أميركا: ردود فعل متباينة حول نتائج القمة

إشادة بإطلاق المفاوضات وتساؤلات حول «حجم التنازلات»

TT

أميركا: ردود فعل متباينة حول نتائج القمة

تباينت ردود الفعل بين أعضاء الكونغرس الأميركي والمراقبين حول القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بين الإشادة بلقاء تاريخي والشكوك حول جدية الالتزام الكوري بنزع «كامل ولا رجعة فيه للسلاح النووي».
واعتبر المتفائلون أن مجرد عقد القمة وبدء المفاوضات التي تهدف إلى كبح جماح وطموحات بيونغ يانغ النووية وتفكيك ترسانتها النووية الكبيرة، ستكون له تداعيات إيجابية على المنطقة. واعتبر بعض المحللين أنه رغم بعض الضبابية التي حملها البيان النهائي للقمة، إلا أن أبرز إنجاز هو أننا لا نسير في طريق حرب نووية.
وقال بول رايان، رئيس مجلس النواب الأميركي، على حسابه في «تويتر»: «لعدة عقود، فشلت السياسة الأميركية في التعامل مع كرويا الشمالية. وأنا أحيي الرئيس ترمب لرفضه الوضع الحالي. وعندما تبدأ المفاوضات، فإن النتائج الوحيدة المقبولة هي نزع كامل يمكن التحقق منه ولا رجعة فيه للسلاح النووي في كوريا الشمالية».
بدوره، أعرب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تفاؤله بقدرة الرئيس ترمب في إقناع الزعيم الكوري الشمالي بالالتزام بوعده بإنهاء برامج بلاده للأسلحة النووية. واعترف غراهام أن كثيرا من التفاصيل يجب توضيحها، وهي أكثر أهمية من الصور الفوتوغرافية والبيانات النهائية للقمة. وقال لشبكة «إن بي سي» أمس: «أنا أساند الرئيس ترمب، لكن أي شيء تتفاوض عليه مع كوريا الشمالية يجب أن يمر عبر الكونغرس للحصول على الموافقة. لكنني متفائل، وأعتقد أن الرئيس ترمب نجح في إقناع كيم أنه من الأفضل له التخلي عن أسلحته النووي وعدم الاحتفاظ بها».
وأصدر السيناتور الجمهوري كوري غاردنر بيانا أشاد فيه بقدرة إدارة ترمب على التعامل مع كوريا الشمالية. وقال: «حتى تتخذ كوريا الشمالية خطوات ملموسة لنزع السلاح النووي، يجب أن تكون سياستنا هي مواصلة حملة الضغط القصوى، ويجب أن يكون الهدف هو إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية بشكل كامل وقابل للتحقق ولا رجعة فيه، على النحو المنصوص عليه في القانون الأميركي والعديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».
وحملت تغريدة السيناتور الجمهوري ماركو روبيو التقدير لجهود الرئيس ترمب، إلا أنه انتقد في الوقت ذاته الثناء الذي وجهه ترمب لكيم جونغ أون. وقال روبيو: «بينما أعرف أن الرئيس ترمب يحاول الثناء على كيم جونغ أون للحصول على صفقة جيدة، إلا أن زعيم كوريا الشمالية ليس رجلا موهوبا، فقد ورث أعمال العائلة عن والده وهو شخص غريب الأطوار، ولا يمكن انتخابه في أي انتخابات ديمقراطية». وشدد روبيو على أنه يجب أن نشكك في أي صفقة مع كيم جونغ أون».
وفي تغريدة أخرى، قال روبيو إن «وضع حد لاستراتيجية مستقبلية بدلا من القضاء على البرنامج الحالي لكوريا الشمالية ليس نتيجة مقبولة، وآمل أن أكون مخطئا، لكني أعتقد أنهم لن يتخلوا أبدا عن الأسلحة النووية والقواعد المضادة للصواريخ الباليستية، ما لم يعتقدوا أن عدم القيام بذلك سيؤدي إلى نهاية النظام».
من جانبه، قال السيناتور الجمهوري ديفيد بيردو، وهو مساند شديد ومتحمس لسياسات الرئيس ترمب، إنه فوجئ بقرار ترمب إنهاء التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية. وقال للصحافيين في مبنى الكابيتول أمس، إن التنسيق العسكري مع الجيش الكوري الجنوبي أمر حاسم للغاية».
وأشار ناثان باراك، الباحث بمعهد «أتلانتيك»، إلى أنه من الحكمة التركيز على «الصورة الكبيرة»، فقبل بضعة أشهر فقط كانت كوريا الشمالية والولايات المتحدة تسيران نحو حرب نووية بعد تصريحات عدائية متبادلة، «واليوم لم نعد نسير على طريق حرب نووية». وقال لشبكة «سي إن إن» إنه كان من الممكن أن يخرج اتفاق سنغافورة بشكل أفضل، وبألا تتوقف المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. واعتبر أن ذلك تنازل كبير.
وأضاف بارك أن «الاتفاق يكفي لإطلاق المفاوضات، وستكون الخطوة التالية هي البدء في مفاوضات ثلاثية تشمل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية لخلق نظام دائم من نزع السلاح النووي والتبادل الاقتصادي».
من جانبه، انتقد السيناتور تشاك شومر زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ الاتفاق الذي أبرمه الرئيس ترمب مع الزعيم الكوري الشمالي، لافتا إلى أنه لا يتضمن أي تفاصيل عن كيفية تحقيق هدف نزع السلاح النووي. وقال إن الرئيس ترمب قام بتنازلات كبيرة خلال المحادثات.
وأكد مشرعون جمهوريون وعدد من مسؤولي إدارة ترمب أن أي اتفاق مع كوريا الشمالية في شكل معاهدة كان يحتاج إلى موافقة ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، أي أنها ستحتاج إلى دعم كبير من الديمقراطيين ومن بينهم السيناتور شومر، ما قد يؤدي إلى إعاقة تمرير مثل هذه المعاهدة.
في المقابل، أثارت تلميحات الرئيس ترمب إلى تجميد أو وقف المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس لم يكن متواجدا في نقاشات القمة ولم يصدر عن البنتاغون أي تصريحات. وقد أشار ترمب خلال المؤتمر الصحافي إلى أن المناورات العسكرية المعتادة التي تجريها الولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية كانت مكلفة و«استفزازية»، كما تحدث عن إمكانية إعادة الجنود الأميركيين إلى ديارهم. وقال ترمب إن التدريبات العسكرية لن يتم إحياؤها إلا إذا رأينا أن المفاوضات المستقبلية مع كوريا الشمالية لا تسير كما ينبغي. وقد أبدى بعض المحللين والمراقبين قلقهم من فاعلية الاتفاق على المدى البعيد، وقدرته على دفع كوريا الشمالية للتخلي عن برنامجها النووي. واعتبروا أن البيان النهائي للقمة لم يقدم أي تعهدات ملموسة من بيونغ يانغ لتفكيك ترسانتها النووية، كما لم يشر إلى حقوق الإنسان في إحدى أكثر دول العالم قمعا.
وقال أنتوني روجيرو الباحث البارز في مؤسسة واشنطن للدفاع عن الديمقراطيات، إنه ليس واضحا ما إذا كانت المفاوضات ستؤدي إلى نزع السلاح النووي أو تنتهي بوعود متكررة أصدرتها كوريا الشمالية كثيرا في الماضي. وأضاف أن «هذا البيان يبدو كإعادة لبيان سابق، حينما غادرت الولايات المتحدة المفاوضات مع كوريا الشمالية قبل أكثر من عشر سنوات».
بدوره، اعتبر دانيال روسل كبير الدبلوماسيين السابق في الخارجية الأميركية لشؤون آسيا أن البيان أغفل بشكل صارخ أي حديث عن الصواريخ الباليستية التي تمتلكها كوريا الشمالية والتجارب الصاروخية التي تقوم بها، وهذا أمر بالغ الأهمية والخطورة. كما انتقد تلميحات ترمب حول وقف التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية، وقال إن «المقايضة بالتخلي عن التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية مقابل الوعد بنزع السلاح النووي هي صفقة غير متوازنة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».