القوات الأفغانية تدحر هجوماً لـ«طالبان» في غرب البلاد

أشرف غني يعتذر عن غارة جوية قتل فيها 30 طفلاً

مواطنون يعاينون آثار المعارك بين القوات الأفغانية ومقاتلي «طالبان» بمدينة فرح أمس (رويترز)
مواطنون يعاينون آثار المعارك بين القوات الأفغانية ومقاتلي «طالبان» بمدينة فرح أمس (رويترز)
TT

القوات الأفغانية تدحر هجوماً لـ«طالبان» في غرب البلاد

مواطنون يعاينون آثار المعارك بين القوات الأفغانية ومقاتلي «طالبان» بمدينة فرح أمس (رويترز)
مواطنون يعاينون آثار المعارك بين القوات الأفغانية ومقاتلي «طالبان» بمدينة فرح أمس (رويترز)

دحر الجيش الأفغاني والقوات الأميركية مقاتلي حركة «طالبان» إلى مشارف كبرى مدن ولاية فرح (فراه) في غرب البلاد، والتي كان المتمردون يحاولون السيطرة عليها أول من أمس، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين أمس الأربعاء. وصرح المتحدث باسم «الفيلق 207» من الجيش الأفغاني عارف رضائي بأن مقاتلي «طالبان أرغموا على مغادرة المدينة في نحو منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء بعد وصول تعزيزات من هرات وقندهار. وبدأنا بتمشيط المدينة». وأضاف أن قوات من حلف شمال الأطلسي موجودة في مطار مدينة فرح وهي عاصمة الولاية التي تحمل الاسم نفسه، لدعم الجيش الأفغاني.
وقال أحد أعضاء المجلس المحلي للولاية ويدعى داد الله قاني، لوكالة الصحافة الفرنسية إن حركة «طالبان» طُردت إلى خارج المدينة و«تمركزت في محيطها».
أما اللفتنانت كولونيل مارتن أودانيل، أحد المتحدثين باسم «مهمة» الحلف الأطلسي، فقال، بحسب الوكالة الفرنسية، إن المعارك تواصلت طوال الليل، مشيراً إلى أن طائرات من دون طيار شنت غارات عدة على مواقع «طالبان». كذلك صرح الناطق باسم وزارة الداخلية الأفغانية نجيب دانيش بأن «الأعداء كانوا يريدون نهب المصرف ومهاجمة السجن والمقار العامة لقيادة الشرطة والاستخبارات ومكتب الحاكم، لكنهم أخفقوا».
وأعلنت أرقام متفاوتة عن أعداد القتلى، يزيد سوء عمل الاتصالات والإنترنت من صعوبة التحقق منها؛ إذ قال دانيش إن «ما بين 5 و10 مدنيين قتلوا أو جرحوا»، بينما قتل 15 من أفراد قوات الأمن. وأضاف أن 300 من مقاتلي «طالبان» قتلوا، بحسب ما أوردت الوكالة الفرنسية.
من جهته، تحدث حاكم الولاية بصير سالانجي عن مقتل 25 من أفراد قوات الأمن و4 مدنيين وكذلك عن «مقتل أو جرح» أكثر من 300 من عناصر «طالبان». وقال: «لم يعد هناك مقاتلون لطالبان في المدينة حالياً. هاجمها نحو ألفي عنصر من طالبان من 3 اتجاهات، لكنهم اصطدموا بمقاومة جنودنا البواسل».

عودة الحياة تدريجياً
ومع ابتعاد المعارك، أشارت الوكالة الفرنسية إلى أن الحياة عادت تدريجياً في فرح (فراه) أمس، لكن بعض السكان أبدى قلقاً من احتمال أن تكون ألغام قد زرعت في بعض الأماكن. وقال بلال، وهو موظف محلي في منظمة غير حكومية، إن «الناس خائفون، لكنهم سعداء لأنه لم تعد هناك معارك في المدينة. أرى أن الناس بدأوا بالخروج لتصريف أعمالهم، لكن المباني الرسمية ما زالت مغلقة». وأشارت جميلة أميني، العضو في مجلس الولاية، إلى أن «الوضع يعود إلى طبيعته». وقالت: «لكننا نسمع أن بعض مقتلي طالبان يختبئون في منازل ونخشى أن يخرجوا منها ويهاجمونا من جديد بعد رحيل التعزيزات».
وهذه الولاية المحاذية لإيران تعد نائية في أفغانستان وتنتشر فيها زراعة الأفيون. وكانت «طالبان» قد تعهدت بالتعاون للسماح بإتمام مشروع أنبوب غاز مشترك بين تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند بتكلفة مليارات الدولارات يمر عبر الولاية. لكنها شهدت معارك عنيفة في السنوات الأخيرة؛ حيث حاول المتمردون 3 مرات السيطرة على عاصمة الولاية منذ عام 2017؛ بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن «شبكة المحللين الأفغان».
ويأتي الهجوم الجديد بعد بدء «طالبان» هجوم الربيع، مكثفة عملياتها ضد قوات الأمن الأفغانية، مما يعكس رفضاً ضمنياً لعرض قدمته الحكومة أخيرا لإجراء مفاوضات سلام.
في غضون ذلك، نقلت وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) عن مسؤولين قولهم أمس إن اشتباكات عنيفة تدور بين «طالبان» وقوات الأمن الأفغانية في إقليم غزني جنوب شرقي أفغانستان. وأشارت إلى مقتل 21 من رجال الشرطة في 5 مناطق بإقليم غزني، حيث تقاتل «طالبان» القوات الأفغانية للسيطرة على وسط منطقة جيجهاتو، طبقاً لما قاله ناصر أحمد فكري، أحد أعضاء المجلس الإقليمي. وأضاف فكري أن رئيس وكالة المخابرات الأفغانية في منطقة جيجهاتو كان من بين القتلى. والقتال الذي بدأ مساء الثلاثاء انتهى في مناطق غزني كافة، باستثناء منطقة جيجهاتو وأجزاء من منطقة جيرو، طبقاً لما ذكره فكري. وقال غلام ساخي عمار، وهو عضو آخر في المجلس الإقليمي، إن «طالبان» أحرقت مقراً للشرطة، مع استمرار القتال.

اعتذار الرئيس الأفغاني
على صعيد آخر، اعتذر الرئيس الأفغاني أشرف غني، أمس، من أسر ضحايا مدنيين، غالبيتهم أطفال، قتلوا خلال غارة جوية استهدفت احتفالاً في مدرسة قرآنية في شمال البلاد مطلع الشهر الماضي. ولفتت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن تحقيقاً للأمم المتحدة أكد أن الغارة الجوية التي استهدفت في 2 أبريل (نيسان) الماضي احتفالاً يحضره مئات الرجال والأطفال في بلدة داشتي ارشي التي تسيطر عليها «طالبان» في ولاية قندوز الشمالية، أسفرت عن مقتل 36 شخصاً من بينهم 30 طفلاً. وذكر التحقيق الدولي أن الغارة أسفرت كذلك عن إصابة 71 شخصاً من بينهم 51 طفلاً، مشيراً إلى أن لدى الأمم المتحدة «معلومات موثوقة» تفيد بأن الحصيلة قد تكون أعلى بكثير. لكن الجيش والحكومة صمما في البداية على القول إن الغارة التي شنها سلاح الجو الأفغاني استهدفت قاعدة لـ«طالبان» أثناء اجتماع للتخطيط لاعتداءات. وأنكرت وزارة الدفاع الأفغانية سقوط ضحايا مدنيين، ثم زعمت أن «طالبان» قتلتهم، بحسب الوكالة الفرنسية.
وأعلنت الرئاسة الأفغانية أمس أن الرئيس غني استقبل أسر الضحايا ووجهاء من المنطقة وقدّم لهم اعتذاراً. وتابعت أن غني قال إن «الفارق بين من يضمرون الشر والحكومة الشرعية هو أن الحكومة الشرعية تعتذر عن الأخطاء التي ترتكبها». وتعهد بأن تدفع الحكومة تعويضات لأسر الضحايا وبناء مئذنة تخليداً لذكراهم، بالإضافة إلى مسجد في المنطقة.
وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن محققي بعثة الأمم المتحدة لم يتمكنوا من تأكيد ما إذا كان الضحايا جميعهم من المدنيين، وما إذا كان قادة «طالبان» موجودين وقت الهجوم. وأرسلت الحكومة فريقين للتحقيق في الحادث، إلا أن أياً منهما لم ينشر نتائج، بحسب بعثة الأمم المتحدة.

عديد القوات الأفغانية
إلى ذلك، كشف تقرير نشرته هيئة تابعة للكونغرس الأميركي أن التراجع المسجل في عديد القوات الأفغانية أقل مما نشر سابقاً، على الرغم من خسارتها 18 ألف عنصر خلال سنة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن تقرير المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) إشارته إلى خطأ ورد في تقريره السابق الصادر بتاريخ 30 أبريل الذي سجّل انخفاض عدد العسكريين بنسبة 10 في المائة ليصل إلى 296409 في نهاية يناير (كانون الثاني). وقال التقرير الجديد إن تلك التقديرات اعتمدت على أرقام «غير صحيحة» صادرة عن القوات الأميركية في أفغانستان.
وأول من أمس عرض «سيغار» أرقاما مصححة حددت عدد رجال الشرطة والجيش الأفغانيين بـ313728. وأضاف التقرير أن «الأرقام الجديدة تظهر أن عدد القوات الأفغانية تراجع بـ17980 عنصراً بين يناير 2017 والشهر نفسه من 2018، ولكنه لم يكن بالحدة نفسها مقارنة بالأرقام المقدمة في تقرير أبريل الماضي وتحدثت عن تراجع بـ36 ألف عنصر». ولفت التقرير إلى أن هذا التصحيح يعد الأخير من سلسلة مشكلات واجهها «سيغار» لدى حصوله على معلومات من وزارة الدفاع الأميركية بخصوص القوات الأفغانية. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن تقرير «سيغار» يرسم صورة قاتمة للوضع الأمني في أفغانستان التي تواجه تنظيمات متطرفة مثل «طالبان» و«داعش».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...