبارات الروسية في الانتخابات الأميركية، مع إبقاء الملفات المختلف عليها تحت «خيمة الحوار» بين البلدين من أجل الوصول إلى اتفاق حولها في المستقبل.
وكان لافتاً أن الرئيسين أدليا بمواقف قريبة في خصوص الموضوع السوري، لا سيما في شأن ضمان أمن حدود إسرائيل، في إشارة إلى الضغوط من أجل إبعاد إيران وميليشياتها عنها، وأيضاً في شأن ضرورة مساعدة النازحين السوريين في داخل البلد وفي دول الجوار.
وفي حين ظهر اختلاف بين الزعيمين حول موضوع الاتفاق النووي الإيراني، كان لافتاً أيضاً أن الرئيس الأميركي انتقد مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، وساند الرئيس الروسي في نفيه تدخل أجهزة استخباراته في الانتخابات الأميركية عام 2016. لكن الرئيس الروسي بدا وكأنه قد قدم أيضاً تنازلاً لافتاً، إذ أعلن سماحه للمحققين الأميركيين بحضور استجواب 12 من ضباط الاستخبارات الروسية اتهمهم الادعاء الأميركي باختراق حسابات الحزب الديمقراطي من أجل إيذاء حظوظ هيلاري كلينتون، منافسة ترمب الخاسرة. لكنه اشترط، في المقابل، أن يسمح الأميركيون للمحققين الروس باستجواب عملاء تشتبه موسكو في أنهم قاموا بمؤامرات ضدها.
وعُقد المؤتمر الصحافي للرئيسين بعد الظهر، في القصر الرئاسي الفنلندي، بعد يوم طويل من المحادثات، بدأت بلقاء ثنائي على انفراد، لم يضم سوى ترمب وبوتين ومترجمين خاصين بهما. وبعد ذلك، عُقد اجتماع موسع بين وفدي البلدين، ضم عدداً من المسؤولين الكبار، مثل وزيري الخارجية مايك بومبيو وسيرغي لافروف، ومستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، والجنرال جون كيلي كبير موظفي البيت الأبيض.
وأعلن الرئيس الروسي، في بداية المؤتمر الصحافي، أن هناك مجالات يمكن لبلاده والولايات المتحدة التعاون فيها، مثل «متابعة التعاون ضد الإرهاب والأمن السيبراني»، مضيفاً أن أجهزة الأمن الروسية والأميركية يمكن لها أن تتعاون بالفعل، معطياً مثالاً على ذلك بالتعاون الأمني في مجال التحضير لأولمبياد روسيا، ولفت إلى أنه ذكر نظيره الأميركي بأن هناك هيئة خاصة للتعاون ضد الإرهاب، يمكن إعادة إحيائها وتحريك التعاون من خلالها.
أما في شأن سوريا، فقد أوضح بوتين أن مهمة استعادة الأمن في البلد قد تكون مجالاً يمكن لأميركا وروسيا أن تتعاونا فيه، ومن ضمنها مهمة إعادة السوريين النازحين إلى بلدهم، ولفت إلى أن أميركا وروسيا «اختبرتا التنسيق العسكري في سوريا، وتجنبا وقوع صدام» بين قواتهما، في إشارة إلى خط التنسيق الذي تستخدمه القوات الأميركية والروسية لتجنب وقوع مواجهة غير مقصودة بين قواتهما على أرض سوريا أو فوق أجوائها.
وفي موقف لافت، تحدث بوتين عن الوضع في «جنوب سوريا»، قائلاً إنه «يجب العودة إلى التطبيق الكامل لاتفاق فصل القوات (السورية والإسرائيلية في الجولان)، وهذا سيعيد السلام (إلى المنطقة)، ويؤمن أمن إسرائيل». وعلى الرغم من أن بوتين لم يدخل في التفاصيل، فإن حديثه عن أمن إسرائيل والحدود في منطقة الجولان يتعلق بضرورة الأخذ في عين الاعتبار مخاوف الدولة العبرية من نشاط ميليشيات إيرانية في الجنوب السوري، ومطالبتها بإبعادها عشرات الكيلومترات عنها.
وتابع بوتين أنه شكر الرئيس ترمب خلال القمة لأنه «اختار الحوار (مع روسيا) عوض المواجهة»، موضحاً أن ذلك لا يعني عدم وجود اختلافات في وجهات النظر، وتحدث هنا عن «انسحاب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني. الأميركيون يعرفون موقفنا»، مشدداً على أن الاتفاق النووي نجح في تأمين «أن يكون البرنامج النووي الإيراني سلمياً»، مدافعاً عن الاستمرار في العمل به.
وكرر الرئيس الروسي في حديثه التمسك بالعمل على حل الأزمة الأوكرانية من خلال اتفاق مينسك. ثم تحدث عن مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، قائلاً إنه كرر للرئيس ترمب ما قاله سابقاً، وهو أن «روسيا لم تتدخل، ولن تتدخل، في الشؤون الداخلية الأميركية، وإذا كان هناك (أدلة) فيمكن أن نتعاون في شأنها»، مشيراً مثلاً إلى أن ذلك يمكن أن يتم من خلال لجنة التعاون في الأمن السيبراني، في إشارة إلى أن هذه اللجنة يمكن أن تحدد من اخترق حسابات الحزب الديمقراطي، ووزع مراسلاته الإلكترونية قبل الانتخابات». وختم كلامه بالقول إن ما تحقق اليوم كان «خطوة أولى في مسار حل» القضايا الخلافية بين البلدين.
أما ترمب، فقال إنه عرض على بوتين «الحوار عوض المواجهة»، مضيفاً أنهما ناقشا المجالات الممكن التعاون فيها بحثاً «عن مصالحنا المشتركة». ولفت إلى أن الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفياتي السابق) «قاتلا جنباً إلى جنب في الحرب العالمية الثانية. وحتى في الحرب الباردة، كان هناك تعاون. علاقتنا الحالية هي الأسوأ إطلاقاً، ولكن منذ 4 ساعات، تغيّر هذا الوضع»، في إشارة إلى أن محادثاته مع بوتين التي دامت 4 ساعات (بينها ساعتان على انفراد) فتحت المجال أمام إطلاق علاقات تعاون من جديد.
وقال إنه لا يستطيع أخذ قرارات في شأن العلاقات الدولية لمجرد أرضاء «الإعلام أو الديمقراطيين» المعارضين لسياسة الانفتاح على روسيا، وأضاف أنه يفضل أخذ «مخاطرة سياسية من أجل السلام»، وتابع أنه أثار مع بوتين قضية التدخل الروسي في الانتخابات، وإن سمع منه نفياً لذلك.
واستطرد أنهما ناقشا الإرهاب الإسلاموي المتشدد، مشيراً إلى أن هذا النوع من الإرهاب «يطال بلدينا»، وقال: «اتفقنا على أن تتعاون أجهزة استخباراتنا في هذا المجال»، مذكراً بأن الاستخبارات الأميركية ساعدت الروس العام الماضي في إحباط مؤامرة إرهابية في سان بطرسبرغ.
وبعدما قال إنهما ناقشا الموضوع الإيراني، أضاف أن «سوريا مشكلة معقدة»، ستتعاون أميركا وروسيا في شأن إيجاد حل لها، لكنه أضاف: «لن نسمح لإيران بأن تستفيد من حملتنا الناجحة ضد داعش (في سوريا). نكاد أن ننهي داعش كلياً الآن»، وتابع أن «لقاء اليوم هو بداية لعملية أطول».
ورداً على سؤال عن تحميله الولايات المتحدة مسؤولية تدهور الأوضاع مع روسيا «نتيجة الغباء الأميركي»، قال إنه يحمل الطرفين الروسي والأميركي مسؤولية ما حصل.
وفي الشأن الأميركي الداخلي، ساند الرئيس الأميركي نظيره الروسي، على خلفية اتهامات موسكو بالتدخل في الانتخابات الأميركية، وشدد على نفي بوتين «بشدة» أي تدخل. وقال ترمب: «لدي ثقة كبيرة في الاستخبارات الأميركية، لكنني أقول لكم إن الرئيس بوتين كان شديداً وقوياً في نفيه اليوم، وقدم عرضاً لا يصدق». كما انتقد ترمب التحقيق الذي يقوده المحقق الخاص روبرت مولر في ادعاءات التدخل الروسي، واعتبره «كارثة (...) لها عواقب سلبية على علاقات أول دولتين نوويتين في العالم»، وأضاف: «ليس هناك تآمر (...) الجميع يعلم. لقد قمنا بحملة انتخابية مميزة؛ لهذا السبب أنا رئيس».
من جهته، قال بوتين إن «هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يعود إلى 1999، حول المساعدة في القضايا الإجرامية، ولا يزال سارياً. في هذا الإطار (النيابة الأميركية) يمكنها رفع طلب لاستجواب هؤلاء الأشخاص المشتبه بهم».
وتشتبه الاستخبارات الأميركية بأن بوتين كان وراء حملة قرصنة ودعاية للتدخل في الانتخابات الأميركية في 2016 من أجل ترجيح فوز ترمب.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.