موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

TT

موسكو تراقب تحركات أميركا وتستعد لـ«تداعيات» الضربات

فور أن أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغريدته على موقع «تويتر» التي طلب فيها من روسيا أن تستعد للصواريخ «الذكية والحديثة والجميلة» التي سيلقيها على سوريا، انهال سيل من التوقعات والتنبؤات في وسائل الإعلام الروسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي حول طبيعة الرد الروسي المنتظر، وماذا ستفعل موسكو في حال نفذت واشنطن وعيدها، ووجهت ضربة كبيرة قد تصيب شظاياها، ولو بشكل غير مقصود منشآت فيها عسكريون روس.
كان واضحاً منذ فشل مجلس الأمن في إقرار أي من مشروعات القرار المقدمة ليلة الأربعاء، أن الوضع يتجه نحو ضربة عسكرية أميركية، لكن الترجيحات في موسكو انصبت على محاولات تقدير حجمها والتكهن بطبيعة بنك الأهداف الذي سوف يكون مشمولاً بها، مع استبعاد أن تلجأ واشنطن إلى «استفزاز مباشر» للروس. لكن كلمات ترمب قلبت النقاشات؛ لأنها خاطبت روسيا مباشرة، في تحدٍ واضح للكرملين. وهي أصابت جزءاً من الأوساط الروسية بصدمة، وفقاً لتعليقات إعلاميين روس. وإن كان بعضهم حاول التقليل من شأنها بالإشارة إلى «زلات لسان ترمب الكثيرة على توتير».
تزامن صخب السجالات مع تصريحات سفير روسيا لدى لبنان ألكسندر زاسيبكين التي تناقلتها بقوة وسائل إعلام عربية وغربية، وقال فيها إن الدفاعات الروسية «ستواجه الصواريخ التي تطلق على سوريا، وسوف تستهدف منصات إطلاقها». هذه العبارة أيضاً استخدمت بشكل واسع في إطار هستيريا التأجيج الإعلامي التي بدأت تتحدث عن «حرب عالمية ثالثة» محتملة، أو تعقد على الأقل مقاربات مع الوضع الدولي خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما حبس العالم أنفاسه متوقعاً اندلاع مواجهة نووية في أي لحظة.
تجاهل كثيرون وهم يتناقلون كلمات السفير الروسي العبارة الأصلية التي نسبها زاسيبكين إلى الرئيس فلاديمير بوتين وإلى قيادة الأركان الروسية، في إشارة إلى تصريحات سابقة للطرفين (بعد ضربة الشعيرات) لوّحت بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت منشآتها أو عسكريوها لخطر مباشر. بينما لم تعد موسكو في أي مرحلة بأنها ستواجه ضربة موجهة ضد منشآت الجيش السوري أو قواعد يتواجد فيها إيرانيون.
وكان ملاحظاً أمس، مع ضجيج التصريحات النارية أن الكرملين التزم الصمت ولم يوجه تهديدات، كما لم يدع بوتين مجلس الأمن القومي للانعقاد خلافاً لعادته في ظروف مماثلة. وحتى وزارة الدفاع تجنبت إطلاق تصريحات نارية خلال ساعات النهار. مع أن مصادر دبلوماسية قالت، إنه لا يمكن استبعاد أن تتحرك الدوائر الروسية في وقت لاحق لمواجهة الموقف. إنما «بعد دراسة المعطيات المتسارعة بشكل دقيق».
في غضون ذلك، جاءت تصريحات الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أهدأ من المتوقع، وهو قال إن الوضع القائم حول سوريا «متوتر للغاية، ولا سيما في ظل الهجوم الكيماوي المزعوم في مدينة دوما»، وأعرب عن أمل في أن «تتفادى جميع الأطراف الخطوات المزعزعة».
وشدد المتحدث الرئاسي، إن تطورات الوضع في سوريا تتطلب مراقبة دقيقة، مؤكداً الموقف الروسي الداعم لإجراء تحقيق مفصل في مزاعم استخدام السلاح الكيماوي.
ولفت إلى «خلافات عميقة بين موسكو وواشنطن»، موضحاً أن الطرف الروسي يعارض بشدة التصريحات الأميركية حول «الجرائم الوحشية للسلطات السورية»، وقال: إن التصريحات لا تستند إلى حقائق.
ولوحظ أن بيسكوف عندما سئل عن الرد الروسي المحتمل على الضربة الأميركية المنتظرة، قال: «نريد أن نأمل في أن تتفادى جميع الأطراف الخطوات غير المبررة، التي في الواقع من شأنها زعزعة الوضع الهش أصلاً في المنطقة». مضيفاً أن جدول أعمال الرئيس الروسي للفترة المقبلة لا يتضمن اتصالات مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الأميركية أنجيلا ميركل.
لكن لهجة الكرملين الهادئة لا تعني عدم وجود مخاوف جدية لدى موسكو من انزلاق الأمور نحو سيناريوهات لا ترغب فيها موسكو ولا واشنطن. والإشارة هنا إلى صِدام غير مقصود بسبب نقص أو خطأ في التنسيق، رغم أن المستوى العسكري الأميركي أبلغ وكالة «تاس» الروسية أمس، بأن «قنوات التنبيه لتفادي وقوع أخطاء غير مقصودة ما زالت تعمل رغم تردي العلاقات وانقطاع الاتصالات على مستويات مختلفة».
في هذه الأجواء، برزت التساؤلات عن طبيعة الرد الروسي المحتمل على أي ضربة أميركية مهما كان حجمها وأهدافها. وتناقلت وسائل إعلام روسية تصريحات لمسؤولين عسكريين تطوعوا لـ«تحليل موازين القوى» في البحر المتوسط الذي يعج حالياً بالمدمرات والسفن الحربية والغواصات.
ونسبت صحيفة «كوميرسانت» الرصينة إلى مصدر عسكري دبلوماسي تقليله من خطورة تحرك مجموعة من السفن الحربية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط على العسكريين الروس.
لكنه أوضح، أن «كل تعزيز للقوات في منطقة البحر المتوسط سيؤدي إلى تصعيد التوتر»، وزاد: إن العسكريين الروس يقومون بمتابعة تطورات الوضع وتقييمها، وهي مهمة تنفذها، منذ أيام عدة، طائرات الاستطلاع الروسية من طراز A - 50 التي تراقب سير مدمرة «دونالد كوك» الأميركية.
وأكد المصدر، أن الأسطول البحري الروسي «قادر على رد سريع عند الضرورة، وسيكون هناك من ينتظرهم عند قدومهم»، في إشارة إلى المجموعة الأميركية الضاربة.
وأوضح المصدر في أجهزة الإدارة العسكرية، أن القوى البحرية الروسية المتواجدة في مياه المتوسط لا تقتصر على السفن العادية بل تشمل أيضاً غواصات، بما فيها الغواصات النووية المزودة بطوربيدات وصواريخ «كاليبر» المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية. بالإضافة إلى ذلك، تملك قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية في سوريا صواريخ من نوع مضادة للسفن من طراز «كياك».
من جانبه، ذكّر الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الروسية، الجنرال يوري بالوييفسكي، بأن قدرات الأسطولين الروسي والأميركي تغنيهما عن ضرورة تقارب مباشر بين الطرفين في البحر. وأعرب بالوييفسكي عن قناعته بأن الأمر لن يذهب إلى توجيه ضربات مباشرة من قبل هذا الطرف أو ذاك.
ولفت مصدر آخر في لجنة الدفاع التابعة لمجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، إلى أن موسكو قد تستخدم ترسانتها من صواريخ «إس 400» و«بانتسير» المنصوبة على مقربة من قاعدتي حميميم وطرطوس إذا دعت الحاجة إلى حماية منشآتها.
لكن الملاحظ مع غياب التصريحات الرسمية المباشرة من المستوى العسكري، أن كل المتحدثين عن قدرات المواجهة الروسية تعمدوا إضافة عبارات مثل «إذا دعت الحاجة» أو «عند الضرورة»؛ ما عكس قناعة بأن الأمور «لن تتطور في الغالب إلى هذا المستوى» وفقاً لمصدر تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
وقال المصدر، إن موسكو تقوم بوضع عدد من السيناريوهات لمواجهة التطورات المحتملة، بينها أن تكون الضربة الأميركية المحتملة محدودة، وتستهدف بعض المنشآت التي يستخدمها الجيش السوري أو الوحدات الإيرانية في سوريا، وفي هذه الحال، فإن موسكو «سوف تتعامل بهدوء، لكنها سوف تستخدم الهجوم الأميركي لتوفير إدانة سياسية للولايات المتحدة». وفي حال قررت الولايات المتحدة مع حلفائها توجيه ضربة أوسع تهدف إلى تقويض البنى التحتية للنظام، فإن موسكو قد تعمل على مساعدته بطريقة غير مباشرة عبر توفير الدفاعات الجوية اللازمة وتكثيف تحركاتها العسكرية والدبلوماسية للتضييق على واشنطن ومحاولة تفكيك التحالف الذي تقوم بتشكيلة حاليا لدعم الضربة.
وشدد المصدر، إن موسكو «لن تتعامل في أي حال بشكل عدواني» بمعنى أنها لن تبدأ بعمل استفزازي، لكنها ستواجه الموقف وفقاً لتطوره.
ولفت مصدر آخر إلى أن روسيا قد تجد نفسها مضطرة إلى إجراء تغييرات رئيسية على تحركاتها في سوريا، بينها التراجع عن فكرة تقليص وجودها العسكري وزج وحدات وتقنيات إضافية، بالإضافة إلى مراجعة خطط تحركاتها مع حلفائها الميدانيين.
لكن أوساطاً دبلوماسية بدأت تتحدث عن تداعيات ربما تخرج عن إطار «ضربة عسكرية مهما كانت طبيعتها محدودة أو واسعة» وقال لـ«الشرق الأوسط» دبلوماسي روسي، إن السؤال المطروح هل ستذهب واشنطن نحو توجيه ضربة تكتيكية يكون الهدف منها إظهار جدية التعامل مع الملف الكيماوي فقط، أم أن ترمب بدأ يهيئ لمحاولة تغيير قواعد اللعبة في سوريا، لجهة تجاوز خطوط التفاهم الضمني الذي ساد خلال الفترة الماضية، حول مناطق النفوذ والتحرك لكل طرف. ورأى أن تطوراً من هذا النوع سيعني محاولة قلب الموازين التي نشأت خلال الفترة الماضية؛ ما يستدعي رداً روسياً قوياً ليس بالضرورة أن يكون عبر مواجهة مباشرة.
ولفت المصدر إلى أن موسكو تعمل على تنشيط اتصالاتها مع الأطراف المعنية، وخصوصاً حلفاءها لمواجهة التداعيات المحتملة.
وكان لافتاً أمس، الإعلان عن زيارة المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إلى طهران، وأن موضوع التهديدات الغربية بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا كان محور محادثاته وفقاً لوكالة «إرنا» الإيرانية التي أشارت إلى محادثات معمقة حول الوضع في سوريا مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، ومسؤولين آخرين، مضيفة: إن المحادثات تناولت «تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل عسكرياً» في سوريا.
ورغم أن توقيت الزيارة التي وصفت بأنها مفاجئة للفت الأنظار، لكن مصادر روسية قالت: إنها «منسقة في وقت سابق، وإن كان ملف التحضيرات لضربة أميركية طغى عليها». وأشار إلى أن «التنسيق السياسي والعسكري بين موسكو وطهران متواصل ولم ينقطع في أي لحظة».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.