موارد ليبيا المهدرة في الفساد يكشفها التقرير السنوي لديوان المحاسبة

بذخ في الإنفاق على التنقل بالطائرات الخاصة وإبرام تعاقدات بالمليارات دون ضرورة

خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة في اجتماع مع مدير التحقيقات بمكتب النائب العام الصديق الصور («الشرق الأوسط»)
خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة في اجتماع مع مدير التحقيقات بمكتب النائب العام الصديق الصور («الشرق الأوسط»)
TT

موارد ليبيا المهدرة في الفساد يكشفها التقرير السنوي لديوان المحاسبة

خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة في اجتماع مع مدير التحقيقات بمكتب النائب العام الصديق الصور («الشرق الأوسط»)
خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة في اجتماع مع مدير التحقيقات بمكتب النائب العام الصديق الصور («الشرق الأوسط»)

أحدَثَ التقرير الدوري السنوي الصادر عن ديوان المحاسبة في ليبيا، ردود فعل غاضبة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، بعدما كشف عن وقائع فساد وتبديد للمال العام على كل المستويات، بداية من «إبرام تعاقدات بمليارات الدينارات دون وجه حق»، وإهدار مليار و200 مليون دينار لدى صندوق موازنة الأسعار، فضلاً عن استئجار طائرات خاصة لتنقلات المسؤولين السياسيين دون ضرورة.
وطرح التقرير المكون من 920 صفحة، الذي استعرض تفاصيله رئيس الديوان خالد شكشك، تساؤلات عدة عن القنوات التي أنفقت فيها حكومتا الوفاق الوطني، في طرابلس العاصمة بـ(غرب البلاد)، والمؤقتة، في مدينة البيضاء بـ(شرق البلاد)، 278 مليار دينار (204 مليارات دولار) في 5 سنوات، في ظل شكوى المواطنين المستمرة من تردي أوضاعهم المعيشية، وانعدام السيولة في البنوك، واعتبر الرئيس الأسبق للمؤسسة الليبية للاستثمار، محسن الدريجة، أن «هذا الوضع لا يمكن السكوت عليه»، وقال: «نحن نفوّت فرصة ذهبية تجعل ليبيا مكاناً مغرياً للاستثمار والتنمية».
ولخّص الدريجة، الذي يقيم في لندن، خلال حديث إلى «الشرق الأوسط» جانباً كبيراً من هذا الفساد، حيث أوضح أن من أبرز مجالات هدر الموارد الليبية ما يتم دفعه من رواتب إضافية لنواب في مجلسي النواب بهدف «شراء الولاءات لأغراض سياسية».
وأوضح التقرير، الصادر الأربعاء الماضي، أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أنفق خلال 2017 ما قيمته 3.273 مليون دينار على أعضاء من مجلسي النواب والأعلى للدولة، كقيمة تذاكر سفر وإقامات في الفنادق، ومبالغ مالية كبدل للسفر. كما دفع نحو 15 مليون دينار لـ57 عضواً من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور كمرتبات، بواقع 617 ألف دينار لكل منهم عن 39 شهراً على الرغم من أنها جهة غير مدرجة مع الجهات الممولة من الخزانة، واعتبر خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه بمثابة «مخالفة كبيرة تستوجب استرداد الأموال التي صُرفت على هؤلاء النواب».
وقال ديوان المحاسبة إن طريقة الإنفاق وعدم التوجيه الصحيح للأموال تتسبب في تأزم الوضع الاقتصادي في السنوات الأخيرة، مذكِّراً بأن قيمة السُّلَف الموجهة من المصرف المركزي للدولة وصلت إلى 11 مليار دينار.
وقال الرئيس الأسبق للمؤسسة الليبية للاستثمار، محسن الدريجة، لـ«الشرق الأوسط» إن «المال العام الليبي يُبدد على جميع المستويات، ومن أطراف كثيرة».
واستهل الدريجة رؤيته بالحديث عن جانب من الهدر في أموال الدولة «بسبب التوظيف في القطاع العام، دون أي مردود على البلاد»، وقال إنه «يتم دفع رواتب لأكثر من 80 في المائة من الليبيين في سن العمل، في حين تشير بعض الدراسات إلى أن إنتاجية الموظف في القطاع تعادل ربع ساعة في اليوم»، علماً بأن إجمالي المرتبات يكلِّف الدولة سنوياً 21 مليار دينار يتقاضاها 1.8 مليون موظف.
واستكمل: «القطاع العام يوزع رواتب دون مقابل، فكيف يستطيع القطاع الخاص أن يستقطب العاملين؟ هذه الأجواء تقضي على القطاع الخاص».
وكشف تقرير ديوان المحاسبة عن أنه تم صرف مليار و200 مليون دينار لصندوق موازنة الأسعار، إلا أنه لم يقم بعمله، كما تطرق الديوان إلى بعض الشركات التي تورطت في عمليات فساد، ما دفع شكشك إلى التهديد بأنه سينشر أسماء تلك الشركات في حال إخفاق السلطات في ليبيا في اتخاذ الإجراءات القانونية مع «المتهمين بالفساد».
ولم تقف اتهامات ديوان المحاسبة عند هذا الحد، بل إنه أشار إلى أن وزيراً في الحكومة المؤقتة (في مدينة البيضاء بشرق البلاد، ولم يذكر اسمه) ألزم الدولة بدفع 450 مليون يورو لصالح شريك أجنبي ثبت تورطه في قضايا فساد، الأمر الذي دفع الخبير الاقتصادي الليبي في البنك الأوروبي، عمرو فركاش، إلى القول إن «العبث والفساد والسرقة عنوان المرحلة في ليبيا، وليس هناك لا رقيب ولا حسيب»، وأشار إلى أن «المرصود للإنفاق على بند الرواتب مبالغ فيه، فإنتاجية العامل في ليبيا ضعيفة جداً، ومعظم سوق العمل حكومي».
وقال ديوان المحاسبة إنه لاحظ استمرار سياسة التوسع في استئجار الطائرات الخاصة، حيث بلغ حجم الإنفاق خلال عام 2017 على هذا الغرض 2.9 مليون دينار، وتطرق إلى إذن صرف بلغت قيمته ما يزيد على 295 ألف دينار مقابل إقامة بفنادق لصالح شركة «سجال للخدمات السياحية».
وتطرق فركاش في حديث إلى «الشرق الأوسط» إلى ما يتم إنفاقه في بند التنمية، وقال: «هذا البند كالعادة ضعيف جداً مقارنة بما يتطلبه الوضع في ليبيا لإعادة بناء المدن التي تهدمت».
وردّاً على بعض التحفظات التي أوردها التقرير على سياسات المصرف المركزي في طرابلس، الذي يديره الصديق الكبير، وما ترتب عليها من قلة السيولة في بعض المناطق، قال الخبير الليبي في البنك الأوروبي: «السيولة للأسف فساد مقنن، ورأس حربته المصرف المركزي في طرابلس... حيث يتم الآن تضييق الخناق على المواطنين من قبل التيار الإسلامي الذي يهيمن على المصرف بعدما خسر السلطة في الانتخابات الماضية كي يدفعهم لرفض الوضع القائم»، متابعاً: «إذا امتلك هذا التيار السلطة ستحل كل المشكلات ومنها السيولة».
ولم ينس ديوان المحاسبة في تقريره الإشارة إلى وجود «تحسن ملحوظ في اقتصاد الدولة بالنظر إلى حجم الإنفاق»، متحدثاً عن المكاسب التي حققتها للبلاد حيث استردت أموالاً كبيرة بعد اكتشاف جرائم اختلاس في عمليات التوريد، كما أوقفت تعاقدات بقيمة مليار و600 مليون دينار كانت ستدفع لشركات أجنبية دون وجه حق، بالإضافة إلى إلغاء قرار إيفاد 10 آلاف طالب إلى الخارج بسبب عشوائيته، الذي كان سيكلف الخزينة العامة مليار دولار سنوياً، في مقابل ذلك تواجه ليبيا 142 دعوى قضائية بقيمة 9 مليارات يورو.
غير أن الدريجة ذهب إلى أن الحل لأزمات البلاد، في مواجهة هذا الهدر في المال العام، يكمن في كيفية إدارة أموال البلاد من الأساس، وقال: «لا يوجد نشاط اقتصادي في ظل هذه الإدارة السيئة للاقتصاد... وكل ما يحدث هو بيع للنفط، أو استخدام احتياطيات المركزي لتوريد ما تحتاج إليه البلاد للاستهلاك، ودفع رواتب حتى يتمكن الناس من الاستهلاك»، متابعاً: «لا توجد أي مشاريع تكوّن ثروات جديدة».
واستطرد: «عندما تُدفع رواتب 22 مليار دينار من خزانة الدولة لأكثر من مليون وسبعمائة موظف، ثم تدفع 4 مليارات أخرى عن طريق الشركات العامة والمصارف والهيئات والمؤسسات التي لديها رأسمال مدفوع من الخزانة، فإن معدل الطلب الاستهلاكي سيكون مرتفعاً، ولأن أغلب ما يستهلك مستورد فمستوى المعيشة يتدنى مع تدني قوة الدينار مقارنة بالعملات الأخرى... النتيجة أن وضع الناس أسوأ».
وطرح الدريجة بدائل لخلق قيمة مضافة للاقتصاد الليبي، وقال: «يجب تشغيل الناس في أعمال منتجة، في البناء والصناعة ومجالات مشابهة»، مستدركاً: «الاقتصاد الليبي يحتاج لإعادة هيكلة، لتنمية القطاع الخاص وتقليص القطاع العام... وهذا عمل الحكومة وليس المصرف المركزي».
وذهب إلى أن «(المركزي) لم يستعمل الأدوات النقدية المتوفرة لديه، ولم ينجح في التعامل مع التضخم وتدني سعر الصرف بشكل مناسب، وهذه هي حدود مسؤوليته»، ورأى أن الحكومات المتعاقبة فشلت في التعامل مع مشكلات ليبيا الاقتصادية، موضحاً أن «جميعها دون استثناء اعتمدت على النفط، ولم تعمل على خلق مصادر بديلة».
وانتهى الدريجة إلى أن «الفكرة من وراء الرواتب المرتفعة والمزايا كفّ أيدي المسؤولين عن المال العام والتركيز في أعمالهم، غير أن الحاصل أن أموال الدولة تُستخدَم لشراء الولاءات، وعلى كل المستويات». ولم يفقد الخبير في البنك الأوروبي الأمل في اقتصاد بلاده، وقال في ختام حديثه إلى «الشرق الأوسط»: «يجب أن تصدر الدولة سندات لزيادة الإنفاق في البنود المطلوبة»، لكن عاد وقال: «هذا لن يحدث لضعف ثقة المستثمر في النظام وقدرته على الالتزام في دفع ديونه، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفساد وسرقة المال العام».



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.