البدلة... تاريخ من الأناقة

يمر الزمن وتبقى هي صامدة في وجه التغيرات الاجتماعية والسياسية

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018
TT

البدلة... تاريخ من الأناقة

من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من  مجموعة «كورنيلياني» لربيع  وصيف  2018
من حملة «هاكيت» لهذا الصيف - «كورنيلياني» - بدلة رسمية من «هاكيت» - من عرض «جيورجيو أرماني» لربيع وصيف 2018 - من مجموعة «كورنيلياني» لربيع وصيف 2018

ظهرت البدلة للمرة الأولى في بلاط الملك تشارلز الثاني. كان ذلك في القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، وهي عنصر ثابت من عناصر الموضة، لم تتزحزح عن مكانتها رغم تغير الأحوال والأذواق والتوجهات. فمكانتها الرفيعة في خزانة الرجل لا تُضاهى أياً كان عمره وأسلوبه. فيما يتعلق بالخلفية التاريخية، فإن ظهور النموذج الأولي للبدلة تزامن مع ما عرف بـ«حقبة الاسترداد»، حيث أصدر الملك تشارلز الثاني مرسوماً ملكياً في أعقاب تفشي الوباء في لندن، يقضي بأن يتخلى من يحضرون إلى بلاطه عن الملابس التي تتميز بزينة مفرطة وفخامة مبالغ فيها مقابل ارتداء ملابس أكثر بساطة تتألف من معطف طويل وصدرية وربطة عنق.
وبذلك نجد أن السترة بدأت كرمز للتواضع والبساطة في وقت كانت الأغلبية تعاني من ظروف قاسية. وجاء هذا التحول ليكتب نهاية حقبة طويلة كان يجري تقييم مكانة ونفوذ الشخص خلالها بمدى فخامة وغلاء ملابسه.
في القرن التاسع عشر خرجت من القصور والبلاطات لتدخل الحياة العامة بالتدريج، وفي القرن العشرين انتشرت أكثر لتصبح بمثابة الزي الرسمي للرجل.
فقد حققت الرسمية المطلوبة منها، وما تعنيه من مساواة اجتماعية إلى حد ما، من ناحية أن كلَّ من يعمل في الشركات التي تلزم موظفيها بارتدائها، يبدو الجميع بدءاً من المتدربين حتى الرؤساء التنفيذيين، بالصورة ذاتها، باستثناء نوعية القماش والتفاصيل مثل الأزرار وغيرها. فيما عدا ذلك كان تصميمها واحداً، كذلك تأثيرها.
وكان من الطبيعي أن تنتقل إيحاءاتها هاته إلى الصعيد السياسي، إذ أصبح يجري النظر إلى البدلة باعتبارها الزي الرسمي لرجل الدولة الموقر المعاصر. ومع هذا، هناك من يرى أنها تمثل استمرار الإرث الثقافي للحقب الاستعمارية، ما يدفع أعضاء هذا المعسكر، إما لارتداء تصميمات معدلة منها، أو رفضها تماماً وتفضيل الملابس التقليدية عليها.
ورغم الجدل حولها، أثبتت عبر العقود أنها من أكثر قطع الملابس ديناميكية على مستوى العالم لما تحمله بين طياتها من معاني الجدية والثقة، وما تعكسه من قوة ونفوذ ونجاح، وهو ما تؤكده د. كاثرين ليزلي، من مدرسة الموضة في جامعة ولاية كنت، بقولها إن: «البدلة عندما تكون رسمية تحديداً تنقل إلى الآخرين رسالة مفادها الجدية والانتماء إلى نادي الناجحين وأصحاب السلطة، تبعاً للثقافة الغربية».
لكنها تعرضت لبعض التذبذبات في فترة من الفترات، بسبب عزوف بعض الشباب عنها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لما توحيه من صرامة ورسمية، بينما كان التوجه السائد ينادي بالبوهيمية والتمرد على التقاليد وأي قيود تفرضها.
فمجرد لفظ «بدلة» كان يوحي بالرأسمالية. لكنها لحسن الحظ خضعت لعملية تجميل مسحت كل هذه الإيحاءات السلبية لتعود إلى الواجهة مرة أخرى على يد مصممين شباب ضخوها بديناميكية جديدة، ورسموها بخطوط رشيقة. من هؤلاء نذكر، المصمم هادي سليمان، خلال عهده في دار «ديور» الفرنسية. فعندما تولى تصميم الجانب الرجالي حقق ثورة فيها. فككها من تفاصيلها وخفف من كمية قماشها لتأتي محددة على الجسم. كانت الصورة أنيقة تستحضر صور مغنيِّ «الروك آند رول»، وفتحت شهية الشباب عليها. وحتى بعد أن غادر الدار، ظل صداها إيجابياً في صفوف الشباب، لا سيما أن مصممين آخرين التقطوا خيوطها ونسجوها بتصاميم عصرية، ليست بالضرورة بالصورة نفسها، لكن لا تقل عنها شبابية وحيوية.
الطريف أن هذه القطعة أثارت جدالات فلسفية ولا تزال. الفيلسوف والمؤرخ ميشال فوكو أشار إلى كيف أن السلطة نزعت عنها الطابع الشخصي مع بزوغ فجر الحداثة. ففي عهد الملك البريطاني، تقلد رجال البلاط من حوله مناصب متنوعة، وامتلكوا مستويات متباينة من النفوذ، لكنهم لم يعبروا عن ذلك من خلال فخامة ملابسهم. بدلاً عن ذلك، أصبحوا جميعاً يرتدون ملابس متشابهة، لم تنتقص من مكانتهم وقوتهم، لكن محت الجانب الشخصي منا. بوجه عام، كانت البدلة آنذاك مجرد قطعة بسيطة وعملية تناسب التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو ما حاول البعض تطبيقه في القرن العشرين في أماكن العمل. صحيح أن الجودة تختلف، من ناحية التصميم والقماش المستعمل، وطريقة الخياطة، وما شابه من تفاصيل دقيقة، إلا أنها ظلت بمثابة الزي الرسمي. ومع الوقت ارتقت إلى مصاف الكلاسيكية، بمعنى أنها قطعة أيقونية لا يستغنى عنها الرجل أياً كانت ثقافته وأسلوبه، وذلك أنها تحولت إلى رمز للحداثة، حسبما تنص عليه الثقافة الغربية. ونتيجة لذلك، نجد أن قيادات سياسية من مختلف أرجاء العالم أقروا البدلة الرسمية في صورتها الحديثة كتعبير عن دخول بلادهم عصر الحداثة.
أيضاً، يأتي تبني هذه الشريحة لها كتعبير عن اندماجهم داخل المجتمع العالمي.
الآن ورغم أن شعبيتها في صفوف الشباب بدأت تتراجع لصالح أسلوب «ستريت ستايل» الذي تروج له بيوت أزياء عالمية، من «بالنسياجا» إلى «لويس فويتون» وغيرها، فإن البدلة بشكلها العصري والرشيق لم تختفِ تماماً. يمكن تأكيد هذه الحقيقة حتى بعد أن عزف عنها الساسة والشخصيات النافذة لصالح أسلوب منطلق يتودد لجيل الشباب. ما أكدوه أنهم قد لا يميلون إلى تصاميمها الرسمية باستغنائهم عن ربطة العنق ومنديل الجيب وما شابه من تفاصيل، لكنهم لم يخاصموها تماماً. فهي لا تزال تظهر من خلال سترة مع بنطلون من قماش مختلف أو مع «تي شيرت» أو بتصميم يُبرز رشاقتهم إن لم نقل نحافتهم. من هذا المنظور لم تعد تنتمي إلى جيل الآباء والأجداد، كما لم تعد زياً رسمياً. فكثرة الخيارات وانفتاح الموضة وتشجعيها على تبني أسلوب خاص، فتح أبواب الابتكار فيها، لتصبح وسيلتهم للتميز في زمن أصبح فيه «الكاجوال» هو السيد والمتشابه.
فالبدلة عندما تكون شبابية ومنطلقة لا تتعارض مع الأسلوب «السبور» المستوحى من ثقافة الشارع، وربما قد أصاب البعض بالتخمة. كما أنه بالنسبة للبعض طال أكثر من اللازم، وأصبحوا يحتاجون إلى مضاد قوي له. وإذا كان هادي سليمان سوَّق لهم التصاميم الضيقة على الجسم، فإن راف سيمونز سوَّق لهم تصاميم رشيقة، لكن أكثر عملية، فيما يقترح المخضرم الإيطالي جيورجيو أرماني بدلات واسعة تساعد الطيات على تحديدها. هدفه أن يستقطب جيل الشباب من دون أن يخسر جيل الآباء. بدوره أتقن المصمم بول سميث اللعب، ولا يتوقف عن طرحها بتفاصيل مبتكرة تتمثل في تبطين بلون متوهج أو بتلات ورود وراء الياقة أو على حواشي الأكمام وما شابه.
دار «ألكسندر ماكوين» أيضاً أرادت مخاطبة الشباب. لم تكتفِ بتفصيل لا يُعلى عليه لما يتضمنه من دقة لا يتقنها سوى خياطي «سافيل رو» الشهير، بل أضافت أقمشة غريبة مثل «البروكار»، فضلاً عن رسمات جريئة. فالفكرة هنا ليست قطعة رسمية تجعل صاحبها يذوب مع محيطه وينسجم معه، بل قطعة تميزه وتثير الأنظار إليه.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.