لافروف وبولتون ناقشا ملف الجنوب السوري «خلف أبواب مغلقة»

موسكو نفت انسحابها من اتفاق «خفض التصعيد»

TT

لافروف وبولتون ناقشا ملف الجنوب السوري «خلف أبواب مغلقة»

تكتمت موسكو على نتائج جلسة محادثات مطوّلة أجراها وزير الخارجية سيرغي لافروف، أمس، مع مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جون بولتون، وركزت -وفقاً لتسريبات- على الملفات الخلافية العالقة بين البلدين. وشغل ملف تطورات الوضع في الجنوب السوري حيزاً مهماً منها، وسط تكهنات باقتراب الطرفين من التوصل إلى اتفاق على ترتيبات الوضع في المنطقة بعد انتهاء العمليات العسكرية الجارية فيها.
وخلافاً لعادتها في مثل هذه اللقاءات، تجنبت الخارجية الروسية أيّ حديث مع الصحافيين بعد لقاء لافروف وبولتون، اللذين انتقلا مباشرةً إلى الكرملين للقاء الرئيس فلاديمير بوتين. وكان لافتاً أن بوتين تعمّد خلال استهلاله المحادثات الإشارة بشكل عابر إلى الخلافات بين الطرفين من دون أن يتوقف عند الملفات المعقدة، التي جرت مناقشتها في الشق المغلق من اللقاء. وقال بوتين خلال استقباله بولتون، إن علاقات موسكو وواشنطن «ليست في أحسن حال نتيجة للصراع السياسي داخل الولايات المتحدة».
مشدداً على أن موسكو «لم تسعَ أبداً إلى المواجهة مع واشنطن، واقترح مناقشة سبل تطبيع العلاقات بين البلدين». معرباً عن الأمل في وضع الخطوات الأولى لتحسين العلاقات. وأعرب بولتون بدوره عن أمل مماثل، مضيفاً أن الرئيس دونالد ترمب «ملتزم بهدف الحفاظ على الاستقرار في العالم».
وفي حين تركزت الأنظار على الملفات الثنائية المعقدة وآفاق ترتيب قمة روسية أميركية يُنتظر أن تنعقد في هلنسكي الشهر المقبل، في مسعى لإطلاق صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، فإن مصادر مطلعة قريبة من الخارجية أفادت بأن الموضوع السوري كان حاضراً بقوة خلال اللقاء مع لافروف، وأن الطرفين بحثا «آليات مشتركة للحفاظ على استقرار الوضع في المنطقة بعد انتهاء العمليات العسكرية فيها». ولمحت إلى «تفاهم على أطر عامة لتجديد اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية، تأخذ في الاعتبار مستجدات الموقف فيها».
وتزامنت محادثات بولتون في موسكو مع قيام وزارة الدفاع الروسية بنفي صحة معطيات تحدثت، أول من أمس، عن انسحاب روسيا من اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية في سوريا. وأفاد بيان الوزارة بأن «المزاعم التي نُسبت إلى صفحة زائفة في شبكات التواصل الاجتماعي تحمل اسم (قاعدة حميميم) عن انسحاب روسيا من اتفاقية منطقة خفض التصعيد جنوب سوريا، مناقضة للواقع ولا أساس لها».
وأوضح أن قاعدة حميميم الروسية في سوريا «لا تملك مواقع أو صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن كل المعلومات المتعلقة بعمل القوات الروسية في سوريا «لا يجري الإعلان عنها إلا عبر ممثلين عن وزارة الدفاع ومصادرها الإلكترونية الرسمية فقط». وكانت وسائل إعلام تركية قد نقلت عن صفحة إلكترونية تحمل اسم القاعدة الروسية أن روسيا تعد اتفاق خفض التصعيد في الجنوب لاغياً، وأشارت في الوقت ذاته إلى سريان مفعول اتفاق مماثل في منطقة إدلب.
وأثارت الأنباء ارتباكاً حول الموقف الروسي، علماً بأن الاتفاق تم التوصل إليه العام الماضي بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، و«لا يمكن لروسيا أن تعلن تقويضه منفردة» وفقاً لتعليق متحدث عسكري روسي.
وتنتظر موسكو بعد محادثات لافروف وبولتون، زيارة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي ينتظر أن يركز خلالها على الوضع في الجنوب السوري، علماً بأن الأردن كان قد أبلغ روسيا في وقت سابق بأنه لن يسمح بتكرار موجات اللجوء عبر المنطقة الحدودية في حال اندلعت عمليات عسكرية واسعة النطاق في الجنوب السوري. وقالت مصادر روسية لـ«الشرق الأوسط»، إن موسكو تسعى إلى تسريع جهود التوصل إلى تفاهمات كاملة مع واشنطن وعمّان على ترتيبات الوضع في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، وأنها تأخذ بالاعتبار المصالح الأمنية والوطنية للأردن.
على صعيد آخر، جددت روسيا في ختام رئاستها لمجلس الأمن الدولي، دعوتها للأطراف المعنية لضرورة بناء هيكلية أمنية جديدة في الشرق الأوسط، في إطار مبادرات روسية سابقة في هذا الاتجاه.
وقالت الخارجية الروسية، في بيان، إن مجلس الأمن عقد بمبادرة روسية، جلسة تحت عنوان «الاستعراض الشامل للأوضاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، بهدف وضع مقاربات مشتركة للمجتمع الدولي لتسوية النزاعات في المنطقة بالطرق السياسية والدبلوماسية.
وأضافت أن سيرغي فيرشينين المندوب الروسي للجلسة ونائب وزير الخارجية، ركز في كلمته على ضرورة تشكيل هيكلية السلام والأمن في الشرق الأوسط باستخدام الطاقات الخلاقة للمبادرات الروسية المطروحة، وتطرق إلى عدم وجود بديل عن تسوية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وشدد على أهمية الحفاظ على اتفاق إيران النووي كونه آلية فريدة لمنع الانتشار النووي.
وأضافت أن الجانب الروسي أطلع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على الجهود التي تبذلها روسيا وغيرها من ضامني عملية آستانة لحل الأزمة السورية، مشيراً إلى أولوية العمل المشترك في مجال مكافحة الإرهاب وإعادة إعمار مناطق سوريا المحررة.
ميدانياً، نقلت قناة «آر تي» التلفزيونية الروسية، عن مصادر في الجيش وفصائل المعارضة، أن عملية درعا ستكون وفق محاور في الجزء الشرقي للمحافظة وصولاً إلى كماشة مشابهة لما حصل في الغوطة. وأشارت المصادر إلى تشابه بين العمليتين في طريقة التمهيد والقصف. وأكدت المصادر أن الجيش سيعمل لفصل منطقة اللجاة إلى مناطق وقضمها تباعاً، وهو ما يسهل المهمة خصوصاً لصعوبة المنطقة عسكرياً بالنظر إلى وعورتها وضيق تضاريسها.
ووفقاً للمصادر فإن العملية العسكرية بدأت بمحور ينطلق من الحراك وصولاً إلى المسيفرة والسهوة، وقرى بصرى الحرير ومليحة العطش والمليحة الغربية والمليحة الشرقية، وتمكنت القوات المهاجمة من إعادة فتح طريق إزرع - السويداء، مشيرة إلى أن الأولوية في الفترة المقبلة ستكون معبر «نصيب» مع الأردن، والهجوم سيكون من 3 محاور: الأول من مركز درعا، والثاني من إزرع، والثالث من بصرى الشام.
وللبدء بالعملية سيسعى الجيش السوري إلى محاولة سريعة للسيطرة على 3 أحياء داخل مدينة درعا هي: درعا البلد، وطريق السد، والمخيم، وستكون المدينة نقطة تجمع وغرفة عمليات تشرف على الأعمال القتالية. وترى مصادر في فصائل المعارضة أن العقدة الأساسية تتمثل في المناطق الغربية مثل كفرشمس والحارة وهجة، وهذا يعتمد على وجود اتفاق إقليمي بما فيه إسرائيل للقيام بعملية في تلك المنطقة وعودة كاملة لنقاط الجيش على الحدود مع إسرائيل.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.