استئناس العزلة روائياً

المصرية سمر نور في روايتها «السِّت»

سمر نور
سمر نور
TT

استئناس العزلة روائياً

سمر نور
سمر نور

تتكئ الكاتبة سمر نور في روايتها «الست»، على العزلة، وتتخذ منها طريقاً لاكتشاف الذات، واضعةً بطلتها في فضاء مراوِغ تتسع فيه المسافة بين الأنا والآخر والعالم، حيث تحاول البطلة إعادة ترتيب علاقتها بالمجتمع والبشر بإرادة حرة مستقلة، بعيداً عن أقنعة التكيف والتصالح الزائف مع المتناقضات، وما يفرضه الإرث الاجتماعي، الذي يستهجن أن تنفرد المرأة بذاتها في حياة خاصة، لا يشاركها فيها الرجل.
على مدار 92 صفحة، هي قماشة الرواية الصادرة حديثاً عن دار «العين»، تنحاز البطلة لعزلتها، تتفنن في استئناسها وترويضها بشتى الطرق، حريصة على ألا تتحول إلى غربة، لا تتمكن من العيش مع نفسها في ظلالها، وملامسة وجودها والكشف عن مساحات المهمَّش المنسيّ، المسكوت عنه، في رحلتها مع الآخر والحياة.
يتم كل هذا بأناقة مخيلة وبصيرة فنية خصبة، ويسهم ضمير الأنا المتكلمة في تنويع حركة المونولوج من الداخل إلى الخارج بسلاسة وتلقائية، فالتفكير في العزلة مجرد وعاء خاص للذات تلجأ إليه في لحظة خطرة، كما يعزز من فكرة الاختلاء بالذات، ليمكنها التحاور بحرية وحيوية مع نفسها دونما حواجز، لكنه لا يلغي الآخر أو ينفيه، بل يعمق من النظر إليه، ويوسع من خطى المشترك الإنساني معه.
يمثل عنوان الرواية المستوحى من صورة أم كلثوم، الموسومة في الوجدان الشعبي بـ«الست» أولى عتبات استئناس العزلة. فالذات تعثر في ظلال صوتها العبقري على «ونسة» خاصة، تكسر بها فراغها الرخو، مستعيدة في رذاذه أصوات الماضي والحاضر، الأحلام والذكريات، في حياة بطلة وحيدة على مشارف الأربعين اختارت العزلة ملاذاً لذاتها من شرور العالم ووحشيته، ليس بحثاً عن حياة بديلة أو موازية، إنما محاولة للإمساك بزمن مخاتل هارب وراء الأشياء.
في حيِّز مكاني ضيق، مجرد شقة بسيطة بحي شعبي، تختبر البطلة عزلتها، تلملم خيوطها، وتروضها في أبسط نثريات الحياة ومفرداتها العادية اليومية، وتشدها أحياناً إلى تخوم أبعد، أشبه بالقفز إلى المجهول الغامض، عبر رحلات خاطفة بالصحراء، في محاولة لتقصي حركة النجوم في الليالي المقمرة، بل لمسها تحت سماء مكشوفة، وهو ما يمكن أن أطلق عليه «الوجود بالحلم».
هناك توظيف لطاقة الحلم، في كثير من فصول الرواية، فهو ينسرب من جراب الماضي والحاضر، ويقف كنقطة ضوء في آخر النفق، ويشكل مفاتيح الحل لفواصل وعقد سمجة سميكة، خصوصاً بين تعارضات الروح والجسد، والواقع والخيال. لا يبلغ الحلم ذروته بالشطح والنزق فحسب، أو بالتعالق في فانتازيا معادة ومستهلكة، بل بإمكانية تحققه، وتوسيعه لأفق ومسام الكتابة. فكما أن الكتابة فعل وجود، هي أيضاً فعل حلم بالضرورة.
تفصح الكاتبة عن ذلك في جمل وعبارات نصية دالة، تطالعنا في نسيج الرواية، منها على سبيل المثال: «أعيش الحياة التي تموج بداخلي، ولن تسكن إلا إذا توقفت عن الكتابة»، أو «فإن لم أعش بطريقتي فلا معنى لما أكتبه»، أو «أرغب في التعود على الحياة داخل فراغ يخصني وأملأه بما أحبه». بل إن الحبيب المجهول، يتحول تحت وطأة مراوغات الحلم بالوجود إلى «كائن الصدفة»، العابر المقيم، كغبار عاطفي قديم في سقف الذاكرة والنسيان معا. أو يتراءى في هيئة رجل نحيف أسمر يصطاد على حافة بحيرة، كما في طقوس قراءة الفنجان (ص34 و44).
يتسع الحيِّز المكاني الضيق لترويض العزلة، واكتشاف منحنيات نموها وذبولها، فتبدو كأنها ترحال دائم في الطبيعية، وفي مغارة الذات، فنبتة الظل «البوتس» تختصر هذا المشهد بقوة، حين تذبل وتحترق أوراقها وأغصانها، مخلِّفةً ما يُشبِه المرثية لدفء أصبح مفتَقَداً ليس بحكم عوامل الطبيعة وتحولات التربة، وإنما بحكم خطى الزمن الغليظة، التي تفتح المغارة من جديد للوحش القابع في هواجس الماضي والحاضر معاً، الذي يبدو في أحيان كثيرة، قريناً للعزلة، يجب مراودته، حتى لا تخسر الذات معركتها مع حلمها وواقعها الجديد، بل تخرج منها على الأقل في حالة من التعادل، فالوحش هنا، في الداخل والخارج معاً.
لا يبتعد كثيراً عن هذه المشهد «رجل المول» الذي تراقبه الذات الساردة، وهي تكتب من مقعدها بـ«الكافيه»، رجل كهل أدمن الجلوس بمقعده المفضل، منذ أن يفتح «المول» ويغادره مع موعد الإغلاق... هذا الرجل بملابسه الأنيقة البسيطة أصبح يعرفه الجميع ويألفون حضوره، «يستند على رجال الأمن حتى دكته المفضلة، ويتطوعون بشراء ما يحتاج إليه من وقت لآخر إلى أن يحين موعد انصراف الموظفين، يقوم بصعوبة من مكانه، ولا يطلب مساعدة أحد، لا يتحدث كثيراً، لكن حين تسأل عنه أيّاً من المترددين على المكان سيقول عنه جملة واحدة: إنه رجل وحيد يستأنس بنا».
يفتتح هذه الرجل الذي يرفض العزلة، والبقاء بمفرده بالبيت بعد انصراف ابنته المدرسة للعمل، يفتتح عالم الرواية، وتنغلق عليه صفحاتها الأخيرة، ملوحاً للبطلة، وكما تقول: «اليوم، رآني، وهو متجه إلى سيارة ابنته، لوح لي مبتسماً، فلوحتُ لهما، له وللوحش الذي رافقه من (باب المول) حتى باب سيارة ابنته».
رمزيّاً يمثل «رجل المول» حجراً صغيراً في لعبة نظائر العزلة وتحولاتها الاجتماعية والإنسانية، يتعانق معه حجر آخر يمثله جار البطلة المسن العجوز ببسمته السمجة التي تنفر منها في البداية وتغلق الباب في وجهه، ثم تتعاطف معه بعد أن تتعرف عليه. وكما تقول: «لم يكن من يقف أمامي جار متطفل أتجنبه، بل رجل وحيد يستأنس بي».
نعم، نحن أمام لعبة بينها ملامح مشتركة من الوحدة والفقد والحرمان، لكنها بالنسبة للبطلة فعل اختيار محض وطريقة حياة، بينما يعيشها الآخرون بحكم وطأة الظروف الاجتماعية القاسية أيضاً.
اللافت هنا أن مدارات هذه اللعبة تعشق نقائضها وأضدادها أيضا، فشخصية سمير المهاجر صاحب البطلة الحميم الأقرب إلى نفسها، ورغم مرارة شعوره بالغربة يمثل إحدى هذه النقائض بقوة؛ فهو لا يخشى الوحدة التي تحدثه عنها بل يسخر منها أحياناً، لذلك تنتظر رسائله على «الشات» كأنها عاصفة صغيرة تزيح ما علق بالروح والجسد من غبار مكابدات ترويض العزلة، ومحاولة استئناسها.
على سلم العم فتحي النقاش، وهو يعيد طلاء جدران الشقة، وفي حوارات متقطعة معه، يتحدث عن حياته وواقع أسرته الاجتماعي المضطرب، وكأنه صورة مصغرة من واقع المجتمع، بينما تعري البطلة (الكاتبة) الساردة دخائل عزلتها، وتنكشف حمولتها النفسية في غمرة الألوان، التي تصبح مرادفاً لنظرتها لذاتها والحياة من حولها، هنا تستدعي فان جوخ، في لوحته «سماء لا نهائية»، فهر تنفر من اللون الأبيض بكل ظلاله، وتنحاز إلى الأزرق لونها المفضل، وإلى ألوان الصحراء بصفرتها الذهبية المتوهجة، غرفة النوم بلون أزرق سماوي، الصالة باللونين الأصفر والأزرق الأقرب إلى ألوان البحر.
لا تنفصل صداقة اللون عن صداقة الحياة الني تنشدها وتحلم بها، في هذه الحيز البسيط الذي يشكل غزوتها الوحيدة الجسور، تحت راية الاستقلال عن الأسرة، التي لم يبق فيها سوى حنان الأم المتلعثم بعد موت الأب عروة صداقتها وألفتها مع نفسها والحياة.
وإذا كانت لعبة استئناس العزلة تفترض اليقظة التامة، فإنها أيضاً تفترض النسيان أحياناً، فللأشياء دائما صورة شبحية، تكمن تحت قشرة اللاوعي لكنها تطل في لحظات فارقة، شديدة الحساسة مخلفة ربكة مجنونة في فضاء الذات والواقع معاً، فلا بأس إذن من مشاكسات العزلة في ألاعيب مغوية، تتساوي فيها الحقيقة أحياناً بظلالها... من هذه الألاعيب تبدو حكاية القطة التي أدمنت الجلوس أمام باب الشقة، وكأنه بيتها الخاص، وكذلك حكاية نسيان المفتاح في باب الشقة، ومع تكرارها، تلجأ البطلة إلى حلول أشبه بطقوس الخرافة الشعبية، أو لعبة القط والفأر، حين تتوهم أن ثمة فأراً يعبث في كائنات المطبخ، بل إن ما يحدثه من فوضى متوهمة يصل إلى مسامع الأصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي في أقصى بقاع الأرض، والبحث عن أحسن طريقة علمية لقتل فأر، بعيداً عن نوازع الانتقام والتشفي. لكن ليس ثمة فار. إنه مجرد صدى لاصطدام مخلفات يلقيها الجيران على أرضية «مَنوَر» العمارة.
تضفي هذه المشاغبات على الرواية روحاً مرحة، وتجعلنا أمام لغة سردية سلسة قادرة على الضحك، واصطياده ليس فقط من مفارقات الحياة والواقع، بل من المقدرة على جعله يمشي فينا بحيوية ودفء.



من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
TT

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)

في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، حيث كانت السفن تقترب من الساحل محمّلة بالبضائع والحجاج والقصص القادمة من أطراف العالم، يقيم متحف البحر الأحمر معرضه المؤقت «كنوز غارقة... التراث البحري للبحر الأحمر» في محاولة لاستعادة تاريخ طويل ظل جزء كبير منه مغموراً تحت الماء.

المعرض لا يقدم قطعاً أثرية فحسب، بل يعيد فتح صفحات من ذاكرة البحر الأحمر، ذلك الممر الذي ربط لقرون الجزيرة العربية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وحمل فوق أمواجه الحجاج والتجار والرحالة، بينما احتفظ في أعماقه بشواهد من السفن والبضائع والقصص التي لم تصل يوماً إلى مرافئها.

كسر أوانٍ خزفية اكتُشفت في باب البنط (الشرق الأوسط)

وتوضح مديرة المتحف إيمان زيدان أن المعرض يهدف إلى تعريف المجتمع بالتراث البحري للساحل السعودي، الذي شهد مرور الحجاج والرحالة وازدهار موانٍ تاريخية مثل الشعيبة وجدة، إضافة إلى مرافق ساحلية مثل فرسان والسيرين، التي شكّلت عبر القرون نقاط اتصال ضمن شبكات تجارة ربطت الجزيرة العربية بآسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتشير زيدان إلى أن كثيراً من هذا الإرث ظل لفترة طويلة مغموراً تحت الماء وغير متاح للجمهور، حتى كشفت أعمال المسح الأثري الحديثة عن مواقع وسفن ومقتنيات أعادت تسليط الضوء على تاريخ البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري.

كتاب العربية الغربية والبحر الأحمر (الشرق الأوسط)

خرائط البحر... بداية الحكاية

تبدأ الجولة بخرائط أوروبية وفرنسية تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر، تكشف كيف كان العالم ينظر إلى البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً يصل آسيا بأفريقيا.

ويشرح مرشد المعرض جاسر الدالي أن هذه الخرائط تبرز أهمية البحر الأحمر في تاريخ الملاحة؛ إذ شكّل نقطة التقاء لطرق التجارة العالمية، وارتبط بالمواني التي ازدهرت على سواحله.

وبالقرب منها، يعرض كتاب يعود إلى عام 1946 يتضمن صورة قديمة لمدينة جدة، إضافة إلى مخطوطة تشبه البوصلة استُخدمت لمعرفة المسافات بين مكة ومدن العالم، في دلالة على مكانة المدينة في حركة الرحلات والملاحة.

صور تعكس مشهد الحياة التجارية في جدة قديماً (الشرق الأوسط)

الحياة فوق السفينة

مع الانتقال إلى القسم التالي، يتغير الإيقاع البصري للمتحف. فالأرضية الخشبية وصوت الأمواج يعيدان خلق أجواء السفن القديمة، بينما تصطف توابل جاءت من أماكن بعيدة: منها جوز الهند، المسك، الكركم، الحناء، والهيل.

يوضح الدالي أن هذه السلع تعكس الدور التجاري للبحر الأحمر بوصفه ممراً يربط أسواق آسيا بالجزيرة العربية.

أما الحياة اليومية للبحارة، فكانت أكثر بساطة وتعقيداً؛ إذ استخدموا الغناء لتنظيم العمل على متن السفينة، فالإيقاع السريع يعني شد الحبال بسرعة، والبطيء يعني التمهّل، في نظام جماعي يساعد على تنسيق الجهد خلال الرحلات الطويلة.

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

الأسطرلاب... قبل عصر الأقمار الاصطناعية

في إحدى خزائن العرض يبرز الأسطرلاب النحاسي، وهو أداة فلكية استخدمها البحارة لتحديد الاتجاه والوقت عبر مراقبة الشمس والقمر.

ويشير الدالي إلى أن الأسطرلاب كان يمثل في زمنه ما يشبه نظام تحديد المواقع الحديث، قبل أن تنتقل الملاحة إلى عصر التقنيات الرقمية.

وفي المعرض، يمكن للزائر مشاهدة شاشة تعرض حركة السفن التي تعبر البحر الأحمر في الوقت الفعلي، مع معلومات عن مسارها وسرعتها وحمولتها، في مقارنة حيّة بين الملاحة القديمة والملاحة الحديثة.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)

العملات... لغة التجارة القديمة

في خزائن أخرى تظهر مجموعة من العملات التي تعكس تنوع العلاقات التجارية عبر البحر الأحمر.

تشمل هذه العملات قطعاً من العهد الأموي وأخرى من الدولة العثمانية، إضافة إلى عملات هندية وبريطانية؛ ما يعكس شبكة تجارة امتدت عبر قارات عدة.

وبين هذه القطع، تبرز سبحة مصنوعة من اليسر المكاوي — وهو نوع نادر من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر — مطعّمة بالفضة، وتعدّ من أجمل وأغلى المسابح التقليدية.

هذه السبحة لا تمثل مجرد قطعة زينة، بل هي شاهد على ارتباط الحياة اليومية بثروات البحر نفسه.

سبحة من اليسر المكاوي المستخرج من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

حطام سفينة أملج

أحد أكثر أقسام المعرض جذباً للانتباه هو مقتنيات حطام سفينة أملج، التي اكتُشفت عام 2007 واستُخرجت بعض آثارها عام 2015.

تشمل القطع المعروضة مقابض خناجر وأدوات شخصية مثل مشط وملعقة، إضافة إلى فناجين خزفية بزخارف صينية؛ ما يشير إلى أن السفينة كانت تحمل بضائع قادمة من شرق آسيا.

كما يعرض المعرض جراراً اكتُشفت في جزيرة فرسان كانت تستخدم لنقل التوابل والحبوب والعصائر عبر البحر.

لكن البحر الأحمر لم يكن طريقاً سهلاً للملاحة؛ فالشعاب المرجانية الكثيفة، والتيارات القوية، وصعوبة الملاحة ليلاً جعلت من الإبحار فيه تحدياً حقيقياً للبحارة.

ويستحضر المعرض قصيدة للجغرافي الشهير الإدريسي تصف البحر الأحمر بأنه بحر صعب المسالك، في إشارة إلى المخاطر التي كانت تواجه السفن في تلك الحقبة.

قرص حجر رحى دائري بثقب مركزي من ميناء السيرين (الشرق الأوسط)

كنز الشعيبة

ومن أبرز الاكتشافات المعروضة كنز الشعيبة، الذي يضم نحو 5 آلاف عملة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، يُعرض منها نحو 300 قطعة فقط.

يشير الدالي إلى أن هذه العملات كانت غارقة في البحر الأحمر لقرون، قبل أن يُستعاد بعضها بالتعاون مع الإنتربول ووزارة الخارجية ليعود إلى المملكة ويعرض في هذا المعرض.

وفي نهاية الجولة، يتضح أن المعرض لا يكتفي بسرد تاريخ البحر الأحمر، بل يطرح سؤالاً أكبر: كم من القصص ما زال مخبأ في أعماقه؟

فبين الخرائط القديمة، وأدوات الملاحة، ومقتنيات السفن الغارقة، يبدو البحر الأحمر هنا أرشيفاً مفتوحاً، لا تزال صفحاته تُكتشف واحدة تلو الأخرى، وبهذا يخرج الزائر من «كنوز غارقة» وهو يدرك أن البحر لم يكن مجرد طريقٍ للسفن... بل ذاكرة كاملة، ما زالت تحتفظ بالكثير مما لم يُكتشف بعد.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)


فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 9 مارس (آذار) نظم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات، تحت عنوان «همسها لون» متضمناً أكثر من 70 عملاً فنياً متنوعاً بين الرسم والنحت والغرافيك.

المعرض الذي استضافته قاعة آدم حنين بالهناجر في دار الأوبرا المصرية شارك فيه فنانون من السعودية ومصر وقطر والبحرين وألمانيا وروسيا وأوكرانيا، بأعمال تعبر عن حضور المرأة في البيئات العربية المختلفة، وكذلك في الدول الأجنبية.

ويضم المعرض لوحات تعبر عن مدارس فنية متنوعة من التعبيرية إلى التجريدية والسريالية والتأثيرية، بالإضافة للحضور التراثي والتاريخي في اللوحات، خصوصاً لدى فنانين مصريين، وفق حديث الفنان مصطفى السكري، منسق المعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض أيضاً اهتم بتنوع الأجيال المشاركة والتي طرحت قضايا المرأة ورؤيتها للعام بطريقة فنية مميزة، وكان الاحتفاء الأكبر بالفنانات المصريات والعرب من خلال إبراز أعمالهن».

وعن افتتاح المعرض وتخصيصه هذه المناسبة يتابع: «في هذا اليوم المضيء باسم المرأة، نفتح أبواب الفن على اتساعها لتحية الكيان الذي علّم الضوء كيف يُرى، واللون كيف يُحسّ؛ فالمرأة ليست موضوعاً في اللوحة فقط، بل روحها الخفية، نبضها العميق، وسرّ توازنها الجمالي، فالمعرض يحتفي باليوم العالمي للمرأة، ولا يكتفي بتكريم المرأة فحسب، بل يعترف بدورها الملهم في تشكيل الوعي والجمال والحياة».

أعمال المعرض احتفت بالمرأة بروح تراثية (الشرق الأوسط)

وعدَّ المرأة تمثل «صوت الإبداع حين يبحث عن معنى، وملهمة الفنان منذ فجر الحضارة حتى اللحظة الحالية». وأشار إلى أن نخبة من الفنانات والفنانين افتتحوا المعرض، مع الدكتورة مها شهبة عضو اللجنة الثقافية بالمجلس القومي للمرأة، التي قامت بافتتاح المعرض نيابة عن المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس. كما حضر أيضاً الفنانون والأكاديميون سهير عثمان وحنان موسى ووهاد سمير وأمل أبو زيد وحسن عبد الفتاح والفنان فواز.

ومن بين لوحات المعرض لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني تجسد فيها المرأة انطلاقاً من فن البورتريه الذي يبرز الملامح الفردية والشخصية، وما يمكن أن تحمله هذه الملامح من أبعاد مختلفة دليلاً على الحزن أو الفرح أو السكون أو البهجة باستخدام وجه غير محدد الملامح ليوحي بامتداد الأفكار لينسحب على أكثر من نموذج أنثوي.

وشارك في المعرض نحو 50 فناناً من الفنانين المحترفين والأساتذة المتخصصين بالجامعات الفنية المصرية، والدارسين والموهوبين وذوي الاحتياجات، ويمثل المعرض تنوعاً ثرياً في الأجيال المختلفة وتنوعاً في التقنيات والخامات والرؤى الجمالية والقضايا التي تناولها كل فنان في عمله.

فنانون من أجيال مختلفة شاركوا في المعرض (الشرق الأوسط)

ويشير السكري إلى أن المعرض «يحتفي بالمرأة بوصفها روح الجمال ومصدر الإلهام الأول للفن، ويقدم تحية لكل امرأة جعلت من الفن لغةً، ومن الوجود أثراً لا يُنسى»، معتبراً المعرض لا يقدم لوحات وأعمالاً فنية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم رؤى وقضايا وحكايات عن المرأة في كل مكان بالعالم، مؤكداً أن المعرض يجدد صورة المرأة وحضورها المؤثر في المجتمع كأم، ومبدعة، وفنانة، وقائدة.

وتناولت بعض اللوحات المرأة من منظور جمالي، وما تمثل من طاقة نور وفرحة وسعادة في العالم، ولوحات أخرى عالجت الحضور النسوي في التراث، كما تبدت فنون الحروفية وما تتضمنه من حس ناعم في التعامل مع الألوان والتكوينات المختلفة والمتناغمة للحروف، بالإضافة للأعمال النحتية التي اتسمت بالانسيابية والتناغم مع فكرة المعرض.


شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده، موضحاً أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للترفيه؛ بل هي وسيلة للتعبير العاجل عن الواقع وما يحمله من تناقضات.

وأضاف سوميت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه يعيش حياته اليومية بعينين مفتوحتين على ما يحدث حوله؛ حيث يرى كيف تتغير المجتمعات مع تسارع النمو الاقتصادي، وهو ما يدفعه دائماً إلى التفكير في تحويل هذه الملاحظات إلى قصص سينمائية. وأوضح أن «بنغلاديش تمر بمرحلة نمو اقتصادي سريع، وهو أمر يبعث على التفاؤل من جهة، ولكنه من جهة أخرى يترك آثاراً اجتماعية وبيئية معقدة»، مؤكداً أن هذا النمو قد يأتي أحياناً على حساب العدالة الاجتماعية أو البيئة، وأنه يشاهد يومياً هذه التناقضات، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن طريقة للتعبير عنها فنياً، من خلال السينما التي كانت وسيلته لتوجيه هذه الطاقة والقلق نحو العالم.

المخرج البنغالي رضوان شهريار (الشرق الأوسط)

وفي إنجاز لافت للسينما البنغالية المستقلة، فاز فيلم «ماستر» في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي الدولي» بجائزة مسابقة «الشاشة الكبيرة»، وأشادت لجنة تحكيم المسابقة بالفيلم في بيانها، مؤكدة أنه «يقدم رؤية إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان».

وأكد سوميت أن فوز الفيلم في «روتردام» كان مفاجأة كبيرة بالنسبة له؛ خصوصاً أن «ماستر» مشروع مستقل بالكامل تقريباً، معتبراً أن الجوائز تلعب دوراً مهماً في حياة صُنَّاع الأفلام المستقلين؛ لأنها تساعدهم في الوصول إلى الممولين والموزعين ومبرمجي المهرجانات، كما تمنح الفيلم فرصة أوسع للانتشار.

وقال سوميت إن «المنافسة في المسابقة كانت قوية للغاية، لكونها ضمت أفلاماً لمخرجين معروفين وأسماء بارزة في السينما العالمية، وهو ما جعل مجرد المشاركة في المهرجان تجربة مهمة بالنسبة له»، مؤكداً أن الاحتكاك بهذه الأعمال يمنح صناع الأفلام فرصة كبيرة للتعلم وتبادل الخبرات.

وأضاف أن لحظة إعلان الجائزة كانت لحظة استثنائية بالنسبة له ولطاقم الفيلم؛ ليس فقط لأنها تكريم للعمل؛ بل لأنها تمثل أيضاً اعترافاً بالسينما البنغالية المستقلة، لافتاً إلى أن هذا النوع من التقدير يمنح صناع الأفلام في بلاده دفعة معنوية كبيرة للاستمرار في تقديم قصصهم للعالم.

وعن التحديات التي واجهت إنتاج الفيلم، أوضح سوميت أن «التمويل كان العقبة الأكبر؛ لأن صناعة فيلم في بنغلاديش تحتاج غالباً إلى جهد أكبر، بسبب محدودية الإمكانات المتاحة».

وكشف سوميت أن المسودة الأولى من سيناريو «ماستر» كُتبت في أواخر عام 2022، واستغرق العمل عليها أكثر من 3 سنوات، وعندما بدأ العمل على الفيلم وعرض الفكرة على عدد من المنتجين والشركاء، أبدى كثيرون إعجابهم بالموضوع، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا مترددين في المشاركة بسبب حساسية موضوع الفيلم؛ حيث يتطرق إلى قضايا تتعلق بالبيروقراطية والفساد المؤسسي، والعلاقات المعقدة بين السلطة السياسية وأجهزة إنفاذ القانون.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «بعض المنتجين رأوا أن المشروع يحمل قدراً من المخاطرة بسبب طبيعته السياسية، إضافة إلى أن الفيلم ينتمي إلى نوع الدراما السياسية المشوقة التي تحتاج إلى مساحة إنتاجية واسعة نسبياً، وأن تنفيذ هذا النوع من الأعمال ليس سهلاً في صناعة سينمائية محدودة الموارد مثل بنغلاديش».

وأضاف أنه تمكَّن في النهاية من الحصول على منحة حكومية؛ لكنها لم تكن كافية لتغطية جميع تكاليف الإنتاج، لذلك اضطر إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، موضحاً أن بعض الأشخاص الذين دعموا الفيلم لم يكونوا من العاملين في مجال السينما؛ بل كانوا أصدقاء ومعارف يؤمنون بمشروعه، ويرغبون في رؤيته يتحقق، إلى جانب مساهمته بجزء من أمواله الخاصة في تمويل الفيلم، بعدما عمل خلال السنوات الأخيرة في قطاع الشركات وإنتاج المحتوى التجاري، مما ساعده على توفير جزء من الميزانية اللازمة للمشروع.

وعن اختيار الممثلين، قال سوميت إن «الدور الرئيسي في الفيلم أُسند إلى الممثل نصير الدين خان، وهو أحد الوجوه المعروفة في السينما البنغلاديشية. ولكن السبب الحقيقي لاختياره لم يكن شهرته فقط؛ بل طبيعة الأدوار التي اعتاد تقديمها، فهو ممثل اشتهر بتجسيد شخصيات مظلمة أو سلبية، غالباً ما تكون مدفوعة بالطمع أو الرغبة في السلطة».

وأوضح أنه رأى في ذلك فرصة لتقديمه في دور مختلف تماماً؛ إذ تبدأ شخصية «ماستر» كرجل مثالي محبوب في مجتمعه، معروف بنشاطه الاجتماعي ورغبته في مساعدة الآخرين. ولكن مع تطور الأحداث تبدأ السلطة والضغوط المحيطة به في كشف طبقات أخرى من شخصيته.

خلال تسلم الجائزة في روتردام (الشركة المنتجة)

وأردف بأن هذه الرحلة النفسية المعقدة للشخصية كانت من أهم عناصر الفيلم، لذلك كان بحاجة إلى ممثل قادر على إظهار هذا التحول التدريجي من المثالية إلى الظلام، مؤكداً أن نصير الدين خان تحمس للفكرة منذ اللحظة الأولى؛ لأنه رأى فيها فرصة للخروج من الصورة النمطية التي حُصر فيها داخل الصناعة.

وعن تجربة التصوير، قال المخرج إن «أحداث الفيلم تدور في بلدة صغيرة تقع بالقرب من غابة، مما جعل الطبيعة جزءاً أساسياً من بناء القصة. والغابة لم تكن مجرد خلفية بصرية جميلة؛ بل كانت عنصراً سردياً مهماً في الفيلم؛ إذ ترتبط بشكل مباشر بالصراع الذي يطرحه العمل».

وأكد أن السكان المحليين الذين يعيشون بالقرب من الغابة يعرفون جيداً كيف يتعايشون معها ويحافظون عليها؛ لأنها جزء من حياتهم اليومية، ولكن في المقابل تظهر أطراف أخرى تسعى إلى استغلال مواردها وتحويلها إلى مصدر للربح؛ مشيراً إلى أن الفيلم يتناول أيضاً فكرة الشركات الكبرى التي تحاول تنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة في هذه المناطق، مثل بناء فندق فاخر بالقرب من الغابة، وهو ما يهدد التوازن البيئي والاجتماعي في المكان.

واعتبر أن تصوير الفيلم داخل الغابة كان تحدياً لوجستياً كبيراً، لكون العمل امتد عبر فترات مناخية مختلفة، ففريق العمل بدأ التصوير في نهاية الشتاء وسط ضباب كثيف، ثم واجه حرارة الصيف المرتفعة، قبل أن تقترب الأمطار مع بداية موسم الرياح الموسمية. وخلص إلى أن «هذه الظروف الطبيعية كانت صعبة في بعض الأحيان، ولكنها في الوقت نفسه أضفت أبعاداً جمالية وبصرية مميزة على الفيلم».