قمة «تطبيع العلاقات» تنتهي بالتزام كوريا الشمالية نزع «النووي»

ترحيب دولي باتفاق ترمب وكيم... وشكوك حول مصداقية بيونغ يانغ

قمة «تطبيع العلاقات» تنتهي بالتزام كوريا الشمالية نزع «النووي»
TT

قمة «تطبيع العلاقات» تنتهي بالتزام كوريا الشمالية نزع «النووي»

قمة «تطبيع العلاقات» تنتهي بالتزام كوريا الشمالية نزع «النووي»

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بقمتهما التاريخية التي عقدت، أمس، في سنغافورة باعتبارها اختراقا في العلاقات بين البلدين، لكن الاتفاق الذي توصلا إليه لم يعط الكثير من التفاصيل حول المسألة الأساسية المتعلقة بترسانة بيونغ يانغ النووية.
وشهدت هذه القمة الاستثنائية مصافحة تاريخية بين رئيس أقوى ديمقراطية في العالم ووريث سلالة نظام ديكتاتوري، وقفا جنبا إلى جنب أمام أعلام بلديهما. ووافق كيم على «نزع كامل للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية»، وهي صيغة استندت عليها بيونغ يانغ في السابق لكنها لا تحسم ما إذا كانت ستلبّي المطلب الأميركي الثابت بتخلي كوريا الشمالية عن ترسانتها النووية بشكل «قابل للتحقق ولا عودة عنه».
وفي مؤتمر صحافي بعد قمة «تطبيع العلاقات»، قال ترمب ردا على سؤال حول هذه النقطة: «لقد باشرنا العملية»، مضيفا أنها «ستبدأ سريعا جدا»، وأنه ستكون هناك عملية تحقق تشمل «العديد من الأشخاص»، لكن دون إعطاء جدول أعمال أو تفاصيل ملموسة، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتعهد كيم بموجب الوثيقة بأن «يلتزم بشكل ثابت وحاسم نزع سلاح نووي كامل من شبه الجزيرة الكورية»، والتزم المسؤولان تطبيق الوثيقة «بالكامل» و«قريبا جدا». وقال ترمب في مؤتمره الصحافي بعد القمة إنه سيوقف المناورات الحربية السنوية مع سيول، التي تندد بها بيونغ يانغ وتعتبرها محاكاة لاجتياحها.
وأضاف الرئيس الأميركي: «سنوقف المناورات، ما سيوفر علينا مبالغ طائلة»، مضيفا أنه يريد سحب قواته من الجنوب «في مرحلة ما». ولم تكن المناورات مشمولة في الوثيقة المشتركة. ومضى ترمب يقول: «بما أننا في طور التفاوض حول اتفاق شامل إلى حد كبير، أظن أنه من غير المناسب أن نواصل المناورات».
وعبر مراقبون عن مخاوف من ما اعتبروه «تنازلا كبيرا» من الجانب الأميركي. وكتب روبرت كيلي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوسان: «تنازلان إضافيان من ترمب في المؤتمر الصحافي: وقف المناورات العسكرية مع الجنوب، والأمل بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية»، مضيفا: «وماذا حصلنا من كوريا الشمالية؟ توقفوا عن التنازل دون مقابل».
وفي أعقاب يوم من الابتسامات والمجاملات داخل فندق «كابيلا» الفاخر في سنغافورة تحت أنظار العالم، تعهدت الولايات المتحدة بـ«تقديم ضمانات أمنية» لكوريا الشمالية. وتقول ميليسا هانهام، من مركز منع انتشار الأسلحة ومقره الولايات المتحدة، على «تويتر» إن الشمال «وعد بالقيام بذلك مرارا من قبل»، مضيفة أن الجانبين «لا يزالان غير متفقين على ما يعنيه تعبير نزع السلاح النووي».
وبعد سيل الاتهامات والتهديدات بـ«النار والغضب»، تبادل المسؤولان في سنغافورة المجاملات والابتسامات. وأشاد ترمب بـ«العلاقة الخاصة» التي يبنيها مع كيم الذي يتعرض نظامه لاتهامات عدة بانتهاك حقوق الإنسان، والذي يشتبه بأنه يقف وراء اغتيال الأخ غير الشقيق لكيم في ماليزيا.
وقال ترمب بعد مراسم التوقيع: «سنلتقي مجددا»، بينما يقف مع كيم على الشرفة حيث التقيا للمرة الأولى، مضيفا: «سنلتقي مرارا». وتابع ترمب أنه يعتزم «فعلا» دعوة كيم إلى البيت الأبيض.
من جهته، تعهد كيم «طي صفحة الماضي»، وقال إن العالم «سيشهد تغييرا كبيرا». وتأتي قمة سنغافورة، وهي الأولى بين رئيس أميركي في السلطة وزعيم كوري شمالي، بعد أن بدت واشنطن على شفير النزاع مع بيونغ يانغ بينما كان المسؤولان يتبادلان الاتهامات ويواصل كيم يقوم تجاربه النووية والصاروخية.
ولم تكن القمة نجاحا دبلوماسيا للولايات المتحدة فحسب، إذ إنها ساهمت دون شك في إضفاء صفة شرعية للزعيم الكوري.
واستغلت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية فرصة القمة لمطالبة الرئيس الأميركي بالضغط على كيم لتحسين أداء بلاده في مجال حقوق الإنسان. وقال ترمب إنه تباحث في موضوع حقوق الإنسان مع كيم، موضحا: «لقد تباحثنا في الموضوع اليوم. سنعمل على المسألة، وهي صعبة من عدة نواح».
وترتدي قمة سنغافورة أهمية كبرى على صعيد إرث المسؤولين، وتذكّر بزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين في العام 1972 وقمة رونالد ريغان مع ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك. وعلق مايكل كوفريغ، من معهد الأزمات الدولية في واشنطن: «إنه انتصار هائل لكيم الذي حقق إنجازا فعليا بلقائه وجها لوجه مع الرئيس»، مضيفا أن والده وجده «كانا يحلمان بذلك»، وأن «ذلك يشكل نقطة إيجابية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والأسرة الدولية على صعيد مفاوضات من المتوقع أن تكون طويلة وشاقة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وعلى الصعيد الدولي، لقيت القمة ترحيبا وإشادة واسعة. ورحب الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن باتفاق سنغافورة، وقال إن «اتفاق سانتوسا في 12 يونيو (حزيران) سيبقى في التاريخ العالمي كحدث أنهى الحرب الباردة». وأشاد مون بكيم جونغ أون ودونالد ترمب «لشجاعتهما وتصميمهما»، ما يتيح للكوريتين طي صفحة «ماض قاتم من الحرب والمواجهة وفتح فصل جديد من السلام والتعاون».
بدورها، أثنت الصين الحليف الرئيسي لكوريا الشمالية الثلاثاء على القمة، ودعت من جديد إلى «نزع السلاح النووي بالكامل» من شبه الجزيرة الكورية. وصرّح وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمام صحافيين، بأن «جلوس الزعيمين جنبا إلى جنب لإجراء محادثات من الند إلى الند يرتدي أهمية كبرى، وله معنى إيجابي ويعلن بدء تاريخ جديد»، مشددا على ضرورة حل المسألة النووية «عبر النزع الكامل للسلاح النووي».
واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن «مجرد حصول هذا اللقاء، بالطبع، إيجابي». وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف من جهته لوكالة «تاس»: «لا يمكننا إلا الترحيب بخطوة مهمة إلى الأمام. بالطبع الشيطان يكمن في التفاصيل، وعلينا النظر بشكل عملي (إلى هذه القمة). لكن تم إعطاء دفع» لتحسين العلاقات بين الجانبين.
ومن طوكيو، قال رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إن إعلان كيم جونغ أون «نزعا كاملا للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية قد تأكد خطيا. أنا أدعم هذه الخطوة الأولى نحو حل مجمل القضايا المتعلقة بكوريا الشمالية».
وفي فرنسا، اعتبرت وزيرة الشؤون الأوروبية ناتالي لوازو، أن الوثيقة التي وقعها ترمب وكيم جونغ أون تشكل «خطوة مهمة»، مشككة في الوقت نفسه في «تحقيق كل ذلك في غضون ساعات». لكنها عبرت عن أسفها لسياسة «الكيل بمكيالين» المعتمدة لدى واشنطن التي انسحبت في الآونة الأخيرة من الاتفاق النووي الإيراني. وقالت إن الاتفاق النووي المبرم مع طهران «تحترمه إيران»، في حين أن «توقيع وثيقة مع كيم جونغ أون الذي وصل إلى حد امتلاك السلاح النووي، هو عمليا مكافأة شخص خالف كل المعاهدات الدولية».
وأشاد الاتحاد الأوروبي بقمة ترمب - كيم باعتبارها «خطوة مهمة وضرورية» تتيح إمكان تحقيق «النزع الكامل للأسلحة النووية» في شبه الجزيرة الكورية. وقالت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في بيان إن «هذه القمة خطوة مهمة وضرورية لتشكل أساسا للتطورات الإيجابية التي تحققت في العلاقات الكورية - الكورية، وعلى شبه الجزيرة حتى الآن».
وقالت وزيرة الخارجية النرويجية، إينه إريكسن سوريدي، إنه «من الإيجابي أن تحصل مناقشات في أجواء جيدة. الإعلان الذي صدر عن ذلك يتضمن الكثير من النقاط المشتركة مع إعلانات مماثلة شهدناها في السابق. الآن يبدأ قسم كبير من العمل»، مضيفة: «لا يزال يتوجب القيام بالكثير».
كما رحّب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالقمة بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي، واعتبرها «محطة مهمة» في اتجاه نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية. وحض غوتيريش كل الأطراف المعنية على «اقتناص هذه الفرصة المهمة»، وعرض مجددا مساعدة الأمم المتحدة من أجل تحقيق هدف تفكيك البرامج النووية الكورية الشمالية.
من جانبها، أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن استعدادها للمساعدة في التحقق من تطبيق أي اتفاقات مستقبلية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، بشأن برنامج أسلحة بيونغ يانغ النووية في موازاة ترحيبها بنتائج قمة سنغافورة. ورحب مدير الوكالة، يوكيا أمانو، بالبيان الصادر عن ترمب وكيم الذي «تضمن التزام جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية النزع الكامل للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية». وأكد أن الوكالة الدولية «ستتابع المفاوضات التي ستجري بين البلدين لتطبيق نتائج القمة بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية عن كثب».
ومقابل الترحيب الدولي، استقبلت طهران أنباء القمة بقلق وتحذير. ووجّه المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، محمد رضا نوبخت، انتقادات ضمنية إلى الزعيم الكوري الشمالي بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ودفع نوبخت باتجاه التقليل من أهمية اللقاء التاريخي بين ترمب وكيم، قائلا: «مع من يريد الزعيم الكوري الشمالي التفاوض؟ ألم يكن هو الرجل الذي سبب الإخلال في قمة الدول السبع عبر نشر تغريدة؟ هل يمكن الوثوق به؟».
وكان هذا ثاني تعليق رسمي إيراني على قمة الزعيم الكوري والرئيس الأميركي يصدر من مسؤول إيراني خلال 48 ساعة.
وكان المتحدث باسم الخارجية بهرام قاسمي شكك أول من أمس بجدوى المفاوضات، ونصح الزعيم الكوري باليقظة الكاملة، معتبرا ترمب غير موثوق في الاتفاقيات. وقال قاسمي في مؤتمر صحافي في طهران الاثنين: «لدينا شكوك كبيرة فيما يتعلق بسلوك الولايات المتحدة ومقاربتها ونواياها، وننظر إلى أفعالها بتشاؤم تام». وتابع قاسمي: «في الوقت الراهن، لا يمكننا أن نكون متفائلين إزاء سلوك الولايات المتحدة، وعلى حكومة كوريا الشمالية مقاربة هذه المسألة بيقظة مطلقة».
واعتبر قاسمي أن تخلي الرئيس الأميركي عن الاتفاق النووي الموقع العام 2015 بين إيران والدول الكبرى وغيره من الاتفاقيات الدولية «دليل على أنه شريك غير جدير بالثقة». وتابع: «نريد أن يتم إرساء السلام والاستقرار والأمن في شبه الجزيرة الكورية»، مضيفا أن تجربة التعامل مع الولايات المتحدة وترمب تفرض «الكثير من التشاؤم».

 



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.