هل تحجب الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب هذا العام؟

كاتبة أخرى قدمت استقالتها أمس وسط أزمة ثقة غير مسبوقة

أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
TT

هل تحجب الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب هذا العام؟

أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب

جدل حاد في الأوساط الثقافية السويدية، هذه الأيام، حول تداعيات أزمة الأكاديمية السويدية على منح جائزة نوبل هذا العام، ولربما تمتد تداعيات الأزمة لسنوات لاحقة. فالكل يجمع هنا على أن أزمة الثقة ستكبل أفراد هذه المؤسسة الخاصة بتركيبة نظامها الصارم، خصوصاً فيما يتعلق بمهمتها بمنح الجائزة.
ثمة أصوات تطالب الآن بسحب هذه المهمة من طاولة الأكاديمية، ومنحها إلى مؤسسة أخرى، فيما تتباين الآراء من داخلها حول ترحيل جائزة هذا العام إلى العام المقبل، وهذا ليس بجديد، فقد حصل وأن رُحِّل توزيع الجائزة إلى عام آخر، كما حجبت في أكثر من مرة، بسبب الحربين العالميتين. لكن الشيء المؤكد أن الأكاديمية السويدية، ومنذ تأسيسها في العام 1786على يد الملك غوستاف الثالث، ومن ثم تحميلها مسؤوولية توزيع واحدة من أهم جوائز نوبل، وهي جائزة الأدب، لم تتعرض لمثل هذه الهزة العنيفة التي أدت إلى تصدع جدران وجودها، وجعلتها تدور في أزمة ثقة حادة تلقي بظلالها على منح الجائزة، خصوصاً أن التحقيق جار حول فساد مالي في هذه المؤسسة التاريخية العريقة.
في فترات تاريخية سابقة هبت على الأكاديمية عواصف قللت من شأنها، ولكن ذلك كان في إطار انتقادها واتهامها بضعف تقييماتها للمرشحين للجائزة، كما كشف عن ذلك لارس غللينستين أحد أعضائها البارزين، الذي شغل منصب سكرتيرها الدائم، في فترة ما، حيث وصف ما سماه «حقيقة ما كان يدور من صراعات داخل أروقة الأكاديمية»، في كتابه «الذاكرة والذاكرة فقط» الذي أصدره في العام 2000.
وأشار فيه إلى أن «الصراعات بين أعضائها تركزت على حب النفوذ والمال»، كاشفاً عن طبيعة الخلافات بين أعضاء الأكاديمية فيما يتعلق بعدم تحرك الأكاديمية السويدية إزاء الفتوى التي أطلقها آية الله الخميني ضد الكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي، بسبب كتابه «آيات شيطانية» العام 1989. الأمر الذي دفع بعضو الأكاديمية الكاتبة شيشتين أيكمان إلى مقاطعة جلسات الأكاديمية، احتجاجاً على عدم توقيع الأكاديمية على مذكرة الاحتجاج التي أطلقها نادي القلم ضد الفتوى، بدافع الخوف من أن تتهم بالانحياز السياسي. لكن هذه المرة فالأمر مختلف تماماً.
بدأ فتيل الأزمة عندما نشرت صحيفة «داغينس نيهتر»، إحدى كبريات الصحف السويدية في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، شهادات نساء يتهمن فيها شخصاً مقرباً من الأكاديمية بالتحرش الجنسي، ثم تصاعد اللهب ليضيء جوانب أخرى مخفية في جسد هذه المؤسسة، التي تجاوز عمرها قرنين وثلاثة عقود. فأعضاء المجموعة، البالغ عددهم 18 شخصاً، المنغلقون على ذواتهم، والمنهمكون بالقراءة والعمل بكتمان، حسب لائحتها الداخلية وطبيعة دورها في مسؤولية رعاية اللغة واختيار الفائزين لجائزة نوبل في الآداب، «ليسوا سوى بشر مثلنا»، كما علق أحد الصحافيين. فهم لم يبخلوا في انتقاد بعضهم البعض، علناً، والتراشق باتهامات وبالتواطؤ المالي، والحديث عن تسريب أسماء من فازوا بالجائزة قبل الإعلان عنها، حتى وصل الأمر إلى ترك ثلاثة من الأعضاء المهمين في الأكاديمية لمقاعدهم في الأكاديمية، احتجاجاً على عدم نجاحهم في التصويت على إقالة أحد الأعضاء، وهي زوجة الشخص المتهم بالتحرش الجنسي، الذي سمته وسائل إعلام «خدمة الجمهور» (الإذاعة والتلفزيون) بالـ«الشخصية الثقافية»، وبالحصول على تمويل لمشروعه الثقافي من الأكاديمية بواسطة الزوجة، فضلاً عن تسريب أسماء فائزين بجائزة نوبل في الآداب، قبل الإعلان الرسمي عنها.
وفي سياق تفاعل الأزمة، وفي الاجتماع الطارئ الذي عقده ما تبقى من أعضاء الأكاديمية تمت إقالة السكرتير الدائم للأكاديمية سارا دانيوس، وتعيين الكاتب والباحث اللغوي أندش أولسون، سكرتيراً مؤقتاً بدلاً عنها.
وكانت سارا دانيوس أول امرأة تبوأت هذا المنصب في تاريخ الأكاديمية السويدية. ولم تدم به سوى سنتين فقط. وقد تفاعل المجتمع السويدي مع هذه الأحداث المتتالية، حيث نظمت حملة دعم للسكرتيرة المُقالة، شاركت فيها شخصيات شعبية ورسمية، من بينها وزيرة الثقافة آليس كونكه. كما طالب أكثر من مائتين وثلاثين باحثاً وأكاديمياً في مجال الأدب والثقافة بحجب الثقة عن الأكاديمية السويدية. حتى بلغ عدد من تركوا مقاعدهم في الأكاديمية ثمانية أعضاء، بالإضافة إلى السكرتيرة الدائمة.
ومن أجل إنقاذ هذه المؤسسة التاريخية، تدخل ملك السويد كارل غوستاف الثالث عشر، باعتباره راعي الأكاديمية السويدية التي أسسها جده غوستاف الثالث في العام 1786، لإجراء تعديل على نظامها الداخلي يتيح بموجبه حق العضو بالاستقالة، وليس كما هو منصوص الآن، حيث يمكن للعضو أن يقاطع اجتماعات الأكاديمية، ولكن يبقى مقعده باسمه حتى وفاته. وينص التعديل أيضاً على حق أعضاء الأكاديمية في اختيار أعضاء جدد.
بعد الإعلان عن التعديل الملكي على النظام الداخلي للأكاديمية السويدية، مباشرة، أعلنت الكاتبة لوتا لوتاس عن تقديمها طلب الاستقالة من عضوية الأكاديمية السويدية. ثم بعد أيام أعلن عضو آخر عن تقديم استقالته من الأكاديمية السويدية، وهي الكاتبة سارا ستريدبيري. حيث جاء ذلك في بلاغ صحافي للأكاديمية أن ستريبيري قدمت اليوم (أول أمس) السبت 27 أبريل طلباً لإعفائها من عضوية الأكاديمية.
يذكر أن الكاتبة انتمت إلى الأكاديمية العام 2016 بهدف التجديد في حياة هذه المؤسسة التي بات أغلب أفرادها كباراً في السن.

هل تفقد الأكاديمية السويدية
مهمة نوبل؟
تدخل الملك في تعديل جزء من النظام الداخلي للأكاديمية، واجه تحفظاً في بادئ الأمر، فالأكاديمية السويدية مؤسسة مستقلة، لا علاقة لها بمؤسسات الدولة. لكن تم قبوله باعتباره حلاً للأزمة. غير أن أزمة الأكاديمية، لم تنته، وبدا هناك تخوف من فقدانها للدور المهم الذي تضطلع به منذ العام 1901 عندما بدأت بمنح جائزة نوبل في الأدب لأول مرة. ويأتي هذا الهاجس على خلفية أن اسم الأكاديمية السويدية لم يرد في وصية نوبل بمن سيتولى مهمة اختيار من يفوز بجائزة الأدب، بل جاء في نص الوصية «أن تقوم أكاديمية في استوكهولم»، دون ذكرها بالاسم كاملاً. وقد تم تفسير ذلك بأنه يعني الأكاديمية السويدية التي تقوم مهمتها الأساسية على التعامل مع اللغة السويدية، وإصدار القاموس، ووضع أسس النحو إلى آخره. وبهذا فإن مؤسسة نوبل هي الجهة التي منحت الأكاديمية السويدية هذا الدور، وهي صاحبة الحق في إعفائها منه. وليس من المستبعد أن يكون هذا أحد الخيارات المطروحة، فقد تصاعدت أصوات عدد من الباحثين والأكاديميين في مجال اللغة والأدب بالتنويه إلى أن الأكاديمية السويدية فقدت مصداقيتها، ولم تعد مؤهلة لاختيار من يحصل على جائزة نوبل في الأدب، وأن بالإمكان حصر دورها في المساهمة بطرح أسماء مرشحين، شأنها شأن أكاديميات أخرى. مؤسسة نوبل نفسها عبَّرت عن قلقها من هذه الأزمة، وأشارت في بلاغ رسمي موقّع بأسماء أعضاء هيئتها الإدارية الثمانية إلى أن الثقة بالأكاديمية السويدية تصدعت كثيراً، معربة عن تخوفها من تأثير ذلك على جائزة نوبل. وهي بانتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، وما ستسفر عنه دعوة السكرتير الدائم (المؤقت) للأكاديمية أندش أولسون، الأعضاء المنسحبين، إلى العودة إلى مقاعدهم. كما أن قضية الاتهامات بالتحرش الجنسي والمخالفات المالية تحولت من طاولة مكتب المحاماة إلى الشرطة للتحقيق فيها.

ما الذي سيحدث في مسألة منح جائزة نوبل في الأدب هذا العام؟
الجواب على هذا السؤال الآني يبدو ملتبساً، لكن باعتقادي، سيأتي شهر أكتوبر (تشرين الأول) ومعه الإعلان عن حائز جديد بالجائزة، فأعضاء الأكاديمية السويدية، ربما، توصلوا إلى غربلة المرشحين، قبل انفجار الأزمة، وقلصوا عدد المرشحين، وحددوا ما يُعرف بالقائمة القصيرة. وقد يتوافقون على اسم الفائز. لكن المشكلة لا تكمن فقط في منح الجائزة هذا العام أو ترحيل منحها إلى العام المقبل، وإنما بتصدع الثقة في الأكاديمية السويدية، التي تواجه دائماً باتهامات كونها مسيسة وتقييماتها لمن يفوز بجائزة نوبل من منطلقات غير أدبية.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.