العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

«الشرق الأوسط» تنشر ثلاث قراءات أميركية وروسية وأوروبية

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
TT

العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)

تزامن انعقاد قمة «السبع الكبار» في كيبيك الكندية مع قمة «منظمة شنغهاي» في مدينة تشينغداو الصينية الأسبوع الماضي وما جرى فيهما، قد يكون مؤشرا للمرحلة الجديدة التي دخل فيها العالم والقوى الكبرى.
وخيمت على قمة كيبك الخلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحلفائه الآخرين حول أمور كثيرة بينها دعوته إلى إعادة روسيا إلى نادي الكبار ومسائل المناخ والعلاقات التجارية، إضافة إلى الموقف من الاتفاق النووي الإيراني.
في المقابل، نوه الرئيس الصيني شي جينبينغ في قمة «منظمة شنغهاي» بالتعاون والمستقبل الواعد و«وحدة دول التكتل» الذي يضم روسيا وأربع جمهوريات سوفياتية سابقة وعضوين جديدين هما باكستان والهند. كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الإيراني حسن روحاني على هامش القمة وعبر له عن دعمه لانضمام طهران إلى المنظمة.
«الشرق الأوسط» سألت السفير الأميركي الأسبق في سوريا والجزائر روبرت فورد والسفير الفرنسي الأسبق في دمشق ميشال دوكلو ورئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية فيتالي نعومكين عن رأيهم بقمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي». وهنا آراؤهم:
> هل نتفاءل بقمة ترمب ـ كيم؟
روبرت فورد

شهد الثلاثاء الماضي العرض السياسي الكبير المتمثل في اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون في سنغافورة. وقبل عام كامل، كان الزعيمان الأميركي والكوري الشمالي يهددان بشن الحرب النووية كلاهما ضد الآخر. والآن يجتمعان ويبتسمان ويتصافحان ويتحادثان لساعات. لقد شهدنا للتو قمة الدول الغربية الكبرى في كندا التي كان من المفترض أن يسهل خروجها عن الأطوار. فماذا حدث في القمة الأكثر صعوبة بين الرئيس ترمب والرئيس كيم؟
تملك الولايات المتحدة بالفعل خبرة ممتدة وسجلا طويلا من التفاوض غير المجدي وغير المثمر مع كوريا الشمالية. وطرح السفير الأميركي الأسبق لدى روسيا مايكل ماكفول المقرب من الرئيس السابق باراك أوباما، سؤالا على حسابه في «تويتر» قال فيه: «كيف يتسنى لترمب التوصل إلى اتفاق بشأن الأسلحة النووية في كوريا الشمالية إن كان لا يستطيع مجرد التفاوض على صفقة بسيطة بشأن تجارة منتجات الألبان مع أصدقائنا في كندا؟».
بيد أن اجتماع القمة في سنغافورة لا علاقة له بالاتفاق النهائي بين واشنطن وبيونغ يانغ على أي حال. وصرح الرئيس الأميركي بأنه لم يتجهز بدرجة كبيرة لهذا الاجتماع. وبعض من الرؤساء الآخرين الذين عرفتهم كانوا يحملون مجلدات ضخمة مليئة بالمستندات الكثيرة ذات التفاصيل المعقدة، غير أن السيد دونالد ترمب غير مولع بالتفاصيل الصغيرة. وبالنسبة له، فإن اجتماع القمة يتعلق بعلاقته الشخصية مع زعيم كوريا الشمالية. وصرح الرئيس ترمب لوسائل الإعلام الأميركية بأنه يعمل بشكل رئيسي عن طريق حدسه وغريزته. وقال أيضا إنه سيدرك في غضون 5 دقائق من بدء الاجتماع ما إذا كان يمكن إبرام الاتفاق النهائي مع كيم من عدمه. وتحليله الأخير الموجه إلى الشعب الأميركي لخصه في عبارة: «سوف نرى ما سوف تسفر عنه الأمور».
فإن كان تقييم الاجتماعات الأميركية - الكورية الشمالية أنها جيدة، فسنشهد إطلاق عملية طويلة من المفاوضات بين الجانبين. والبدء في عملية التفاوض هذه من الخطوات الجيدة، نظرا لأن تواصل المفاوضات واستمرار الاتصالات بين الخبراء والدبلوماسيين من شأنهما أن يسفرا عن انخفاض حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية.
يخشى رئيس كوريا الشمالية أن تشن الولايات المتحدة هجوما ضد نظامه. ومن شأن الضمانات الأمنية التي يريدها كيم أن تتسق مع معاهدة السلام المنشودة، ولكن ما الذي تعنيه عبارتا «معاهدة السلام» و«الضمانات الأمنية» على الحقيقة. بالنسبة إلى الجانب الأميركي، فإن «معاهدة السلام» ستحل محل اتفاق الهدنة الموقع عليه في عام 1953 والذي توقفت بموجبه الحرب الكورية. وتعتقد كوريا الشمالية أن معاهدة السلام تعني رحيل كل القوات الأميركية عن كوريا الجنوبية. كما ترغب كوريا الشمالية أيضا في سحب القوات النووية الأميركية المنتشرة في آسيا، والتي يمكنها توجيه الضربات الانتقامية ضد بيونغ يانغ في حال شنها الهجوم أولا. فهل تعدّ كوريا الجنوبية، واليابان، والولايات المتحدة الأميركية على استعداد لذلك؟ وما الدور الصيني في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المتوقعة في شبه الجزيرة الكورية؟
يريد الأميركيون القضاء النهائي والتام على الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، بالإضافة إلى إقامة نظام قوي من التفتيش والتحقق داخل كوريا الشمالية. فهل من شأن ذلك أن يتضمن الصواريخ الباليستية؛ حيث أعلنت واشنطن من قبل أن اتفاقية الأسلحة النووية مع إيران يجب أن تشمل برنامج الصواريخ الإيراني كذلك؟ وهل كوريا الشمالية على استعداد لتدمير ترسانتها الوطنية كافة من الصواريخ الباليستية وقبول عمليات التفتيش الدولية المفاجئة، من دون إنذار مسبق، على أي موقع وفي أي وقت؟ وهل سوف تقبل كوريا الشمالية بشروط الإدارة الأميركية التي رفضتها إيران من قبل؟
ولعل الأمر الجدير بالاهتمام إن كانت هناك مفاوضات مستقبلية بين الجانبين هو: من سيكون مسؤولاً عن تقديم أول التنازلات؟ وهل ستقبل كوريا الشمالية، من حيث المبدأ، الإزالة الكاملة لبرنامج الأسلحة النووية، واتخاذ بعض الخطوات الأولية الصغيرة والملموسة على هذا المسار، أم ستصر على أن يتقدم الجانب الأميركي أولا بالتنازلات واتخاذ الخطوات الجادة في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المنشودة؟ تلك نوعية التفاصيل المدرجة في سجلات الإحاطة السياسية التي لم يقرأها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتلك هي التفاصيل التي سوف يتعين على الولايات المتحدة وكوريا الشمالية التعامل معها وتلمس شتى السبل لحلها وتسويتها.
عندما كنت دبلوماسياً شاباً في أول حياتي المهنية عام 1986، التقى الرئيس الراحل رونالد ريغان مع زعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. وقد تم ترتيب تلك القمة في عجالة لأجل مناقشة ملف الأسلحة النووية ونزع السلاح. ولم يكن الرئيس ريغان، كمثل الرئيس ترمب، مولعا بالتفاصيل، وقبل وصوله إلى آيسلندا لم تكن هناك ترتيبات مسبقة بين المفاوضين الأميركيين والروس، وكان هناك يومان من المباحثات المكثفة والمضنية والشاقة بين الزعيمين ريغان وغورباتشوف. وانتهت أعمال القمة من دون التوصل لأي اتفاق، وألقى كل من ريغان وغورباتشوف بلائمة الفشل في ذلك كلاهما على الآخر.
لكن التاريخ يقول إن قمة ريكيافيك، في خاتمة المطاف، لم تكن فشلا بالمعنى المعروف. بدلا من ذلك، طور كل من ريغان وغورباتشوف نوعا من العلاقات الشخصية؛ فلقد تحدث كل منهما مع نظيره بكل صراحة وانفتاح ووضوح. واكتشاف أنهما يرغبان فعلا في الحد من الأسلحة النووية حتى وإن لم يتفق المفاوضون من الجانبين على التفاصيل. وفي عامي 1987 و1991 وقعت واشنطن وموسكو على اتفاقيات مهمة للغاية بشأن الأسلحة النووية كان الفضل الأول فيها يرجع إلى قمة ريكيافيك.
الرئيس دونالد ترمب ليس هو الرئيس رونالد ريغان بطبيعة الحال. ولم تكن قمة مجموعة السبع في كندا لتسفر عما أسفرت عنه يوم الأحد الماضي، كما حدث، إن كان الرئيس الأميركي الحالي هو رونالد ريغان. غير أن الرئيس ترمب يشعر بسعادة بالغة لأن يكون هو، بشخصه، مركز الجاذبية في المسرح السياسي؛ حيث ينظر إلى نفسه نظرة القائد العظيم. وسنرى ما سيحدث.
- السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> يا لها من أيام سعيدة لبوتين
ميشال دوكلو

يا لها من أيام سعيدة لفلاديمير بوتين، أيام سعيدة بالتأكيد: في كيبيك، عكست قمة مجموعة السبع صورة واضحة ومثيرة للذهول عن ازدراء الرئيس ترمب لأقرب حلفاء الولايات المتحدة، كما عكست حدة الانقسامات العميقة التي باتت جلية الآن داخل المعسكر الغربي. كيف لا يتعارض ذلك مع السلاسة التي شهدتها قمة شنغهاي للتعاون؟ وكيف يمكن للسيد بوتين، في سياق الصداقة الجديدة المثيرة للدهشة بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي، ألا يتوقع المزيد من التطورات الجيدة التي تصب في صالحه، والناجمة عن البيت الأبيض؟
قبل مغادرته إلى كندا للانضمام إلى زعماء أكثر دول العالم تقدماً في الاقتصاد، أعلن الرئيس ترمب أنه على الرغم من اللياقة السياسية، فإنه يعتقد أنه تنبغي دعوة الرئيس الروسي مرة أخرى إلى ما كان عليه اسم المجموعة من قبل «مجموعة الثماني».
وأثارت هذه التصريحات غضب نظرائه الذي يتذكرون أن روسيا قد خرجت من تلك المجموعة ليس بسبب الصواب السياسي، ولكن في أعقاب غزوها لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم إلى سيادتها.
وعلاوة على ذلك، روسيا ليست بالاقتصاد الموجَّه نحو الأسواق في واقع الأمر، وهي ليست بالاقتصاد الكبير، وليست بالتأكيد من الدول الديمقراطية. وبالنسبة للقضايا الجوهرية في القمة، فإن الأعمال التحضيرية المعتادة جرت بطريقة عسيرة للغاية. واستحدث وزير المالية الفرنسي برونو لومير اصطلاحاً جديداً هو «مجموعة الست زائد واحد»، في إشارة إلى الثغرة الواضحة بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الأعضاء الآخرين (كندا، وإيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، واليابان، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي).
ومع ذلك، تم الوصول إلى بعض الصياغات التوافقية، على مضض كبير، للتأكيد على أهمية نظام التجارة الدولية القائمة على القواعد.
وصل الرئيس دونالد ترمب متأخراً إلى القمة، وغادر مبكراً للغاية، ومِن على متن الطائرة التي كانت تقله إلى سنغافورة (لحضور القمة مع الرئيس كيم)، تنكَّر تماماً للإعلان المشترك الذي كان قد أيده قبل دقائق معدودة. كما أعرب عن غضبه الشخصي من رئيس الوزراء الكندي، الذي ترأس أعمال القمة، وهدد بفرض الرسوم الجمركية الجديدة على كندا.
وفي الأثناء ذاتها، عقدت الصين، وروسيا، وباكستان، والهند، وأربع دول مركزية في آسيا، الاجتماع السنوي لمنظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تقع بجنوب الصين. وكان ضيف الشرف على أعمال القمة هو الرئيس الإيراني حسن روحاني. وأدرجت التعهدات بزيادة التعاون الاقتصادي في بيان مشترك لم يتراجع عنه أحد. وأعلنت الصين وغيرها من الدول عن التزامها بالدفاع عن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، في إشارة مفعمة بالتحدي ضد الولايات المتحدة الأميركية. وانتهز الرئيس الصيني الفرصة للتأكيد على دعم بلاده للاقتصاد المفتوح، ومنظمة التجارة الدولية. واستغل الرئيس الروسي الفرصة للتباهي بأنه لم يكن مهتماً فعلاً بالعودة إلى مجموعة الثماني، إن كان سوف يتم إعادة هيكلة هذه المجموعة، إذ إن منظمة شنغهاي للتعاون تحمل في الواقع ثقلاً اقتصادياً كبيراً (وهو الأمر غير الدقيق)، وأن التجمع الدولي الأهم هو مجموعة العشرين.
ومن المهم في هذا السياق أن نضع كلمات السيد بوتين في سياقها الصحيح. في واقع الأمر، ومن دون التقليل من أهمية منظمة شنغهاي للتعاون، فإن هذه المنظمة مكرَّسة بالأساس لإدارة الاختلافات وحالات التنافس المحتملة بين الدول الأعضاء في أواسط آسيا. ومع ذلك، فإن حقيقة تمكُّنِها من التوسع وضم الهند وباكستان إلى عضويتها تُعد من النجاحات الكبيرة. وطالما كانت روسيا حريصة على العثور على المجموعة القادرة على تجسيد العالم متعدد الأقطاب. وكانت الدبلوماسية الروسية جوهرية في تسهيل إضفاء الطابع المؤسسي على الاجتماع السنوي لدول «البريكس». ولبضع سنوات، شكلت هذه المجموعة تحدياً حقيقياً لمجموعة السبع المتمركزة حول الأطلسي (التي تمثل اليابان فيها الدولة غير المنتمية للعالم الغربي). وصار نجم مجموعة «البريكس» أقل سطوعاً عن ذي قبل، نظراً للأداء الاقتصادي الضعيف لبعض الدول الأعضاء، والأزمات السياسية في البرازيل وفي جنوب أفريقيا إلى حد ما. وصحيح أن صعود منظمة شنغهاي للتعاون، في السياق ذاته، يظهر بشكل خاص في الوقت المناسب.
كانت هذه الملاحظات تتعلق بالأعمال المسرحية للقمة الأخيرة. ودعونا نحاول المضي قدماً قليلاً. أولاً، إذا كان ترمب يريد فعلاً إنهاء مجموعة السبع، وليس المجموعة نفسها وإنما السياسات التي تتمخض عن هذه المجموعة (أو ما يُسمَّى بالنظام الليبرالي الدولي)، فإننا سنعيش في عالم مختلف تماماً. ولاحظ معلقون آخرون بالفعل أن «مجموعة السبع ناقص واحد» تتساوى في واقع الأمر مع المنظمة الدولية التي لا تحظى بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، وبالتالي يبقى هناك القليل للغاية مما يمكن لمجموعة الست أن تفعله في حماية وتعزيز التعاون الدولي.
وهنا، قد يقع خلاف ما بين الصين وروسيا: في المقام الأول، روسيا على استعداد لتقويض النظام الدولي مثل الذي أقامه الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى العكس من ذلك، يمكن للصين التظاهر بأن تكون القوة العظمى المهيمنة التالية في هذا النظام، ولديها المزيد من المصالح والاهتمامات للعمل ضمن هذا النظام بدلاً من تقويضه.
ثانياً، من المرجَّح تماماً الآن أن يستمر ويزيد الصدع القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها - وحلفاء الأطلسي على الأقل الآن. وتميزت الشهور الأولى للإدارة الأميركية الجديدة تحت ظل ترمب بالخلافات حيث كانت واشنطن تنأى بنفسها جانباً عن حلفائها التقليديين - بشأن اتفاقية باريس للتغيرات المناخية بصورة خاصة - وتوجيه الانتقادات المستمرة إليهم - بشأن إسهاماتهم في الدفاع المشترك على سبيل المثال.
وبلغت واشنطن مستوى جديداً من الخلاف اتخذت فيه إجراءات لممارسة المزيد من الضغوط على الحلفاء، إن لم يكن لمعاقبتهم: وهذا هو الحال بالنسبة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث يتعين على الجانب الأوروبي دعم أعباء إعادة فرض العقوبات ضد إيران، وبالطبع مواجهة حرب الرسوم الجمركية التي شنَّتها إدارة الرئيس ترمب. وفي هذا السياق الجديد، ازداد تدهور العلاقات، المتضررة بالفعل، مع ألمانيا، في حين دخلت العلاقات مع فرنسا والمملكة المتحدة إلى منطقة خطرة. وهناك مجازفة كبيرة بأن تطغى هذه المشاعر المسمومة على جوهر العلاقات عبر الأطلسي، وعلى تحالف الأطلسي ذاته.
ومن شأن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن تُعقَد في بروكسل في الفترة بين 11 و12 يوليو (تموز) المقبل، ولا يجرؤ أحد على تصور قمة بمثل كارثية قمة مجموعة السبع الأخيرة، ولكن في واقع الأمر، من الممكن للغاية أن تحقق الأحلام السعيدة للقيادة الروسية.
ثالثاً، أحد الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة هو أن السيد ترمب يبدو أنه قد عثر على أسلوبه الخاص في الدبلوماسية: فهو يقول ما يريد، ولا يحترم الحكم التقليدية أو المحرمات، ويشعر بحرية مطلقة في تغيير آرائه وقتما يشاء وبسرعة فائقة، وهو يثمن الخصوم التقليديين بأكثر من تقديره للحلفاء القدامى، ويثق كثيراً في حدسه وغريزته أكثر من ثقته في أي شيء آخر، وهو على استعداد للانخراط في مؤتمرات القمة الشخصية إثر تجهيز وإعداد وجيز للغاية على أساس أنه سوف يعرف أفضل من أي شخص آخر إن كان يمكن الثقة في الزعيم الأجنبي، حتى الديكتاتور المستبد كيم جونغ أون، من عدمه.
والآن، وحيث إننا نتعامل مع دونالد ترمب غير المقيَّد، فمن غير المتصور أن الرئيس الأميركي، بعد قمة «حلف الناتو» الفاشلة، وزيارة العاصمة لندن التي تستلزم فنجاناً من الشاي مع جلالة الملكة، يقرر على نحو مفاجئ الذهاب إلى حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في موسكو، ويعقد لقاءً كبيراً مع الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين.
وهذا مجرد سيناريو تصوري قد لا يتحول أبداً إلى واقع، ولكن حقيقة أنه في عالم الممكن يظهر المدى الذي ينضبط فيه المشهد الدولي بشكل كبير. وفي مثل هذا السيناريو، ينبغي على دونالد ترمب أن يعارض النفور الكلي للحزب الجمهوري والطبقة السياسية الأميركية من السياسات الحالية للقيادة الروسية. وصحيح أيضاً أنه من شأن هذه الخطوة أن تشكل طريقة شديدة الغرابة للتعامل مع الشكوك التي جسدها تساؤل موللر حول حملة ترمب الانتخابية وضلوع روسيا في مجرياتها. ولكن بعد كل شيء، مَن يدري كيف يكون رد فعل القاعدة الانتخابية للرئيس الأميركي؟ كذلك، أليس هذا هو العامل الوحيد المهم بالنسبة للسيد ترمب؟
على أية حال، في ظل قمة حلف الناتو المعقدة أم لا، ومع زيارة ترمب إلى موسكو من عدمها، فإن حلفاء الولايات المتحدة يواجهون معضلة شديدة القسوة، إثر فشل قمة مجموعة السبع الأخيرة: من ناحية، إن امتثلوا لمطالب ترمب وأذعنوا لتذمره الشديد، فإن يساهمون تلقائياً في إضعاف النظام الذي أكد سيطرة الغرب على النظام الدولي حتى اليوم، وربما هم يحفزون الرئيس الأميركي على ممارسة المزيد من الضغوط رغماً عن مصالحهم، بالنسبة للقضايا التجارية على سبيل المثال.
ومن ناحية أخرى، إن تخيروا الاتحاد فيما بينهم ومقاومة إرادة البيت الأبيض، فإنهم بالتالي يساهمون في تعميق الانقسام الذي يعاني منه الغرب. وعلى أي حال، ومرة أخرى، إنه الوقت المناسب للرئيس فلاديمير بوتين. ويا له من وقت مناسب حيث قد يتناسى أنه في خاتمة المطاف سوف يصب إضعاف الغرب في صالح الصين بصورة أساسية حسن النيات الذي سوف تعتمد روسيا عليه أكثر فأكثر.
- السفير الفرنسي الأسبق في سوريا
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> قمتان وسياستان... ورئيسان
فيتالي نعومكين

تزامُن قمة مجموعة السبع مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان رمزياً. ليس هناك ما يثير الاستغراب بأن يكون للقاء قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون معنى خاص بالنسبة لروسيا التي لا تزال تحت تأثير الضغط المتنامي من قبل دول الغرب.
لأول مرة تعقد هذه القمة بتشكيلتها الموسعة بمشاركة الهند وباكستان بصفتهما عضوين كاملَيْ الصلاحية في المنظمة. نتائج قمة «تشينغداو» استُقبِلت بحماس؛ فهي فاقت كل التوقعات رغم الإدراك تماماً في موسكو وجود مشكلات جدية بين بعض أعضاء المنظمة تفرق فيما بينهم وليس لدى أحد وَهْم بإمكانية حلها بسرعة. فهي بالدرجة الأولى تمس العضوين الجديدين في المنظمة.
أما نتائج القمة الأخرى التي عقدت في كندا فهي من جهة فاجأت بالتشدد الذي أبداه الرئيس دونالد ترمب في دفاعه عن مواقفه بالضغط غير المسبوق على حلفائه المقربين، وكذلك بعدم خوفه من عرض حجم الخلافات الموجودة بين أعضاء هذه المجموعة أمام العالم. في تعليقه على الأزمة في المجتمع العابر للأطلسي كتب الصحافي والمحلل السياسي الروسي المشهور والمقرب من الكرملين فيودور لوكيانوف في مقالته بمجلة «بروفيل»: «من الصعب التذكر متى كان قد تم تحدي الاتحاد الأوروبي بهذا الشكل الصارخ بأن رأيه لا قيمة له».
أما من جهة أخرى، فإن نتائج قمة مجموعة السبع أثارت حفيظة الكرملين، بحسب رد الفعل الرسمي الروسي، ذلك لأن الإعلان المشترك لـ«مجموعة السبع»، وكما يرون هنا، كعادته مبني على الكراهية لروسيا (فلقد تم التوافق على نصه من قبل الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة رغم أن ترمب في نهاية المطاف لم يوقع عليه). مرة أخرى الدعوات لروسيا بـ«وقف التصرفات غير البناءة ونسف الأنظمة الديمقراطية ومساندة النظام في سوريا». مرة أخرى التهديدات بفرض عقوبات جديدة. الشروخ العميقة في التضامن بين أعضاء «مجموعة السبع» لم تمنعهم من تكرار الاتهامات التي لا أساس لها ومن دون أدلة تجاه روسيا بخصوص ضلوعها في محاولة تسميم المواطنين الروسيين في سالزبوري.
رغم أن بعض وسائل الإعلام الروسية المناهضة في توجهاتها للغرب لم تبخل في الكلام عن القمة في كندا بحديثها عن «الفضيحة» التي وقعت، وهنا المقصود مغادرة ترمب للقمة قبل اختتامها و«الانقسام» في المجتمع العابر للأطلسي، وحتى عن احتمال أن تكون هذه القمة هي الأخيرة، فإن رد الفعل الرسمي الروسي كان متزناً ولم يحمل في طياته أي نوع من الشماتة رغم وجود دافع للشعور بذلك.
هنا على ما يبدو ينطلقون من أن واشنطن بشكل أو بآخر ستتمكن من ترويض الأوروبيين ممن لا يتفقون معها حول عدد من القضايا. هذا بدا واضحاً من خلال تصرفات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي بدأ في تغيير موقفه تجاه الصفقة النووية مع إيران. لا تؤخذ هنا في الحسبان تصريحات بعض السياسيين الفرنسيين الحادة مع أن مثل هذا المزاج لا يزال موجوداً.
قبل عدة أيام قال بيار لولوش، الرئيس السابق للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) والمحارب القديم في الحزب الديغولي، في خطابه من على منصة المنتدى الدولي «قراءات بريماكوف» في موسكو: «أنا لا أريد أن أعيش في عالم تملي فيه وزارة المالية للولايات المتحدة على الفرنسيين أين بإمكانهم أن يستثمروا أموالهم وأين لا يمكنهم فعل ذلك». وفي مسائل «الحرب التجارية» فسيضطر الأوروبيون بالإضافة إلى كندا والمكسيك إلى ابتلاع حبة الدواء الأميركية المُرَّة. فالشركات الأوروبية لا تريد أن تواجه العقوبات الأميركية نتيجة مواصلة تعاونها مع إيران (ترمب كان قد استعرض استعداده إلى عدم الاكتراث بآراء حلفائه). فتكلفتها أكبر. حتى إن بعض ممثلي الطبقة السياسية الروسية خلال الأحاديث الخاصة يعبرون عن إعجابهم بقدرة ترمب على الدفاع عن مصالح بلده «أميركا أولاً»، بما فيه باستخدام الأساليب الخشنة في بعض الأحيان، وفي التزامه بما تعهَّد به من وعود خلال حملته الانتخابية، ما عدا تعهداً واحداً: تسوية العلاقات مع روسيا.
جملة ترمب حول الرغبة في عودة روسيا جاءت مفاجئة بعض الشيء. لكن رد فعل موسكو على ذلك كان بارداً للغاية. ذلك أنه في موسكو، أولاً: يدركون تماماً أن هذا لن يحصل في المستقبل القريب، وثانياً: لقد غير الكرملين توجهه إلى صيغ أخرى يراها واعدة وذات أهمية أكبر، وهي بالدرجة الأولى مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي للتعاون.
تقييم موسكو لنتائج قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان إيجابياً للغاية. القمة عُقِدت من دون خلافات. على أقل ما يمكن في تشينغداو لم يغادر أحد القمة قبل اختتامها. أما الوثيقة الختامية (بيان تشينغداو)، فلقد وَقَّع عليها جميع المشاركين. وبشكل عام تم التوقيع على 17 وثيقة حول نتائج المحادثات. في الوقت نفسه، كما قال أحد الصحافيين، فإن المشاركين في القمة حاولوا أن يتفقوا «قبل أن ينتقلوا من الكلام إلى الفعل». على الأغلب هذا كان مهماً بالنسبة للأعضاء الجدد في منظمة شنغهاي للتعاون، من الذين تربطهم علاقات معقدة أي الهند وباكستان.
في هذا السياق أشار المحلل السياسي ديمتري كوسيريف إلى «النشاط الماهر لرئيس الوزراء الهندي مودي في بناء علاقات متكافئة مع جميع مراكز القوى في العالم». اللقاءات الثنائية بين القادة على هامش القمة هي أيضاً كانت ذات أهمية، خصوصاً اللقاء بين الرئيس بوتين والرئيس شي جينبينغ. لقد تم توقيع عدد غير مسبوق من الاتفاقيات والعقود بين روسيا والصين بما في ذلك في مجال الطاقة النووية. الرئيس بوتين وعد، خلال حديثه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، بمساندته «في سعيه للتعاون في إطار منظمة شنغهاي».
في موسكو كالعادة يولون الاهتمام الأكبر لتصريحات الرئيس الصيني. رغم أن شي جينبينغ دائماً لبق وحذر في أقواله، عندما يتحدث عن الولايات المتحدة، فلقد كان واضحاً مَن يقصد حين قال: «رغم أن الهيمنة وسياسة القوة لا تزالان تجدان مكاناً لهما في العالم المعاصر، فإن دعوتي إلى نظام عالمي عقلاني وعادل تجذب الاهتمام».
وتحدث أيضاً عن القوى الهدامة في العالم قاصداً فيها بعض الدول من تلك التي وقعت على البيان الختامي لقمة «مجموعة السبع»، وليس تلك الدول التي تحدث عنها هذا البيان.
الرئيس الروسي أولى اهتماماً خاصاً بالمشروع الجديد الذي يتم تحضيره من قبل موسكو وبكين - الشراكة الاقتصادية الأوروآسيوية، التي، وكما أكد الرئيس بوتين «ستكون منفتحة لانضمام جميع دول منظمة شنغهاي». لا تزال تفاصيل هذا المشروع غير معلنة. لكن ما هو معروف أنه في إطار الاتحاد المصرفي للمنظمة ستطلق الصين برنامج اقتراض لهذا الغرض بـ30 مليار يوان (4.7 مليار دولار).
من بين فقرات البيان الختامي التي حازت على اهتمام كبير في روسيا هي تلك التي تتحدث عن التغيرات الخطيرة في الهيكلة العالمية، عن ازدياد عوامل عدم الاستقرار والضبابية في مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، وعن تحديات التجارة العالمية من جهة الحمائية ونمو مخاطر تفاقم الأزمات الإقليمية، وعن نمو خطر التهديدات الإرهابية والتداول غير الشرعي للمخدرات والجريمة المنظمة... إلخ. لقد برز مصطلح جديد (روح شنغهاي)، الذي كان مخالفاً تماماً لتلك الأجواء التي خيمت على لقاء «مجموعة السبع».
فما هو المقصود بهذا المصطلح أو هذه الروح؟ هي «الثقة المتبادلة والمساواة والمنفعة المتبادلة والمساواة في الحقوق والمشاورات المتبادلة، واحترام التنوع الثقافي والسعي للتطور المشترك».
إجماع المشاركين على الدعوة لزيادة الكفاح ضد الإرهاب والفساد وتداول المخدرات والتمسك بالحرص على الفضاء السلمي وعدم انتشار الأسلحة النووية والتسوية السريعة للأزمات في أفغانستان وسوريا وشبه الجزيرة الكورية، حمل أهمية خاصة بالنسبة لموسكو. وتمت أيضاً الإشارة إلى أهمية تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني. من الممكن أن الإجماع حول هذه المشكلة الأخيرة لن يرضي جميع اللاعبين الفاعلين.
أظهرت القمة نمو دور «صيغة شنغهاي» في السياسة العالمية والنظام الاقتصادي. فليس من الضروري وضعها في مواجهة مباشرة أمام الصيغ الأخرى أو أن ينظر إلى مشاريعها الطموحة (التي لا تزال مشاريع) كتحدٍّ موجَّه من قبل المحركين الأساسيين فيها (الصين وروسيا) ضد اللاعبين الدوليين الأكثر نفوذاً. لكن مما لا شك فيه هو أن هذه المنظمة ستستمر في تأثيرها في عملية تشكيل نظام عالمي جديد بصورة صحيحة.
- رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية - موسكو
خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.